تعاليقرأي

التوجيه المعنوى

محمد حسين يونس

لم يحقق الجيش المصرى أى إنتصار خارجي حاسم خلال القرنين العشرين و الحادى و العشرين ..إن أقصي ما توصل إليه هو الصمود في سيناء للحصار و عدم الإستسلام سواء في الفالوجا أو راس العش أو شدوان أو الجيش الثالث في حرب أكتوبر.. أو تخريب بعض القطع البحرية في ميناء إيلات . بالإضافة الي عبور سد بارليف بنجاح .
و مع ذلك .. فعندما يتكلم المصريون عن جيشهم .. حتي في حروبه الصغيرة ضد الإرهاب التي ليست في كل الأحوال في صالحة .. يملأ الحديث نبرة الفخر و الإعتزاز .. والتفوق الذى يقلب الهزائم لإنتصارات .. يصاحبه في بعض الأحيان الوعظ الوطني .. كأن يقول أن (( القوات المسلحة جزء من نسيج المصريين أحسن إعدادة )) ..كما جاء في كتاب الأستاذ يحي زكريا شلش .. الذى جعل عنوانه (( أبطال عمليات إيلات و الحفار )) .. ((بطولات القوات البحرية المصرية يونيو 67 – اكتوبر 73)) .
و العنوان لا يدل علي مدى أهمية محتويات الكتاب .. فقد يوحي بأنه نشرة من نشرات إدارة التوجيه المعنوى للقوات البحرية .. خاصة أن ورقه من النوع الفاخر الذى يستخدم في بروشورات الدعاية للبضائع القيمة و فنادق و منتجعات الخمس نجوم .. و غلافه الأزرق المتدرج في اللون به بؤرة ضوء بيضاء حول ضفدعان بشريان يغوصان .. ولا يحمل معلومات عن جهة النشر أو تاريخة .. و تزدان صفحات الكتاب بالعديد من الصور الفوتوغرافية .. لضباط من البحرية ..مع حوارات عديدة معهم تمتليء بالحماس و الفخر .. و تذكر تاريخ حياة كل منهم و تستعرض منجزاته و نياشينة و ترقياته .
العنوان و التنسيق العام و الغلاف ظلموا الكتاب .. فلقد بذل المؤلف جهدا كبيرا ..في توثيق ما حدث منذ نفارين 1837 أيام محمد علي مرورا بالصراع المصرى الإسرائيلي 48 و 56 و 67 وركز علي حرب الإستنزاف .. و كان إلي درجة كبيرة موفقا فيما قدم بنبرة خطابية يشوبها ..رغم الهزائم ..إعتزاز وطني و فخر يذكرنا بألافلام التي تصنعها القوات المسلحة..أو المسلسلات الحديثة التي أتحفنا بها التلفزيون في رمضان .
أغلب ما قدمه المؤلف .. معروف لدى.. و هو من وجهة النظر الرسمية صحيح لانه منقول من دفاترهم ..إلا أن الفترة التي تلت حرب 67 ..موضوع الكتاب..و قد كنت فيها أسيرا لم أتعرف عليها بالتفصيل .. إلا من فصوله عن الباخرة ليبرتي .. و معركة رأس العش و إغراق المدمرة إيلات .. و ما يجعله يعتقد بان ما تم تدميره كان باخرتين و ليس واحدة ..ثم ضرب الغواصة الإسرائيلية أمام الأسكندرية و أسر سته من ضفادعهم البشرية .و كلها كانت تمثل لدى أسئلة حائرة لم أجد إجاباتها إلا في فصول الكتاب
الجزء الأساسي الذى قدمه المؤلف بإستفاضة كان حول ماحدث بعد حرب 67 فرغم معايشتي له بالقوات المسلحة إلا أنني لم أكن أدرى بما كان يحدث حولي .. فقد كنا مشغولين بتجهيز المواقع للدفاع ..في حالة تطورالموقف ..لذلك أجدة أيضا مفيدا لإستكمال معلوماتي .
الفترة من يونيو 67 إلي أكتوبر 73 فصلها المؤلف يتقسيمها إلي أربعة مراحل .. الصمود (يونيو 67 إلي أغسطس 68 ) .. الدفاع النشط ( سبتمبر 68 إلي فبراير 69 ) ..الإستنزاف ( مارس 69 إلي أغسطس 70 ) ثم ينتهي القتال حين قبل عبد الناصر مبادرة روجرز ..لتبدأ مرحلة التمهيد و الإعداد للمعركة ( أغسطس 70 إلي أكتوبر 73 )
و هو يقول أن إسرائيل في هذه الحرب خسرت 2600 قتيل بينهم 40 طيار .. 700 جريح .. و هي خسائر تفوق خسائرها في حرب 67 .
ورغم تصورى قبل قراءه هذا المقال أن حرب الإستنزاف كانت إستنزافا للشعب المصرى الذى عاني من ضراوة طيران العدو..و ضربه لمدرسة أطفال بحر البقر و خطوط ضغط كهرباء السد العالي .. و عمال المقاولات الذين يشيدون حائط الصواريخ .. إلا أن المؤلف يضيف جانبا أخر عن عمليات إنزال إسرائيلية في الجزيرة الخضراء قرب السويس و الزعفرانه و رأس غارب ( الديك ) حيث تم تفكيك و نقل رادار سوفيتي.. ثم غزو جزيرة شدوان و أظهر أنها كانت مغامرات ليست ذات عائد عسكرى كبير بسبب أن القوات المصرية واجهتها و ابلت فيها بلاء حسنا.
هذا يمثل تقريبا نصف الكتاب .. معلومات غزيرة موثقة .. و رغم نبرة الفخر الشوفوني التي سادت فقرات معظم الحديث..إلا أنني لم أجد في الكتب التي تناولت هذا الموضع ما يماثلها في الترتيب….و الفهم .. إلا بالطبع كتاب أمين هويدى الفرص الضائعة ..
النصف الثاني المعنون بشكل مسرحي .. بالخط العريض و صورة لعلم مصر تملأ الصفحة ..(( و الان إلي عمليات رجال الضفادع البشرية من لواء الوحدات الخاصة البحرية المصرية )).. يتحدث فيه عن رجال الفرع الوحيد من القوات المسلحة الذى لم يتضرر في 67 .
و يتابع نشأة و تطور لواء الوحدات الخاصة البحرية .. و الضفادع البشرية المصرية .. مع شرح تفصيلي لكيف أدخلت جيوش العالم مثل هذة الوحدات في قواتها ..ثم إسلوب تدريبها في مصر و العمليات التي قامت بها لإختراق ميناء إيلات لخمس مرات و إعطاب أو إغراق بعض القطع البحرية أو إتلاف رصيف الميناء ..و هي أحداث قريبة من فيلم الطريق إلي إيلات ..
ثم وصف عملية تدمير الحفار الإسرائيلي في ابيدجان 1970 بالتعاون مع المخابرات و جاءت أيضا لا تختلف عن ما جاء بمسلسل الحفار ..
ثم حديث طويل عن الأبطال الذين قاموا بهذه العمليات بالتواريخ والأسماء و الصور و الخرائط .. ثم أسماء أبطال شاركوا من لواء الوحدات الخاصة البحرية الضباط و الصف ضباط…
ثم يوجه الحديث للقارىء حتي يتأكد أن الهدف من نشر الكتاب قد وصل إليه
(( تذكر أيها القاريء الكريم و يا شباب مصر و أنتم تقرأون الصفحات التالية أنهم كانوا شبابا في أوائل العشرينيات من عمرهم و كان بعضهم حديث الزواج و البعض ينتظر أول مولود لأسرته الصغيرة .. بل منهم من كان أب لطفل رضيع إلا أن نداء الوطن كان أكبر .. بارك الله فيهم و متعهم بالصحة و العافية و رحم الله من رحلوا عنا منهم ))
(( و تذكروا أخيرا أنهم أبائكم و أجدادكم و أنهم خاطروا بأرواحهم عن طيب خاطر من أجل أن تعيشوا أنتم و أولادكم في وطنكم اليوم بكرامة مرفوعي الراس فتذكروهم بالخير و إجعلوهم لأبنائكم و أحفادكم مثالا و قدوة فنحن منهم و هم منا و دمائهم تجرى في عروقنا و بيدنا أن نتبع خطاهم في الوطنية و التضحية و الإيثار ليس في ميادين القتال فحسب بل في ميادين العلم و العمل من أجل رفعة مصرنا الحبيبة )) .
تحت عنوان رجال خلف الكواليس .(( تضافرت جهود العشرات من الرجال من أجل تحقيق نجاح العمليات بداية من الإستطلاع ثم التخطيط و التدريب و الإعداد و تدبير الإعاشة و التموين ثم تأمين الإنتقالات إلي موقع التنفيذ ثم الإنسحاب بسلام و معظم من قاموا بتلك الأدوار لم نسلط عليهم الأضواء حتي اليوم و فيما يلي محاولة متواضعة للتعريف ببعضهم ))
ثم يقدم السيرة الذاتية لعدد من اللواءات و الضباط و الصف ضباط و دليل بدوى ( الشيخ سالم سلامة أبو عكمة ) .
ثم يقدم صفحات عن عملية قصف رمانة و بالوظة ..و إعطاب مواسير النابلم بخط بارليف و عملية تدمير مجمع أبار بلاعيم.. و تطهير قناة السويس تحت عنوان (( أبطال الحرب و السلام ))
في نهاية المتن في فصل بعنوان ((أما بعد ..)) أنقل بعض مما دون المؤلف .. و إرتضاه كختام لكتابه .
(( فلقد كانت تلك صفحات مشرقة من تاريخ بلدنا لا تعلم الأجيال الجديدة عنها شيئا و لا تدرى أن لولا تضحيات هؤلاء الأباء و الأجداد في الماضي القريب لما كان للأبناء و الأحفاد أن ينعموا بوطن أمن مستقر يعيشون فيه بكرامة و سلام ))….
((أود أن أشير إلي نقطة هامة عن الفرق بين الجندى الأسرائيلي و الجندى المصرى فرغم أن إسرائيل منذ نشأتها و هي ربيبة الولايات المتحدة الأمريكية الضامنة لتفوقها العسكرى الدائم علي جميع الدول العربية مجتمعة إلا أنه نادرا ما حدث في تاريخ المواجهات بيننا و بينهم ما يشير إلي بطولات إستثنائية من جانبهم فأنت تجدهم دائما حريصون علي أن تتم عملياتهم في ظل تفوق عدة و عددا و مستهدفة لأهداف مدنية أو نقاط معزولة و نسبة التواجد فيها ضعيفة .
و في المقابل نرى أمامنا الجندى المصرى يحارب بأسلحة و عتاد متأخر عن مثيلة الإسرائيلي و لكنهم شباب متقد وطنية و حماس يتقدمون الصفوف و يتنافسون لنيل شرف الإشتراك في عمليات قتالية خلف خطوط العدو وفي قلب إستحكاماته حيث يحيط بهم الخطر في كل خطوة و في كل ثانية غير عابئين بذلك في سبيل رفعة أوطانهم )).
(( هذا هو الجندى المصرى .. الجندى البطل العملاق الذى يواجه دبابات العدو بصدره ليدمر لهم 27 دبابة بمدفعه المحمول علي كتفه ..
الطيار النسر المقاتل الذى ينطلق لينقذ طائرته الميج من التدمير و يطارد طائرات العدو المتفوقة من فانتوم و ميراح وسكاى هوك .. ليسقطها و يجبرها علي الفرار..
الوحش البحرى و الفارس النبيل الذى يسبح لساعات في بحر متلاطم الأمواج في ظلام الليل ثم يغوص لينقض علي هدفه بينما قنابل الأعماق تنفجر حوله لا يبالي ثم يعود سباحة و هو يسحب معه رفيقه الشهيد حتي لا يترك جثمانة للأعداء….
هذا هو أبوك و أبو صديقك و أبو جارك الذى لم يتردد للحظه في أن يخاطر بحياته من أجلك و من أجل مستقبلك .. فهل ذهبت تضحياتهم هباء ؟ و هل إنتهت النخوة و الوطنية بإنتهاء هذا الجيل من الشباب و الرجال العظام ؟ )).
هذه هي وجهة نظر الصديق ( من الفيس بوك ) الأستاذ يحي زكريا شلش .. حاولت أن أنقلها عبر إستعراض مكونات كتابه .. الذى أراه مناسبا لان يكون كتاب من كتب التوجيه المعنوى .. التي تدرس في الوحدات العسكرية … وسأعجب إن لم يفعلوا هذا .
بقي أن المؤلف قد يكون قد تقابل مع ضباط و جنود البحرية و حصل علي الكم الهائل من المعلومات عنهم .. و لكن كيف تعرف علي ضباط و جنود العدو .. و ما الذى جعلة يتصور أن زيادة قوات الهجوم جبنا و ليس من القواعد المتعارف عليها في التكتيك .
عموما
سألني الصحفي جميل حتمل (مجلة القدس الباريسية ) .. عن في ماذا كانت كتاباتي .. تختلف عن كتابات الاخرين العسكرية .. فقلت

(( كتبوا عن البطولة و كتبت عن الخوف .. لا يتعلق الأمر بالأسر فقط هنا بل في كل الكتابة عن الحرب التي تبدو في منطقتنا شيئا مرعبا لانها تفتقد تماما إلي الصدق.. الذين يكتبون كلاما لرفع الروح المعنوية مما يحول الكائنات إلي نشرات دعاية و هذا يزعجني جدا لقد حاولت أن أقدم حالة صدق أحكي عن خوفي و هذا ليس عيبا .. ليس من الضرورى أن يكون المحارب بطلا ..لقد خفت .. و الذين حولي خافوا و بكوا ..مع أن الرجل الذى بكي و خاف هو نفسه الذى إقتحم بعد ذلك خط بارليف .. إن التركيبة النثرية في الكتابة عن الحرب كشكل من أشكال الحماس لم تعد مجدية )) .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى