رأي

التدافع

امال قرامي
خرجت الجموع إلى الشوارع بعد أن عسر الجلوس إلى طاولة التفاوض، وباء البحث عن المخارج والحيل بالفشل، وصار «التعايش» حلما صعب المنال. وبنقل الصراع من الفضاء الداخليّ إلى الفضاء الخارجيّ تتغيّر قواعد اللعبة السياسية فيتحلّل اللاعبون من ضوابط العمل داخل البرلمان، وما يمليه القانون الداخليّ من أوامر ومحاسبة ومراقبة وغيرها من المعايير التي فرضتها الديمقراطية والمجتمع والمنظومة الأخلاقية أو الدينية… وإذا علمنا أنّ الشارع في المتخيّل الذكوريّ فضاء للتدافع الجسدي وحسم المعارك بين الرجال ووضع كلّ واحد في مكانه الحقيقيّ فهمنا لم تمّ استدراج الخصم إلى الشارع الذي يعدّ فضاء للاختبار البلاغي/ المادي والحسم جيب السيف هياّ قابلني إذ يميّز الحضور المتابع للمشهد الفرجويّ(وهم عادة رجال) بين القويّ/الضعيف، الداهية/الغفل، الخبير/المبتدئ… ويثني على صلابة هذا الطرف ومهارته ويصم الآخر بالوهن والجبن…
لقد نزّل منظّرو التدافع في إطار السنن الإلهية أو البشريّة، وربطوا بين المدافعة و المداولة والتمكين والغلبة والسلطة واعتبروا تدافع الناس بعضهم ببعض شكلا من أشكال الفرز وفضّ الصراع بين فسطاط الخير/الشرّ، الحقّ/الباطل، الإيمان/الكفر… أمّا أصناف التدافع فهي متعددة إذ نجد التدافع عبر فنّ القول والخطابة والمناظرة والاحتجاج…(2011) والتدافع الاقتصادي (2012….) والتدافع الإعلامي (2011…) والتدافع باليد (2021) فضلا عن التدافع بالسلاح. ويتطلّب التدافع تعبئة الأنصار وحشد الإخوان والأخوات فهم «أولياء بعض» يناصرون أهل الحقّ حتى لا يتهموا بأنّهم أهل القعود إضافة إلى المثابرة والصبر والقدرة على التحمّل. وتكمن غاية التدافع في حفظ الدنيا من الفساد وحماية الدين والمصالح وتطهير الأرض من الفاسدين حتى لا يسود الخبيث.
وبالرغم من تفصيل المنظرين القول في سنة التدافع ومنافعها فإنّه لم يدر بخلدهم أنّ مشاركة النساء في السياسة وسعي بعضهنّ إلى تحقيق الزعامة قد تطرح إشكالية غير مفكّر فيها. فما العمل حين تكون المرأة مستقرّة في الشارع ومستعدّة للتدافع ولا تعوزها الوسائل والاستراتيجيات؟ وكيف يتمّ التعامل مع الجماهير التي جاءت تناصر، وفي الصفوف الأمامية نسوة متأهبات لفداء الزعيمة.؟
إنّنا إزاء أنثنة الفضاء المخصّص لحسم التدافع إذ ثمّة زعيمة تصدر الأوامر وتخطب وتحاجج وتراقب وتغنّي وتطلق الزغاريد وتتمايل فرحة مسرورة … وبما أنّ الخصوم ليسوا على مذهب ابن عربي «كلّ مكان لا يؤنث لا يعوّل عليه» فإنّهم طلبوا «المدد» من إخوانهم وخلانهم وجيرانهم (والرسول أوصى بالجار).وما هي إلاّ سويعات حتى هبّت القيادات والأنصار ورابض المنتصرون «للرجلة» ليتحوّل التدافع إلى تدافع جندريّ منقول Live جسّد صورا من العنف اللفظي والترهيب . وفي غمرة الدفاع عن الرجولة المطعونة في كبريائها تناسى القوم أنّ الرسول أوصى خيرا بالجار وقال أيضا: «اسْتَوصُوا بالنساء خيرًا» فأرادوا أن يثبتوا «الرجلة» على الميدان وهو ما استوجب تدخل الشرطة وهنا عاينا التدافع بين قوّات الأمن وعدد من الأتباع. وهكذا صار التدافع مولدا لسلسلة من المدافعات…
وبما أنّ الأمور وصلت إلى هذا الحدّ فعلينا أن نتساءل من المسؤول عن تحويل سنة التدافع إلى آلية للحسم بين الخصوم في مجال السياسة؟ ومن روّج لفكرة الخروج الاستعراضي للشارع؟ ومن راوغ خصمه فأبرز مدى شعبيته في الشارع وقدرته على أن «يمشي ملكا» دون أدنى إحساس بالخوف؟ وهل سيتوقّف الأمر عند هذا الحدّ أم أنّنا سنجد أنفسنا ذات يوم أمام صراع الديكة: الثلاثي المتنازع على السلطة؟ وبما أنّ «الناس على دين ملوكهم» فإنّنا نتوقّع أنّ الخلافات ستعالج من هنا فصاعدا من خلال آلية التدافع.
بقي أن اشير إلى أنّه يجوز لنا أن نحدّد جغرافية التدافع وندرس تجلياتها وكلفتها الاقتصادية والاجتماعية و… فمناطق السلطة/ التدافع (السياسي، الحزبي، العلمي…) تتجاور مع مناطق الترفيه واللاعبون متعددون. فعلى مقربة من شارع خير الدين باشا ومونبليزيرمدينة الثقافة وفيها تكريم للنساء دعاني إليه وزير الثقافة بالنيابة ورئيس الحكومة على وقع عرض موسيقيّ فرفضت قائلة : فإمّا تدافع وإمّا قرار في البيت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى