في الواجهة

إمبراطوريات ستنهار

د. محمود عباس

إمبراطوريات ستنهار

1/2

قادة العالم المخفيين، والتوجه نحو تجربة مشابهة لأوكرانيا في شرق آسيا.

تقف البشرية على أبواب إحدى أخطر مراحل الصراع بين الإمبراطوريات العسكرية-القومية، أو السياسية، وتظهر بوادر مرحلة جديدة من الصراع ستدور بين الشركات الرأسمالية العالمية، التي تحكمها الأشباح، وتسخر القوى الكبرى، عسكريا وسياسيا، لمصالح تتجاوز الملموس الاقتصادي، المرحلة التي ستصبح فيها الحروب الكلاسيكية عديمة الفوائد، ورفاهية الشعوب ستمتزج مع العدم الأمني والخوف الدائم، وستظهر الصراعات بأوجه متناقضة ما بين السلام والرعب من المجهول.

 فما تقوم به أمريكا والناتو ضد روسيا والصين أو العكس، قد تكون عملية في شرق أسيا، مشابهة لتجربة أوكرانيا، وهي ليست سوى مقدمة لصراع لم تألفه البشرية بعد، ولا نقصد به هنا الحروب النووية الكلاسيكية، بل حروب عصرية على رأسها التكنولوجية -الانترنيتية، والتي ستجلب معها إلى جانب الرفاهية الآفات. قد تظهر في المرحلة عملية تحول الطاقة إلى مادة وبالعكس، فإلى جانب نقل القوى العاملة من كل أطراف العالم، ستظهر القوى العسكرية المرعبة عند الضرورة.

ويلاحظ، وخاصة في العقدين الأخيرين، أن إدارات الدول الكبرى أصبحت دمى تنفذ أكثر ما تملي، يغيرون من الأماكن الساخنة حسب متطلبات القوى العظمى المخفية، يتخلون عن قضية لإثارة أخرى حسب الإملاءات غير الواضحة مصادرها، لكن سيادتها بدأت تظهر بشكل جلي، وخير مثال ما أقدمت عليه شركتا تويتر والفيس بوك برئيس أمريكا السابق (دونالد ترامب) دون أن يملك السلطة الكافية لردعهم حتى تحت منطق الديمقراطية. فقوة تأثير تصريحات قادة الشركات العالمية حالياً على مسيرة السياسة العالمية، لا تقل أحيانا عن تأثير تصريحات رؤساء الدول الكبرى، إن كان بشكل مباشر أو غير مباشر، فما بالنا بالغد، بالمرحلة القادمة، وهي أوسع من مما يقال عن منظمة (أيباك) المشهورة بسيطرتها على الشركات الرأسمالية العالمية والأروقة السياسية والدبلوماسية الأمريكية والعالمية أو حلقات (الماسونية) الغامضة، علما أن البشرية لا تزال في مرحلة الإمبراطوريات العسكرية-السياسية.  

 تخلت القوى المخفية، تحت عباءة إدارة البيت الأبيض والناتو، عن إثارة قضية تايوان، بإحلال شمال كوريا مكانها، لأنها الأنسب في تقديم الحجة، رغم إن الغاية ذاتها، وهي الهيمنة والتحكم بالتطورات والتعاملات الاقتصادية في شرق آسيا ومن ضمنها الصين، فتايوان من البعد التاريخي، لا يمكن دحض انتمائها الصيني، أو الرفض القانوني على حق إعادتها إلى حاضنة الأغلبية، بعكس كوريا الشمالية والتي فوضت الدعم الصيني على بنية الصراع الإيديولوجي وغطيت بالسياسي-العسكري، فإثارة قضيتها مع كوريا الجنوبية واليابان وتصعيدها لإشكالية الصواريخ البالستية، وتهديداتها للجوار، تعد الأنسب لأمريكا والناتو في جر الصين إلى حرب الاستنزاف، كما فعلوها مع روسيا، وسحبوها إلى مستنقع الحرب الأوكرانية، وفي الواقع هذه الحروب تخفي مصالح اقتصادية أعمق من أن تكون لميزانية الدول الكبرى علاقة بها، وهو ما يلاحظ من خلال تفاقم الصراع الاقتصادي بين روسيا والدول الأوروبية، وتأثيراتها على العالم، واستفادة الشركات الرأسمالية العالمية منها، كشركات الطاقة أو الأسلحة أو تكنولوجيا العصر، الإنترنيت، وشركات وسائل التواصل الاجتماعي، وضعف إدارات القوى السياسية أمامها.

 والسؤال هنا: هل سيبلع قادة الصين الطعم، كما بلعها (فلاديمير بوتين) عندما ضرب بعرض الحائط آراء مستشاريه وخبراء الإتحاد السوفيتي السابق، فنقل حكم الدولة من قرار الجماعة إلى قرار الفرد الواحد، وألغى منطق الانتظار؟

  أم أن (شي جين بينغ) سيستمع إلى مستشاريه، وسينقلها من قرار الشخص الواحد إلى رأي الشريحة الإستراتيجية، حَمَلة خبرة القرون الطويلة من التلاعب والخدع السياسية، والذين على الأرجح، يدركون تطورات الجدلية الاقتصادية الجارية، وسيجرون أمريكا وكوريا الجنوبية والناتو إلى المستنقع الذي جهز للصين وشركاتها، وسيجدون الطرق التي ستحيدهم الانزلاق نحوها. وفي هذه الحالة، ستظل إما على شبه حياد من الصراع الدائر في أوروبا، ترجيحا لمصالحها، أو بالأحرى تثبيتاً لمسيرة احتوائها للأسواق الأوروبية، كما وستحافظ على هيبتها ومكانتها كقوة اقتصادية عظمى وقطب ثالث في العالم أمام أمريكا وروسيا.

 مع ذلك وعلى خلفية الرهبة الأمريكية-الأوروبية المتصاعدة من نموها الاقتصادي، ما تقوم به أمريكا والناتو اليوم نيابة عن الشركات الرأسمالية العالمية، في شرق أسيا تضع ليس فقط الصين، بل المنطقة برمتها أمام حرب باردة طويلة الأمد، مشابهة لما يجري في شرق أوروبا، وأية مواجهة مباشرة ستكون تبعاتها على أمريكا وأوروبا أقصى مما ستنعكس على الصين ودول الشرق الأسيوي، لذا فإن الحرب المخفية، ستتحول مع العقدين القادمين إلى صراع بين كارتيلات الشركات، والتي بدأت تتحكم بمصير الدول الكبرى ذاتها، وهو ما سيؤدي إلى ظهور أقطاب متنافسة اقتصاديا، صراع الشركات الكلاسيكي على الأسواق سيكون جزء بسيط منه.

مع ذلك وحيث المرحلة لا تزال مستمرة، أمريكا كإمبراطورية لا بد وأن تكون لديها أكثر من مخطط للحفاظ على مكانتها، وحماية مصالحها، وستحاول بلوغ غاياتها بأساليب مختلفة، ومن إحدى أهم أهدافها إضعاف الصين، أو الحد من توسعها المتسارع في الأبعاد العسكرية-السياسية، وستحاول مثلها في المجالات الاقتصادية أيضا، ليس فقط في أسيا وأفريقيا، بل في أوروبا وأسواق الأمريكيتين ذاتها. وزيارة مستشار ألمانيا للصين، لم تكن دون مشورتها المسبقة، والغاية ليس فقط وضعها على الحياد من الحرب الأوكرانية مقابل إبقاء أبواب العلاقات التجارية مفتوحة، بل لقضايا سياسية-عسكرية أوسع، من بينها حماية المصالح الاقتصادية للشركات العملاقة، وهي تندرج ضمن ديمومة مرحلة صراع كارتيلات الإمبراطوريات الاقتصادية…

يتبع…

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى