دراسات و تحقيقاتفي الواجهة

الاتجار بالبشر لغرض نزع الأعضاء البشرية

ماجد حاوي الربيعي

يقصد بنزع الأعضاء أو زرع الأعضاء نقل عضو سليم أو مجموعة أنسجة من المتبرع إلى المستقبل ليقوم مقام العضو أو النسيج التالف, وقد ساهم التقدم العلمي في مجال الطب والجراحة في نمو عملية الاتجار بالأعضاء البشرية إذْ يصبح هذا العضو بالنسبة للمشتري والبائع هو الفرصة الأخيرة أو السلعة التي تحقق هدفه الأساسي ومن وجهة النظر الاقتصادية فان تجارة الأعضاء البشرية ليس الهدف الأساسي منها الصحة أو الحفاظ على حياة الأشخاص المحتاجين لها ولكن الهدف هو تحقيق الربح كما هو الحال بالنسبة لأي تجارة بالأنظمة الرأسمالية الحديثة. وإنَّ المقصود بتجارة الأعضاء البشرية ” هي أعمال البيع والشراء للأعضاء البشرية كالكلى والدم والرئتين وقرنية العين والكبد”.
ويشير بروتوكول الاتجار بالأشخاص صراحة إلى نزع الأعضاء بوصفها صورة من صور الاتجار بالبشر. وكذلك نصت غالبية التشريعات الخاصة بمكافحة الاتجار بالبشر على عدِّ نزع الأعضاء صورة من صور الاتجار بالبشر متى ما تمت من قبل الجناة باستخدام الأفعال والوسائل المنصوص عليها.

وقد فرضت صكوك دولية أحكام تحظر نزع الأعضاء البشرية في حالة القيام به بواسطة صفقة تجارية أو من دون رضا المانح منها اتفاقية مجلس أوربا لحقوق الإنسان والطب الحيوي والتي نصت في المادة الثانية منها “بأن لا يكون جسد الإنسان وأعضاءه بحد ذاتها مصدر للكسب المالي، وإن التقدم في مجال البيولوجيا والطب يجب أن يستعمل لصالح الإنسان”.
وفي قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة المرقم (59/156) والمؤرخ في20/12/2004 والمعنون “تعزيز التعاون الدولي على منع الاتجار بالأشخاص ومكافحته وحماية ضحاياه”، تشجب فيه الجمعية العامة المتاجرة بالجسد البشري وتحث الدول الأعضاء على اتخاذ التدابير اللازمة لمنع ومكافحة ومعاقبة استئصال الأعضاء البشرية والاتجار بها.
كما نصت المبادئ الإرشادية بخصوص زرع الأعضاء التي وضعتها منظمة الصحة العالمية على ما يأتي: -” ينبغي أن يكون التبرع بالأنسجة والأعضاء البشرية بمليء الإرادة وبدون تقاضي أي مبلغ نقدي أو مكافأة ذات قيمة نقدية وينبغي حظر شراء أو تقديم عرض لشراء خلايا أو أنسجة أو أعضاء بشرية لزراعتها”(3). ويؤكد إعلان إسطنبول حول زراعة الأعضاء البشرية لعام 2008 على ضرورة أن يكون لدى البلدان جميعها إطار قانوني ومهني لتنظيم أنشطة التبرع بالأعضاء وزراعتها وان يكون لديها أيضا نظام رقابي تنظيمي شفاف يكفل سلامة المتبرع والمتلقي.
أما على مستوى التشريعات الوطنية لجأت اغلب الدول إلى تنظيم زراعة الأعضاء البشرية في قوانين خاصة منها على سبيل المثال: -القانون العراقي رقم 85 لسنة 1986 بشأن زرع الأعضاء البشرية فقد نص في المادة الثالثة منه على “يمنع بيع وشراء الأعضاء بأي وسيلة ويمنع الطبيب الاختصاصي من إجراء العملية عند العلم بذلك”. والقانون الاتحادي الإماراتي رقم 15 لسنة 1993 الذي نص في المادة السابعة منه على إنه “يحظر بيع وشراء الأعضاء بأية وسيلة كانت أو تقاضي أي مقابل عنه ويحضر على الطبيب المختص إجراء العملية عند علمه بذلك”.
وقانون تنظيم زراعة الأعضاء البشرية المصري رقم 5 لسنة 2010 (5) ويعد هذا القانون من القوانين الحديثة والأكثر شمولية على تنظيم زراعة الأعضاء البشرية وفيما يلي إطلالة على النصوص المهمة في هذا القانون مع تعقيب موجز عليها:
أولا: أن الأساس الذي أخذ به القانون رقم 5 لسنة 2010 بشأن نقل وزراعة الأعضاء هو وجود ضرورة تقضيها المحافظة على حياة المتلقي أو علاجه من مرض جسيم, أي أنه أخذ بمبدأ الضرورة العلاجية, لكنه في ذات الوقت حظر زرع الأعضاء التي تؤدي إلى اختلاط الأنساب إذ تنص المادة الثانية منه على ” لا يجوز نقل أي عضو أو جزء من عضو أو نسيج من جسم إنسان حي بقصد زرعه في جسم إنسان آخر إلا لضرورة تقضيها المحافظة على حياة المتلقي أو علاجه من مرض جسيم , وبشرط أن يكون النقل هو الوسيلة المحددة لمواجهة هذه الضرورة وألا يكون من شأن النقل تعرض المتبرع لخطر جسيم على حياته أو صحته, ويحظر زرع الأعضاء أو أجزائها أو الأنسجة أو الخلايا بما يؤدي إلى اختلاط الأنساب “
ثانيا: حدد هذا القانون بأن الأصل في النقل والزرع يكون بين المصريين ونظم حالات النقل والزرع في حالة كون المتبرع أجنبي, حيث نصت المادة الثالثة منه على ” مع مراعاة حكم المادة السابقة يحظر الزرع من المصريين إلى أجانب عدا الزوجين إذا كان أحدهم مصريا والآخر أجنبيا, على أن يكون قد مضى على الزواج ثلاث سنوات على الأقل وبعقد موثق على النحو المقرر قانونا لتوثيق عقود الزواج, ويجوز الزرع بين الأبناء من أم مصرية وأب أجنبي فيما بينهم جميعا, كما يجوز الزرع فيما بين الأجانب من جنسية واحدة بناء على طلب الدولة التي ينتمي إليها المتبرع والمتلقي على النحو الذي تحدده اللائحة التنفيذية لهذا القانون “
ثالثا: حرص هذا القانون على تأكيد مبدأ مجانية التبرع, وما هذا إلا انعكاسا لمبدأ حرمة وقدسية الجسم البشري, والارتقاء به عن الدخول في مجال المعاملات, حيث نصت المادة السادسة منه على ” يحظر التعامل في أي عضو من أعضاء الإنسان أو جزء منه أو أحد أنسجته على سبيل البيع أو الشراء أو بمقابل أيا كانت طبيعته, وفي جميع الأحوال لا يجوز أن يترتب على زرع العضو أو جزء منه أو احد أنسجته أن يكتسب المتبرع أو أي من ورثته أية فائدة مادية أو عينية من المتلقي أو من ذويه بسبب النقل أو بمناسبته، كما يحظر على الطبيب المختص البدء في إجراء عملية الزرع عند علمه بمخالفة أي حكم من أحكام الفقرتين السابقتين”
رابعا: أخذ هذا القانون بما يعرف بالموت الإكلينيكي أو المعروف بوفاة جذع المخ وأباح في حالة ثبوت حالة الموت ثبوتا يقينيا نقل عضو أو جزء من عضو أو نسيج من الميت، حيث نصت المادة الرابعة عشر على انه ” لا يجوز نقل أي عضو أو جزء من عضو أو نسيج من جسد ميت إلا بعد ثبوت الموت ثبوتا يقينيا تستحيل بعده عودته إلى الحياة،”
خامسا: أجاز هذا القانون النقل من إنسان ميت إلى إنسان حي وفقا لضوابط وشروط معينة أوردتها المادة الثامنة من هذا القانون بقولها ” يجوز لضرورة تقضيها المحافظة على حياة إنسان حي أو علاجه من
مرض جسيم أو استكمال نقص حيوي في جسده، أن يزرع فيه عضو أو جزء من عضو أو نسيج من جسد إنسان ميت، وذلك فيما بين المصريين أذا كان الميت قد أوصى بذلك قبل وفاته بوصية موثقة أو
مثبته في أية ورقة رسمية، أقر بذلك وفقا للإجراءات التي تحددها اللائحة التنفيذية لهذا القانون”
سادسا: أنشأ هذا القانون لجنة عليا تسمى اللجنة العليا لزرع الأعضاء البشرية حيث نصت المادة التاسعة منه على ” تنشأ لجنة عليا تسمى (اللجنة العليا لزرع الأعضاء البشرية) تكون لها الشخصية الاعتبارية تتبع رئيس مجلس الوزراء، ويصدر بتشكيلها وتنظيم عملها وتحديد مكافآت أعضائها قرار منه بناء على عرض وزير الصحة….” وتنص المادة العاشرة منه على ” تعد اللجنة العليا لزرع الأعضاء البشرية قوائم بأسماء المرضى ذوي الحاجة للزرع من جسد إنسان ميت بحسب أسبقية القيد في السجل المعد لذلك…”

المحامي ماجد الربيعي
المدير المفوض لشركة انوار المسلة الدولية
للخدمات والاستشارات القانونية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى