أحوال عربيةإقتصاد

الإقتصاد والسوق والرواتب والأغاني الحزينة

عماد عبد اللطيف سالم

بمناسبة “سُلّم” الرواتب “الجديد”- العتيق.. الذي لا يصعَدُ ولا ينزِلُ، ويُستخدَم لـ “التخويف”، مع مجيء كل حكومة جديدة، منذ عام 2010، وإلى هذه اللحظة.
في كُلّ “برنامج وزاري” نجد “حُزمة”من وعود الإنجاز(والإصلاح) الإقتصاديّة- الماليّة-“الشعبويّة”.. وكُلّها تتّكيء على آمال الناس البسطاء، ومحدودي الدخل، والفئات الهشّة من السكان.. وبعد ذلك لا شيء.. لا شيء أبداً.
لن يختَلِف الحالُ هذه المرّة.
لم يختَلِف الحال في كُلّ مرّة..ولن يختَلِفَ أبداً ..وأنا، وأنتم، وكُلّنا جميعاً، أدرى بالأسباب.
و نصيحة لرئيس الوزراء الجديد، ومجلسهِ الموقّر:
نعم.. إنّ “أنظمة” الرواتب(والتقاعد) المعمول بها حاليّاً ليست عادلة، وتحتاج إلى”تغيير” جذري، وشامل، ومُنصِف، لا يُحابي أحداً على حساب أحد، ولا يُبخِسُ حقّ وتعب وتضحيات أحد.. من رواتب الرئاسات الثلاث، إلى رواتب النواب والوزراء والدرجات الخاصة، إلى رواتب الوزارات والهيئات والمؤسسات “الخاصّة”.. إلى رواتب منتسبي الدرجة العاشرة.. إلى رواتب الشهداء والمفصولين”السياسيين”، إلى رواتب الرعاية الإجتماعية، وذوي الإحتياجات الخاصة.. إلى رواتب “الرفحاويين” و”المؤنفلين”.. وغيرهم كثير.
ولكن.. لديّك في الإقتصاد”أولويات” حاسمة وأساسية وخطيرة.
تفرّغ لها في المرحلة الأولى من عملك، وحقّق فيها نجاحات”نسبيّة”.. ولا تدَع قضية أنظمة الرواتب، ومحاولة إصلاحها.. تكسِر ظهركَ، وظَهرَ حكومتكَ معك، في بداية عملك.
السيد رئيس مجلس الوزراء القادم..
أرجو أن لا تستخدم “المنهج” البائس، الذي سأعرضُ عليكَ تفاصيلهُ في أدناه، للتصدّي للقضايا ذات الصلة بالشأن الإقتصادي في العراق.. كما فعل أولئكَ الذين تولّوا “الرئاسة” قبلك.
…..

لكي نفهم مباديء الأقتصاد السياسي، وعمل قوانين السوق الحرة، و”ميكانزمات” العرض والطلب، بشكلٍ جيدٍ وبسيطٍ و واضح.
و لكي نفهم كيف تتم إدارة الشأن الاقتصادي، وملفّات الاقتصاد الشائكة والمعقّدة في العراق.
من أجل كلّ ذلك ليس من الضروري مراجعة آلاف الكتب، وقراءة مئات المقالات، والأستعانة بآراء الخبراء.
كيف؟
هناك أغنيّة عراقيّة شهيرة، يبدو أن الاقتصاد العراقي ظلّ يعمل، ويُدار، وفق”مقدّماتها المنطقية”، منذ عام 1958 و إلى هذه اللحظة(مع بعض الإستثناءات الطفيفة التي لم تترك اثراً مُستداماً).. ليصل الحالُ(بنا وبهِ) إلى” النتائج المنطقيّة” التي نُعاني منها الآن.
تقول كلمات الأغنية(بعد ترجمة مفرداتها، ومحتواها إلى العربية الفصحى).. ما يأتي:
[ ليس لديّ عملٌ في السوق.. و لم أذهب إلى السوق لأشتري شيئاً أو أبيعَ شيئاً.. ولا علاقة لي بـ “قوى” وقوانين العرض والطلب.. ولا شأن لي بـعملية “التوازن” الإقتصادي بين الإنتاج والإنفاق، ولا بالمُقايضة بين التضخّم والبطالة، ولا بالعلاقة بين الإنتاجية وعدد الموظفين على الملاك الدائم..
أنا ذهبتُ إلى”السوق” .. فقط لأراكَ يا “حبيبي” .
ذهبتُ إلى السوق، لأنّني أعاني من العطش و “الحرمان” ، منذ قرون طويلة .. ولن أرتوي إلاّ من خلال مروري العابر بالسوق، ورؤيتي لوجهكَ المُضيء].
لهذا فقط ذهبنا نحنُ وحكوماتنا إلى “السوق”.. وبهذه الطريقة “العاطفيّة” تعاملنا دائماً مع “السوق”(أي مع الإقتصاد).. فكانت العواقبُ ، دائماً، وخيمة.
أتعرفون الآن لماذا اقتصادنا “حُرٌّ ” ، و نفطنا “سعيدٌ”، واحتياطاتنا “مُباركةٌ”، و “مَزادُنا “عامرٌ، واستيرادنا “مُنفَلِت”؟؟
أتعرفونَ الأنَ لماذا لا نُعاني من أيّة أزمة في الإقتصاد، غير أزمة الرواتب، و”سلالمها”السائبة؟؟
إذا أردتم تفسيراً مُقنِعاً لكّل ذلك الذي حدث لـ “اقتصادنا”، ولكّل “السياسات” الحمقاء التي كرّست تخلفّه وأنحطاطه..
..إذهبوا واستمعوا إلى(حسين نعمة) الآن.. وهو يُغنّي باللهجة الدارجة أغنيتهُ الرائعة: “مالي شُغُل بالسوك.. مرّيتْ أشوفك” .
لقد كانت هذه الأغنية في تعاملها مع “السوق”، هي أفضل ما كتبناه وطبّقناه في العراق، ومع “الإقتصاد العراقي”..خلافاً لكلّ منطق، وكل فرضيّة، وكُل قانون، وكُل نظرية اقتصادية.
السوقُ هو الإقتصاد.. أمّا “حبيباتنا” فشأنٌ آخر، لا علاقة لهُ بذلك.
آنَ الأوان الآن للعمل على وفق منهجِ مختلف.
آنَ الأوانُ الآن لسماعِ “أغانٍ” أخرى، لا نذرفُ معها الكثيرَ من الدَمعِ، ولا نبذلُ من أجلها الكثيرَ من الوقتِ والجهد والمال، دون طائل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى