تعاليقرأي

الإنسان المعاصر؛ ذلك العبد التعيس

رشيد مصباح)فوزي(
**


الإنسان اجتماعي بالطبع كلام فلاسفة وعلماء الاجتماع.
وهل بالإمكان تصور إنسان يعيش منفردا في كوكب آخر غير الأرض حتى ولو توفر لديهكل
أسباب الراحة. أو في بيئة غير بيئته الطبيعية التي سخرها الله له، وبمعية مخلوقات غير عاقلة؟
إن آدم أدخل الجنة لوحده فاستوحش فخلق الله منه زوجه حواء، وأخذوا ذلك من عموم آيات
ُ َن ِإلَْيهَا{ ]الأعراف:189 ،]فقالوا: إن السكن لا يكون إلا بعد الوحشة. منقول:

الأعراف: }لِيَ ْسك
]المكتبة الشاملة الحديثة[:
يبدو مثل هذا الكلام بالنسبة لبعض المشغولين؛ المنشغلين بمتطلبات الحياة اليومية وما تمليه عليهم
الظروف و المسئولية الملقاة على عاتقهم، التي أثقلت كواهلهم. صوريا بعض الشيء، وربما غريبا حتىى
ـ ومع ذلك فان هؤلاء الجاحدين لمثل هذا الرأي لا يستطيعون إنكار مدى تعاستهم في ظل الروتين
القاتل الذي دمر نفسيتهم، و جعلهم يبتعدون عن ذواتهم شيئا فشيئا، وكلما زاد انشغالهم كبرت الهوة
بينهم وبين ذواتهم وتم لكهم الشعور بالكآبة والملل.
وفي هذا المضمار كتب جان جاك روسو يقول:
On ne peut être heureux sur la terre qu’à proportion qu’on s’éloigne des choses«
et qu’on se rapproche de soi». (Rousseau écrivait en 1764(
ومعناه:
“لا يمكنن أن نكون سعداء على وجه الأرض إلا بقدر ما نبتعد عن الأشياء ونقترب أكثر من أنفسنا
.”
الإنسان هو من يصنع الفارق؛
بأخلاقه، وسلوكه، ومعاملاته.. وتفانيه، وحبه للآخرين. وليس بلباسه وأناقته فقط، ولا بمظهره ولا
بزيه البراق.

الوسائل المادية التي بين أيدينا تمنحنا الشعور بالراحة لوقت محدود ثم لايلبث هذا الشعور الآني
ويتلاشى في لحظات. وبمرور الوقت نمسي مدمنين ليس بمقدورنا الاستغناء عن الوسيلة -اللعينة-؛ مهما
كان نفعها. وربما قد يكون ضر بعض منها أكثر من نفعها. وقد أمسينا عبيدا لها-والحمد والشكر لله-.
سألوا أرسطو ذات يوم: “متى يتحرر العبيد”
فرد عليهم: “عندما تصبح السلاجم تسير وحدها”

ولَة ” ، أو ” البرّيمة” -كما تسمى عندنا في الجزائر-

وال ّسلاجم هي ” ال َّصمُ
المصيبة أن كل السلاجم تحررت في هذا الزمان وصارت تتصرف دون اذن ولا مشورة من أصحابها
التعساء، لكن الانسان صار عبدا لها بمحض إرادته، ولم يعد بإمكانه الاستغناء عنها؛ وبمجرد انقطاع
ا لكهرباء نصبح مثل دجاج ا لكهرباء لا يسعنا مقام.

وَالا ْستِلا ِب.

شغلتنا الوسائل المتطورة و تولد فينا شعور بِال َّضيَاعِ
السعادة الحقيقية هي التي تأتي مع المعاناة والرغبة في بذل الجهد.
والوسيلة المادية المعاصرة هي تلك التي نشعلها وتشغلنا عن أنفسنا وعن من هم من حولنا، وهي التي
تلهب غرائزنا ومشاعرنا، وتنمي الأنانية وحب الذات فينا: لقد استولت علينا هذه الوسائل المتطورة
وولدت فينا المشاعر السلبية وحب العزلة. وشغلتنا وسائل التواصل اللعينة داخل البيت الواحد، فلم نعد
نتوق لرؤ ية بعضنا و بسببها وبسبب كاتم الصوت لم نعد نسمع بعضنا. و أن بعضا منا لم يعودوا قادرين
حتى على الذهاب لبيوت الخلاء وقضاء حاجاتهم الصغيرة.
وكذلك هو الشأن بالنسبة لأصحاب السيارات والمركبات؛ الذين لم يعودوا قادرين على التحرر من
كراسيهم و استخدام أرجلهم وسيقانهم لقضاء أبسط المآرب.
قد نلتمس الأعذار في نهاية الأمر، لأقوام هجروا الحياة المتمدنة الى الجبال والأرياف هروبا من
الحياة العصرية.. واقرأوا ان شئتم عن “الآنا بابتيست” و “الآميش” و الحياة البدائية داخل الولايات
المتحدة الأمريكية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى