مجتمع

التقمص و الذاكرة The Reincarnation and Memory

وليد مهدي
(1)
تردني باستمرار تساؤلات من الاصدقاء و الصديقات من قارئين وقارئات عن التقمص reincarnation ..
وما اذا كان بالإمكان ايجاد تفسير مقبول من الناحية العلمية لهذه الظاهرة ( ولو بالحد الادنى الفلسفي العلمي ) و التي يصر الكثير منهم على انها ظاهرة حقيقية وتم التأكد منها , خصوصاً لدى ابناء الطائفة الدرزية الكريمة في بلاد الشام ..
حالات التقمص باختصار وحسبما هو متعارف عنها بانها حلول لروح احد الاموات في احد الاحياء سواء بشكل مؤقت او بشكل دائم ، فالشكل المؤقت منها يعتبر عادة تلبس لروح شرير في الموروث الثقافي الشعبي ..
اما الشكل الدائم ، فهو يشبه الاعتقاد بتناسخ الارواح او اعادة التجسد ، بان يعود الانسان للحياة بعد موته لكن بجسد آخر وولادة جديدة اخرى ، وهو الشائع عادة في الديانات الهندوكية ..
فبعض الناس يدعي بانه يستذكر مراحل من ” حيوات ” سابقة عاشها في الماضي قبل حياته هذه …!
بين هذه و تلك ، يدور مفهوم التقمص في الموروث الثقافي الشعبي على انه استرجاع لذكريات اناسٍ عاشوا في الماضي او في عوالم اخرى من قبل اشخاص في واقعنا المعاصر و كأنهم هم الذين عاشوها ..
راي علم النفس في هذه الظاهرة لحد الان يعتبرها ضمن اعراض مرضية او حالات مرضية ، و على الرغم من ان بعض اطباء الاعصاب و النفسانيين يميل الى اعتبار انها تقع ضمن الظواهر الغامضة التي لم يضع العلم البشري اليد عليها بعد ، لكن بالمجمل ، غالبية المختصين في الاعصاب وعلم النفس يعتبرها من جملة اعراض سيكوباتية سببها لجوء اللاوعي للمريض لحيلة ” الهروب ” من ضغوط واقعية في حياته الى اختلاق واقع افتراضي آخر يلجا اليه على انه حياة اخرى عاشها من قبل او روح لآخر حلت في جسده ..
الاشكالية في هذا التفسير الموضوعي المقنع تتمثل في بعض الحالات المسجلة التي تم التأكد فيها على ان رواية هؤلاء الناس ” المرضى ” كانت صحيحة عن احداث عاشها آخرين ما كان بالإمكان ان يرويها احد الا قلة ممن عاصروها ، والكتب والمؤلفات كثيرة في هذا الموضوع ..
فهل يمكن ان تكون حيلة الهروب اللاشعوري من ضغط الواقع او الخلل العقلي او العصبي ، هل يمكن ان تؤدي هذه جميعاً الى الاستعارة بواقع حقيقي فعلي سبق لآخر قد مات ان عاشه بكل تفاصيله ؟
هل هناك سجل طبيعي شامل للذاكرة اذن يمكن لأدمغة الاحياء ان تدخل اليه وتستقي منه المعلومات فيتمظهر على انه عرض مرضي او ” حلول ” او ” تقمص ” ؟
(2)
عبر دراستنا للذاكرة والوعي في مواضيع كثيرة خلت نشرت مقالات عنها طيلة سنوات في موقعي دروب و الحوار المتمدن ، وانطلاقاً من آخر استنتاجات هذه الدراسات في مواضيع ( ذاكرة الفرد وذاكرة الامة …) و موضوع ( فيزياء العالم الآخر ) وموضوع ( الوجود قبل خلق العالم …) وما فصلناه في دراسة : الوعي و الزمن
فإن الخلاصة من كل هذا المسار البحثي النظري تقول بان الذاكرة البشرية لا تفنى بعد موت الجسد وتفسخه ، فهي تدخل الى بنية العالم ما قبل الانفجار العظيم Big bang ( ما قبل الخلق ) ، او بنية الفضاء زمن space time رباعية الابعاد ..
هذه البنية ” تحت الفوتونية ” لو صحت التسمية ، قلنا عنها بانها تخضع لنوع جديد من القوانين لم تضع الفيزياء النظرية اليد عليها بعد ( سوى تكهنات لنظرية الاوتار الفائقة super strings theory ) ، لكن ، بعض تطبيقات الفيزياء ، تستثمر هذه القوانين الغامضة ولعل اهمها ظاهرة ” الرنين الكوانتي Quantic resonance ” الاساس في تشكيل اشعة الليزر والنسق التشاكهي coherency التناغمي Harmony الخاص بمويجاتها التي تسلك و كإنها موجة واحدة بفعل الرنين الغامض الذي يحصل بين الفوتونات ، فقد جرت العادة ان نعرف بان القسيمات النووية الصغيرةparticles تتبادل كمات الطاقة ( فوتونات ) ، لكن ، مالذي تتبادله الفوتونات فيما بينها لتصبح مهتزة متناغمة كإنها كراديس الاستعراض العسكرية ؟
هذا ما اطلقنا عليه تسمية الطاقة تحت الفوتونية العابرة للزمان والمكان ، خارج هيكل الفضاء المكاني التقليدي ، حسب ابحاث اهارنوف واركاني – ديموبولس التي تطرقنا اليها مسبقاً في ( الوجود قبل خلق العالم ..) و ( الوعي والزمن ) ..
وعموماً ، هذا النوع من الاستحاثة يجري ضمن مبدا الرنين ، وحتى توارد الخواطر بين الادمغة البشرية أو الحيوانية انما يجري ضمن هذا النسق ما وراء المكان , ضمن الزمكان …
بالتالي ، وحسب رؤى علماء كثيرين عن الذاكرة وعلاقتها بالعالم تحت الكوانتي مثل روجر بنروز ، فإن الراجح هو ان تكون انساق الذاكرة البشرية واقعة ضمن هذا التشكيل التحت فوتوني .. الما قبل وجودي حسب ما درسناه في المواضيع السابقة ..
وهو يعني ان الوعي بمجمله مع الذاكرة خاضع لتأثيرات عالم اوسع واكبر بالأبعاد من عالمنا الحسي المدرك ، عالم يعتمد على ” الرنين resonance ” كأسلوب في تبادل الطاقة او المعلومات ، على غرار ما تفعله فوتونات الليزر فيما بينها ، وتفعله الادمغة البشرية والحيوانية عبر توارد الخواطر Telepathy ..
(3)
في مختبرات العلوم الطبيعية لصفوف المراحل الابتدائية ، تعلمنا بان الشوكة الرنانة barb tinkle المهتزة يمكنها ان تحث شوكة مجاورة لها على الرنين مثلها مع اننا طرقنا الاولى ولم نطرق الثانية ..
لان الثانية تناظرها تماماً بالتردد ، وهو نفس مبدا استلام القنوات في الراديو والتلفزيون عبر اجهزة الاستقبال بتوليف جهاز الاستقبال على تردد مطابق لتردد القناة المرسلة ..
النتيجة التي نستخلصها عن التقمص reincarnation كحالة من رنين بين ذاكرة حي وذاكرة ميت تتبادلان الطاقة تحت الفوتونية العابرة للزمان والمكان ، هو وجوب ” تطابق الشخصية Personal compatibility ” بين الحي والميت ..!!
لان الذاكرة حافظة انفعالات ومشاعر مصاحبة للمعلومات السمعية والبصرية والادراكية العقلية المحتواة فيها ، وهي بالجملة تشكل ” الشخصية ” ..
حالة الرنين بين حافظة ذاكرة وحافظة ذاكرة اخرى تتطلب ” التطابق ” بما يشبه مثال الشوكة الرنانة ، وهي حالة اعقد من تطابق بصمة الابهام الايسر النادرة بين الناس , لكن ، بسبب كثرة ما عاش في التاريخ من بشر ربما ، قد تكون هناك مقاربات نادرة بين اشخاص عاشوا في ازمنة وامكنة مختلفة تؤدي لنوع من الرنين ، خصوصاً في حالات اضطرابات ذهنية او وجدانية مرضية ، او حتى مجرد حالات من التعب والارهاق والاحباط البدني او النفسي لدى بعض الناس ..
فالظروف متنوعة مختلفة تلك التي تجعل الناس الذين يصبحون تحت تأثير ذاكرة اخرى او شخصية اخرى محفوظة في هيكل الطبيعة رباعي الابعاد يعتقدون بانهم ” آخر ” او تم الاستحواذ على جسدهم من قبل ” آخر ” ..
وبصورة عامة ، لدى الناس التقليدين البسطاء , الذين يعيشون دوماً على الفطرة ، هم ربما يكونون اكثر عرضة لمثل هذا الرنين لوجود اشباه كثر لهم عبر طول التاريخ البشري ..
اما الندرة ، ذوي الشخصية المتميزة ذات الخصوصية العالية ، فمن المفترض ان يكونوا اقل عرضة لمثل هذا التأثير ، ووقائع ما كتب عن التقمص المؤقت او الدائم تثبت ذلك ..
فضلاً عن ذلك ، فالرنين الزمكاني هذا يمكن ان يحدث بين العائلات المتوارثة لقيم وعادات دينية يتقيد بها الابناء بصرامة ما يتيح الفرصة لظهور نسخ مكررة من ” الشخصية ” عبر الاجيال وهو ما يحدث في بعض الطوائف و الجماعات الدينية المعروفة بكثرة ظواهر تناسخ الارواح بين افرادها .
(4)
انتقال المعلومات من زمن الى زمن يعني انعدام قيمة ” الموت ” ، فالميت عاش حياته وترك وقائعها في السجل الكوني ، حيث يمكن الدخول اليها بطريقة ما واسترجاعها و حتى تقمصها وعيشها بكل انفعالاتها لو تجرد العقل المغامر القادر على توليف الشخصية الذاتية بما يطابق تلك الشخصية الاخرى .. !
هذا يجعلنا نستنتج بان كل حوادث التاريخ محفوظة بطريقة ما في هيكل الطبيعة رباعي الابعاد 4 D nature structure
فاليوم الذي تتمكن فيه التكنولوجيا من استثمار الليزر والرنين في الدخول الى قواعد البيانات الكونية Universal Data Base ليس بعيداً جداً كما يتصور البعض ..
فنحن نتقدم في تقنيات الليزر والذاكرة ولعل آخر فتوحها هو الهولوغرام Hologram ، وآخر الفرضيات العلمية ترى ان الكون هولوغرام عملاق ( مدرسة ديفيد بوهم في الفيزياء ) ..
في الحقيقة ، اعكف على استكمال كتاب شامل في الموضوع يتناول فلسفة العلم بشموله وعلاقته بالإدراك العقلي وفهمنا للطبيعة وصولاً الى فهم الذاكرة البشرية على انها صورة مصغرة لنسق الذاكرة الكونية ..
فشكل الكيان الما بعدي رباعي الابعاد للإنسان ( الذاكرة الواعية ) هو نسخة طبق الاصل لكن بشكل مصغر لشكل الكيان الكلي الما بعدي والما قبل وجودي للكون كله ..
وهذه من اهم خصائص الهولوغرام التصويري الليزري ، ان يكون الجزء صورة مطابقة للكل .. و يأخذ لوح الهولوغراف في الغالب شكل دوائر متحدة المركز لتداخلات المويجات ..
الشكل النهائي للكون ، النسخة الاكبر لشكل كيان الذاكرة العقلية البشرية ، يأخذ شكل الدوائر متحدة المركز ، والتي اهم ما يميزها حزم الليزر السبعة ( الوان قوس قزح ) ..
فالموروث الديني القديم استشرف هذا الكيان على انه الارضين السبعة في العالم السفلي كما ورد في اساطير سومر ، وهو يمثل محصلة الذاكرة الكلية لكوكب الارض وما عاشت فيه من احياء ومخلوقات على مر الزمن ، هذا الكيان الذي اعتقد السومريين بانه عالم الاموات وما وصلنا في الموروث العبري بانه عالم الجن والبرزخ ، هو في الحقيقة ، ووفق هذه القراءة العلمية يمثل هولوغرام كوكب الارض و ما فيه من ذكريات وحوادث على مر التاريخ الطويل
جداً ، وعبر تكويناته تحت الفوتونية يحدث الرنين الذي لا يؤدي الى حالات التقمص فقط بل حتى التنبؤ والاعتقادات الدينية ، وهو كيان رباعي الابعاد ورد ذكره في الاساطير كثيرا ، لكن اوضح ما ذكره قبل العلوم هو اسراء النبي العربي محمد عبر سبعة طبقات ملونة قبل ان يبلغ العرش الالهي ..
(5)
المحصلة النهائية التي نخرج بها هي ان الاعتقاد الروحاني بان الاجزاء السبعة التي يتكون منها الجسد الاثيري etheric body المحيط بالجسد المادي ، هي في الحقيقة الامتدادات الزمكانية للذاكرة ، البنية الما بعدية للعقل لكنها ليست بعالم آخر منفصل ..
هي امتداد رباعي الابعاد للجسد ثلاثي الابعاد ، وهي بشكلها الملون بالوان طيف الشمس تشبه شكل الذاكرة الكلية لكوكب الارض التي بدورها تشبه الذاكرة الكلية للكون ، لان مبدا الهولوغرام يقول بان الجزء يشبه الكل ..
فالروح في حقيقتها هي الكيان رباعي الابعاد لذاكرة الدماغ ..
والارضين السبعة ما هي الا السجل التاريخي لكل الحوادث على كوكب الارض ..
والسماوات السبعة العليا ما هي الا السجل الكلي لكل حوادث الكون باسره ….
فهي جميعها انساق لمعلومات رباعية او خماسية الابعاد تتشابه في شكلها وتختلف في حجمها ومستواها حسب قواعد الهولوغرام و التشاكهية الليزرية تحت الفوتونية ..
ففي اليوم الذي نضع فيه اليد تقنياً على هولوغرام تاريخ الكوكب ، ستحدث صدمة معرفية علمية عنيفة في الثقافة البشرية حين نكتشف انصاف الحقائق والتزييف الذي وصلنا عبر التاريخ الشعبي والديني عن ارث واساطير الاولين التي يعتبر البعض منها مقدساً مؤكدا ..
باعتقادي ، بعض الحوادث التاريخية المروية قد تنجو من التكذيب ، لكن الكثير الكثير منها سيبدو مبالغاً فيه او تم تحريفه بشكل كامل ، ما يبشر بعصر ” الحقيقة ” الذهبي الجميل ..
ما ينتظرنا بعد تكنولوجيا الليزر و الهولوغرام الثورية والوصول لقواعد بيانات الدماغ والذاكرة الكونية الما بعدية هو ظهور حقبة جديدة في تاريخ تطور العقل البشري تضاف الى حقبة ” عصر النهضة ” و ” الانوار ” و ” الحداثة ” و ” ما بعد الحداثة ” ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى