ثقافة

إغلاق إذاعة لندن .. وذكريات لا تنسى .

إغلاق إذاعة لندن .. وذكريات لا تنسى . أحمد فاروق عباس

ليس لدى بريطانيا عواطف ، وليس لدى القوى الكبرى كلها عواطف ، لديها فقط أدوات لتحقيق المصالح ، وبمقدار تحقيق هذه الأدوات للمصالح أو الأهداف التى قامت من أجلها فستظل باقية ..

أما إذا تقاعست عن تحقيق الأهداف ، أو أن الزمن تجاوزها ، وظهرت أدوات جديدة لتحقيق الأهداف القديمة بطريقة اكفأ فستترك لمصيرها ، وهو فى الغالب التلاشى والذوبان ..

وهو نفس ما حدث مع القسم العربى فى هيئة الإذاعة البريطانية ، وأقسام أخرى عديدة غيره ..

فقد دار الزمن دورته ، ولم يعد أحد يستمع إلى إذاعة لندن كما كانت تسمى ، وظهرت الوسائل والأدوات الجديدة من فيس بوك وتويتر ويوتيوب وغيرهم ، لتحقق بوسائل عصرية نفس ما كانت تحققه إذاعة لندن فى الزمن القديم ..

ولمن لم يعاصر إذاعة لندن ، فهى أشهر وأهم الإذاعات في المنطقة العربية ، منذ إنشاؤها عام ١٩٣٨ وحتى بدايات القرن ٢١ ، وكانت صوت الإنجليز وحاملة رسالتهم وأهدافهم في المنطقة لعقود ..

وبالنسبة لى فقد بدأت استمع إلى إذاعة لندن عام ١٩٩٢ وعمرى وقتها ١٥ سنة ، ولم يكن ذلك غريباً ، فقد كان التلفزيون المصري مقتصراً على قناتين فقط ، وبرامج القناتين تقليدية وغير جاذبة ، وكان كثيرون من جيلنا يرون في الإذاعة وسيلة أكثر حيوية ، وكثيرون كانوا يستمعون إلى البى بى سى البريطانية ، وإذاعة مونت كارلو – إذاعة فرنسا الدولية – وصوت أمريكا ، حيث برامج هذه الإذاعات كانت تتفجر شبابا وحيوية ، وحتى صوت إسرائيل كان لها مستمعوها !! فقد كانت متخصصة في إذاعة الأغانى والحفلات النادرة لأم كلثوم وكبار المطربين المصريين ..

وعلى أثير إذاعة لندن كنت استمع مثلا الى البرنامج المفتوح من الثانية ظهراً حتى الرابعة عصراً ، ومنه عرفت وأحببت صوت فيروز ، ومنه عرفت أصوات وأغانى كثير من المطربين العرب مثل عندليب الجزيرة العربية محمد عبده وطلال مداح وعتاب من السعودية ، وسعدون جابر من العراق ، ومحمد حسن من ليبيا وغيرهم ..

ومن إذاعة لندن تابعت مثلا الانتخابات الإسرائيلية التى اقصت إسحق شامير وجاءت بإسحق رابين لرئاسة الحكومة الإسرائيلية ، وبدء ما سمى وقتها وطوال التسعينات بعملية السلام ..

ومن إذاعة لندن عرفت فى يوم من شتاء ١٩٩٤ بضرب إرهابيين لأتوبيس سياحى على الطريق السريع ، لا يبعد عن بيتنا في الصعيد أكثر من نصف كيلو متر ..

كان اليوم يوم جمعة ، وكنا خارجون من الصلاة ، وترامى الينا الخبر على استحياء ، وبمجرد ذهابى إلى البيت عرفت الخبر بكل تفاصيله من البى بى سى ، وهو الذى حدث بجوار منزلنا ، ولم اكن عرفت عنه حتى ذلك الوقت شئ ذى قيمة ..

وكل أحداث تلك السنوات مثل عمليات حماس ضد إسرائيل فى مارس ١٩٩٦ ، ثم مؤتمر صانعى السلام فى شرم الشيخ فى أبريل ، والقمة العربية فى يونيو من نفس العام ، وحادث مقتل الأميرة ديانا فى باريس عام ١٩٩٧ ، وأغلب حوادث ذلك العقد كانت متابعتها فى الغالب على موجات القسم العربى من هيئة الإذاعة البريطانية ..

وبواسطة إذاعة لندن تابعت وانا طالب مقيم في المدينة الجامعية حوادث رواية وليمة لأعشاب البحر فى جامعة الأزهر فى مايو ٢٠٠٠ ..

حيث تظاهر طلاب الإخوان بكثافة اعتراضا على رواية لكاتب سورى – حيدر حيدر – طبعتها وزارة الثقافة ، وضربت قوات الأمن حصارا شديداً على المدينة الجامعية ، وكان طلاب الإخوان يعتلون أسطح البنايات ويضربون قوات الأمن بالطوب والحجارة ، وكانت قوات الأمن ترد عليهم بالرصاص المطاطى ، وأصيب زميل لى فى الغرفة بأكثر من إصابة ..

المهم أن وسائل معرفة ما كان يحدث فى الخارج كانت محجوبة عنا ، وكان معرفتى ومعرفة زملائي في الغرفة بما يدور حولنا قاصرة على الاستماع إلى إذاعة لندن ، من راديو ترانزستور صغير كان معى ، فلم تكن الإذاعات المصرية تذكر أى شئ عما يحدث ..

ومن إذاعة لندن أيضا تابعت ولأيام عديدة حوادث ١١ سبتمبر فى أمريكا ، وراقبت تغطيتها المهمة للحدث الذى هز العالم ..

وكانت إذاعة لندن فى سنوات التسعينات مشهورة ببرامج ذات شعبية جارفة في كل أنحاء العالم العربي ، مثل برنامج قول على قول لحسن الكرمى ، وهو برنامج عن الشعر العربى ، وبرنامج حول العالم العربي ، والسياسة بين السائل والمجيب ، وعالم الكتب ، وصندوق النغم ، وفترة الظهيرة وهو البرنامج الاخبارى الرئيسي فى النهار ..

وارتبطت الأذن العربية بمقدمى برامجها المشهورين مثل حسن الكرمى وسلوى الجراح وافتيم قريطم ومحمود المسلمى ومديحة المدفعى وغيرهم ..

ومنذ حوالى ثلاث سنوات أعاد موقع البى بى سى العربية على الإنترنت بث حلقات كثيرة من برامج إذاعة لندن فى سنوات سابقة ، وحمَّلت تلك الحلقات على موبايلى ، وكانت فرصة سعيدة أن أستمع إلى أصوات وبرامج رجعت بى الى ذكريات سنوات الصبا وأيامها ..

كبرنا بعد ذلك وفهمنا أن إذاعة لندن هى صوت السياسة البريطانية فى الشرق الأوسط ، وهذا طبيعى ، فوسائل الإعلام ليست مؤسسات خيرية ، وأن ميزانية هيئة الإذاعة البريطانية كلها – بجميع اللغات وليست الخدمة العربية فقط – تأتى من إم أى 6 .. المخابرات البريطانية !!

بنهاية إذاعة لندن يسدل الستار على حقبة كاملة من تاريخ المنطقة العربية وعلاقتها ببريطانيا ، وهى علاقة فيها القليل من الأشياء الجيدة ، وفيها الكثير – جدا – من الأشياء غير الجيدة ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى