الحدث الجزائري

الحرائق الجفاف الحرارة .. اسباب التقلبات الجوية

 
محمد حسن خليل
تجتاح العالم ظواهر يقال إنها طبيعية من حرائق الغابات الضخمة التي اكتسحت العشرات والمئات من آلاف الهكتارات في غرب أمريكا إلى اليونان وتركيا وروسيا وأستراليا، بالإضافة إلى الفيضانات الضخمة في ألمانيا وبلجيكا ولوكسمبرج حتي كوريا الشمالية، مع الارتفاع الشديد في الضحايا من قتلى ومصابين وتدمير مدن وغيرها.
وأقول إن تلك الظواهر يتم وصفها زورا بالطبيعية لأسباب سأعرضها. طوال القرن السادس عشر، عاشت البشرية عصرا تصورت فيه أن هدف التطور هو سيطرة الإنسان على الطبيعة. ويرجع هذا إلى منجزات الثورة الصناعية التي اخترعت في أواخر القرن الثامن عشر الآلة البخارية التي أدارت المصانع وسيرت السفن البخارية والقطارات. وليس من العجيب أن تقاس قوة الآلات بمناظرتها بعدد الأحصنة لأنه كان أداة القوة الوحيدة (ربما بجانب الرياح) قبل ثورة الآلة البخارية. لقد أحس الناس بقوتهم الهائلة، وبدا لهم حتمية ومشروعية هدف السيطرة على الطبيعة.
مع تطور هذا الاتجاه بدأت تظهر الدلائل على نواقص ذلك التصور ومخاطر سلوكيات الاستثمار على النمط السائد. تفجر الموضوع بشدة على إثر ظهور كتاب “الربيع الصامت” لراشيل كارسون عام 1964. وما تقصده هي بالربيع الصامت هو أنها تبدأ بوصف وصول الربيع بدون صوت طيور ونحل وغيرهم بعد إبادتهم على يد التلوث الصناعي بالمخلفات البترولية والمعادن الثقيلة، والزراعي بالأسمدة والمبيدات، ثم أوضحت أنه رغم أن ما وصفته وضع تخيلي إلا أن كل جزء منه قد تحقق بالفعل في أماكن متعددة.
ومنذ ذلك الحين تطورت قضية البيئة من مجرد تلوث لكي ترتقي إلى إدارة الموارد الطبيعية لصالح أغلبية السكان، مع الحفاظ على البيئة وضمان استمراريتها واستدامتها مع الوقت. برز الصراع حادا بين العلماء الذين أخذوا يحذرون من مخاطر الاستمرار في نمط الاستثمار السائد وأهمية تعديل نمط الاستثمار خصوصا مع تكشف مخاطر الاحترار المناخي وأثره في ذوبان القطبين الشمالي والجنوبي وتقلص مساحتهم وتهديد كل هذا لمستقبل البشرية. كما برزت التغيرات المناخية التي اخذت مظهر التصحر وانتشار الجفاف والمجاعات في بعض الأماكن، مع انتشار الأعاصير والفيضانات في أماكن أخرى.
تعددت المؤتمرات والتوصيات التي تهدف إلى تقليل انبعاث ثاني أكسيد الكربون وغازات الدفيئة الحرارية، في مقابل بعض ممثلي الشركات من “العلماء” والأدعياء بالحديث عن تلك الظواهر باعتبارها “تغيرات مناخية” بدلا من “احترار مناخي” والتقليل من آثارها أو إنكارها بالكامل. وبرز الصراع حادا بين هؤلاء العلماء وبين الشركات الكبرى المدفوعة بدافع تحقيق أقصى ربح. من جديد نرى التعارض من حافز الربح وبين مصلحة الإنسان، وينبعث الشعار الجماهيري “الإنسان قبل الأرباح” في مواجهة سلوك الاحتكارات الذي يجعل الأرباح قبل الإنسان.
ترافق مع هذا تغيير هدف سيطرة الإنسان على الطبيعة إلى هدف التوافق بين الإنسان والطبيعة، وفهمها والحرص على أن تتوافق تغيراته البيئية والصناعية مع قوانين الطبيعة بما يضمن لها الاستمرارية، وتظل الأرض معيلة لأبنائها البشر طالما ظلوا متوافقين أوفياء لها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى