ثقافة

إعداد المعلم بين تحديث المناهج وقصور التدريب

كريم الوائلي
كاتب وناقد ادبي وتربوي .

أ. د كريم الوائلي
مدير عام سابق في وزارة التربية
• تتألف المنظومة التربوية ، شأنها شأن أي منظومة ، من عناصر تكوينية جوهرية تمثل ماهيتها وطبيعتها ، وتحتل هذه العناصر مواقع معينة ، وتتشكل بينها علاقات ، وان احداث أي تغيير في العناصر التكوينية ، أو في مواقعها ، أو في العلاقات بينها ، من شأنه ان يحدث تغيرا جوهريا في المنظومة نفسها ، ولذا يمكن النظر الى المنظومة ــــ في ضوء هذا الفهم ـــ على انها بنية يمكن تأملها في اطار تأثرها وتأثيرها بهذه العناصر المتلاحمة والمتظافرة فيما بينها .

( 1 )
تَراجع كثيرا التصور التقليدي الذي يجعل من المعلم طرفا فاعلا وحيدا في العملية التربوية ، ويجعل من التلميذ مجرد متلق سلبي ، لأنّ هذا التصور يهب المعلم سلطات مفرطة ، ويحرم الطالب من المساهمة في صنع الدرس ، كما تراجع تصور أخر يجعل من المعلم ميسرا مرة أو موجها عاما مرة أخرى ، لدرجة يقلل كثيرا من دور المعلم ، ويلقي عبئا اكبر على التلميذ ، وفي تصوري ان كلا الاتجاهين يربك العملية التربوية ، ولذلك سيظل المعلم قائدا في العمل التربوي ، لا على أساس الطريقة التقليدية التي تطلق يده في كل شيء ، ولا على أساس تخليه عن ابرز مهامه ، وانما يتحدد دوره على أساس وعي ان المناهج الدراسية تحولت الى علوم لها أسسها واصولها ، وان التدريب ــ الذي اصبح صناعة ـــ يتلاحم مع المناهج ليكسب المعلم مهارات متنوعة ، لدرجة يمكنني القول ان إعداد المعلم يشبه الى حد ما صناعة انسان يمتلك مواهب فردية ، يتم صقلها وتهذيبها وتطويرها وتعميقها في اطاري المناهج الدراسية والتدريب ، إضافة الى المكونات الأخرى التي تسهم في تطوير وتعضيد العملية التربوية .
ولا يخفى ان تطور المجتمعات والنهوض بها مقترن بنوعية التعليم ، ولذلك تتفاوت المجتمعات وتختلف في كيفية صنع المناهج الدراسية ، وفي كيفية استخدام آليات التدريب وتطويرها ، وتستفيد المجتمعات المتقدمة ـــ بخاصة ـــ من التراكم المعرفي الذي يمتد الى مئات السنين ، وتسعى لتوظيف المناهج الدراسية والتدريب معا من ” أجل اكتساب مهارات التعليم والتفكير ، وخلق النزعة النقدية في النظر للمشاكل وكيفية معالجتها منهجياً ، وتنمية مهارات الإبداع معتمدة على قدرات المعلمين في التحليل والتفكيك والتركيب ” .
اما المجتمعات الأقل تقدما ــــ وبتعبير ادق المتخلفة ـــ فإنها لا تزال تحافظ على المناهج التقليدية ، وتنأى بنفسها عن التطورات المتسارعة التي تطرأ على التعليم وآلياته في العالم ، ولذلك بقي النظر الى المناهج والتدريب ثابتا وسكونيا ، أو بتعبير اخر ” أنه ليس في الإمكان أحسن مما كان ، ولذلك فإنها تنتج ما تم انتاجه ، وتعيده على ما هو عليه ، في أحسن الأحوال ، أو بأسوأ مما هو عليه ، تشويهاً واختزالاً ، في أغلب الأحوال” .
ولقد تركت الظروف القاسية التي مر بها العراق خلال العقود الأخيرة اثرا سلبيا على العملية التربوية بأسرها ، فضلا عن آثارها على المعلمين وتأهيلهم ، وإذا كانت الادارة التقليدية للمنظومة التربوية قادرة على إدارة الاعمال الروتينية في الظروف الاعتيادية ، فإنّ المنظومة التربوية بها حاجة الى ادارة خاصة للازمات والمخاطر ، في اثناء الحروب والحصار ، وكذلك في المناطق التي احتلتها داعش بخاصة ، من اجل مواجهة الظروف الصعبة وحساب الاحتمالات المختلفة واختيار الوسائل المناسبة لها . الامر الذي يقتضي اعادة تأهيل المعلمين والمدرسين والمرشدين التربويين والمشرفين التربويين ، وتدريبهم على قيادة ادارة الازمات والمخاطر . فضلا عن إعداد مناهج خاصة تعالج ما تركته الحروب والحصار واحتلال داعش من مؤثرات سلبية في وجدان المعلمين والتلاميذ وسلوكياتهم .
وحاولت وزارة التربية احداث تغيرات جوهرية في السنوات الأخيرة على بعض المناهج الدراسية ، كاللغة الإنكليزية والعلوم والرياضيات ، غير ان هذا يصطدم بعقبتين جوهريتين:
الأولى : ان مجرد التحديث لذاته لا يمثل قيمة كبيرة تدفع بالعملية التربوية الى الامام ما دامت العناصر التكوينية الأخرى متراجعة وهزيلة ، ذلك ان المنظومة التربوية مثل الكائن الحي تتفاعل عناصرها مع بعضها ، وتؤثر علاقات هذه العناصر ببعضها ، الامر الذي يجعل من المنظومة التربوية موجودا لا يتصف بالكمال والتناسق والانسجام ، فاذا احدثنا تطورا في المناهج ولم يوازه ويتفاعل معه تطور في التدريب فان هذا يجعل المنظومة التربوية مربكة وان مخرجاتها مشوهة وقاصرة .
الثانية : ان نسخ تجارب الاخرين أو محاولة محاكاتها وتقليد اطرها المنهجية العامة يمكن ان يضر بالعملية التربوية كثيرا ، وهذا ما حصل ، ذلك ان وزارة التربية حاولت التطوير في ضوء منهجية منظمة اليونسكو ، فقام مؤلفون عراقيون بدعم من منظمة اليونسكو وتوجيهها ومساندتها ، بهذه المهمة المنهجية الحديثة وتطبيقاتها ، دون الاخذ ـــ بتصوري المتواضع ـــــ بالفوارق النوعية بين المنهج الذي استخدم في بيئات تعليمية متقدمة ـ ، ودون النظر الى بنياتنا التعليمية المتردية من حيث الأبنية المدرسية البائسة واكتظاظ الصفوف الدراسية وآليات التعليم التقليدية ، والمستويات الضعيفة لإعداد المعلمين ، وبخاصة في المخرجات الأخيرة التي ترفدنا بها كليات التربية ، ومعاهد المعلمين .
ان منهجا متقدما يمكن ان يصلح لبيئة متقدمة ويمكن ان يحقق نجاحا كون البنية التحتية متكاملة ، والمستوى الثقافي للمجتمع متميزا ، فضلا عن متانة المنظومة التربوية وتماسكها، ولكنه سيخفق في مجتمعات تعاني من نسب عالية من الامية القرائية ، فضلا عن الامية الثقافية والتقنية ، وتعاني من بنيات تحتية متهالكةـ ـــ ابنية مدرسية ، ومختبرات ، ووسائل تعليمية ــــــ ومستوى متواضع من الإمكانات والمهارات التي يمتلكها اغلب المعلمين والمدرسين والمشرفين.
ويمكن ان نضرب امثلة بسيطة على ذلك ففي العام الدراسي 2012 ـــ 2013 :
الأبنية المدرسية :
بلغ عدد الابنية المدرسية الصالحة في المرحلة الابتدائية (4842) بناية بنسبة 53ر44% ، وبلغ عدد الابنية المدرسية التي تحتاج الى ترميم (4251) بنسبة 10ر39% ، و بلغ عدد الابنية المدرسية غير الصالحة (1780) بنسبة 37ر16% ، وبلغ مجموع الابنية المدرسية المشيدة بالطين (389) بناية بنسبة 58ر3% . وهذا من شأنه ان يعيق العلمية التربوية ، هذا اذا اخذنا بعين الاعتبارـ حتى الان ـ توقف مشاريع اعادة بناء المدارس التي لا تزال شاخصة حتى الان ، اما تهديما كاملا ، دون اعادة بناء ، أو مجرد هياكل حديدية لم يستكمل بناؤها . اما ما حصل من تخريب وتدهور في الابنية المدرسية بسبب الارهاب وبخاصة بعد سنة 2014 فان هذا بحد ذاته بحاجة الى احصائيات خاصة ودراسات مستقلة .
وليس الامر مقتصرا على ذلك فان الابنية المدرسية في المرحلة الابتدائية تعاني من عدم توافر المياه الصالحة للشرب أ ومزودة بالمجاري ، أو التي تشتمل على سياج أو بدون سياج ، فلقد بلغ مجموع الابنية المدرسية التي يتوفر فيها ماء صالح للشرب (7972) شكلت نسبة 32ر73% من مجموع الابنية المدرسية ، وبلغ مجموع الابنية المدرسية المزودة بخدمة المجاري (7226) بناية شكلت نسبة 46ر66% ، وبلغ مجموع الابنية المدرسية التي تحتوي على سياج (9173) بناية شكلت نسبة 36ر84% .
الرسوب في المرحلة الابتدائية :
ربما يكون الرسوب ظاهرة عادية في معدلاتها الطبيعية في مراحل الدراسة المتوسطة والثانوية ، ولكنها حين تتجاوز المعدلات الطبيعة فإنها تعد مشكلة وطنية تستدعي التأمل والدراسة وايجاد الحلول المناسبة ، اما الرسوب في المرحلة الابتدائية فانه يظل كارثة بكل الاحوال مهما كانت المعدلات ، إذ ينبغي ان تضطلع المنظومة التربوية بكافة مكوناتها وعناصرها ان تجد لها حلولا جذرية بحيث يتمكن الخبراء من توقع حدوث هذه الظاهرة قبل حصولها ، وتتبعها في اثناء تفاقمها ، وتستفيد من العبر في حالة الانتهاء منها ، بحيث تجد الحلول الناجعة .
ان ارتفاع عدد التلاميذ الراسبين في الصف الاول الابتدائي يستدعي تأملها بشكل جيد ،من حيث البيئة المدرسية التي اصبحت طاردة للتلاميذ ، والمناهج الدراسية التي اخذت في الصعوبة واحيانا الاستعصاء ، ليست على التلميذ فحسب وانما على المعلم نفسه ، وبخاصة ان عددا ليس قليلا من المعلمين والمدرسين لا يمتلكون الكفايات التدريبة الكافية. .
ان ظاهرة رسوب اعداد كثيرة من التلاميذ في الصفوف الابتدائية ليست جديدة ، وبخاصة الصف الاول الابتدائي ، فلقد اشار التقرير السنوي لسير المعارف لعام 1926 م الى رسوب عدد غير قليل من تلاميذ الصف الاول الابتدائي ، وعزا ذلك الى اسبابا عديدة ، منها ما يتصل بطبيعة البيئة المدرسية الخالية من الحدائق ، واكتظاظ الصفوف بأعداد كثيرة من التلاميذ ، وعدم انتظام التلاميذ بالدوام ، فضلا عن استصغار بعض المعلمين الاشتغال بالصفوف الاولى ويستخفونه ، فكثيرا ما تبقى هذه الصفوف في عهدة اضعف المعلمين . وتطرأ تغيرات على عدد التلاميذ بشكل كبير في الانتقال من الصف الاول الى الصف الثاني ، ومن الصف الرابع الى الصف الخامس .
وفي عام 2012 ـ 2013 ” يبلغ مجموع التلاميذ الناجحين 4113617 من المجموع الكلي للتلاميذ البالغ 5288845 شكلوا نسبة نجاح اجمالية بلغت 78ر77% ، ان اعلى نسبة نجاح كانت في الصف السادس بنسبة 72ر82% تلاها الصف الثاني بنسبة 13ر82% ثم الصف الرابع بنسبة 80ر80% فالصف الاول بنسبة 14ر78% ، وادنى نسبة نجاح على مستوى الصفوف كانت في الصف الخامس إذ بلغت 46ر63% .وبلغ مجموع التلاميذ الراسبين 692824 من المجموع الكلي للتلاميذ البالغ 5288845 شكلوا نسبة رسوب اجمالية بلغت 10ر13% .
ان اعلى نسبة رسوب كانت في الصف الخامس بنسبة 58ر25% تلاها الصف الاول بنسبة 81ر12% ثم الصف الرابع بنسبة 37ر12% فالصف الثاني بنسبة 18ر10% ، وادنى نسبة رسوب على مستوى الصفوف كانت في الصف السادس إذ بلغت 41ر6% .
ان نسبة الرسوب بسبب الفشل في الامتحان بلغت 13ر82% ، ونسبة الرسوب بسبب تجاوز ايام الغياب بلغت 93ر14% ، ونسبة الرسوب لأسباب اخرى بلغت 93ر2% .
وبلغ مجموع التلاميذ التاركين 99205 من المجموع الكلي للتلاميذ البالغ 5288845 شكلوا نسبة اجمالية بلغت 87ر1%، وان اعلى نسبة للتاركين كانت في الصف الخامس بنسبة 13ر3% تلاها الصف السادس بنسبة 00ر2% ثم الصف الرابع بنسبة 81ر1% فالصف الاول بنسبة 58ر1% ، وادنى نسبة على مستوى الصفوف كانت في الصف الثاني إذ بلغت 31ر1% .
واود التوقف عند اعداد التلاميذ الراسبين في الصف الاول الابتدائي ، إذ بلغ عددهم : 139408 ، وتبلغ نسبته 12،81 من المجموع الكلي لتلاميذ الصف الاول ، وهي نسبة عالية ، وان المسؤولية تقع في الحقيقة على عاتق وزارة التربية وكوادرها ، إذ ليس من المنطقي والمعقول رسوب هذا العدد الكبير من تلاميذ الصف الاول الابتدائي ، الامر الذي يترك اثارا سلبية على التلاميذ نفسيا وسلوكيا ، ويولد الاحباط في حياتهم المستقبلية ، والجدير بالذكر ان التلاميذ الراسبين في مختلف المراحل الدراسية الابتدائية من الصف الاول الى الصف السادس يبلغ عددهم 69282 ، وبنسبة : 13, 10 %”” .

المختبرات :
بلغ المجموع الكلي للمختبرات في المدارس الثانوية (6801) مختبرا تنوعت حسب المواد الدراسية (العلوم ، الفيزياء ، الكيمياء ، الاحياء ،مجمع مختبرات ، مختبر لغة ، مختبر حاسوب .
ويتفاوت عدد المختبرات بحسب المحافظات إذ تشتمل محافظة نينوى على اعلى عدد 792 مختبرا ، وتحتل ميسان اخر القائمة ب 82 مختبرا
توزيع الهيأة التدريسية حسب التخصص في الثانويات :
حصل تخصص (اللغة العربية) على اعلى نسبة من بين التخصصات الاخرى للهيأة التدريسية إذ بلغت نسبته (89ر15%) تلاه تخصص (اللغة الانكليزية) بنسبة (44ر12%) تخصص (الرياضيات) بنسبة (63ر10%) بعده تخصص (التاريخ) بنسبة (28ر9%)
وأود التوقف عند كتابين من الكتب المنهجية للمرحلة الابتدائية ، وهما كتاب ( القرآن والتربية الإسلامية ) وكتاب ( العلوم ) ، اما كتاب القرآن والتربية الإسلامية فهو في ستة كتب ، وهذه الكتب من حيث مفرداتها ومنهجها موغلة في التقليد ، إذ تعتمد الحفظ والتلقين للسور القرآنية الكريمة والاحاديث النبوية الشريفة ، والسيرة النبوية ، وتتميز بتفصيل اكثر في الصفين الخامس والسادس الابتدائيين ، لتشتمل على موضوعات في العقيدة وغيرها ، وهذا المنهج لم يتغير كثيرا عما كانت عليه المناهج منذ عام 1919.
ان هذا المنهج الموغل في التقليدية ، القائم على التلقين والحفظ واستظهار المواد التي يتلقاها التلميذ ، يقابله كتاب العلوم من الصف الأول الى الصف السادس ، وفي كل سنة يزود التلميذ بكتابين ، العلوم كتاب التلميذ ، والعلوم كتاب النشاط ،إضافة الى كتاب دليل للمعلم الذي يستعين به المعلم في تدريس المادة العلمية .
وتستند كتب العلوم ـــ بحسب المؤلفين ــــ ” على النظرية البنائية وتميزت في تنظيم الدروس بتمثيل دورة التعلم الخماسية بمراحلها : التهيئة ، والاستكشاف ، والشرح ، والتفسير والتقويم ، والتوسع والاثراء ، كما بنيت كتب السلسة على نظام تقويم متكامل في أنشطة ومحتوى المنهج ، ليكون التدريس موجها ومبنيا على بيانات تعكس واقع تعلم التلاميذ ” .
وكتاب العلوم للصف الأول الابتدائي كتاب التلميذ يتكون من 200 صفحة ، ويتكون من ست وحدات ، وتشتمل الوحدة الأولى على : الكائنات الحية ، وتشتمل هذه الوحدة على فصلين : الفصل الأول : الكائنات الحية واحتياجاتها ، وينقسم الى درسين الدرس الأول: الكائنات الحية والاشياء غير الحية . والدرس الثاني ، احتياجات الكائنات الحية ، اما الفصل الثاني : النمو والتكاثر في الكائنات الحية ، فنقسم الى درسين : الدرس الأول النمو والتكاثر في الانسان والحيوانات ، والدرس الثاني : النمو والتكاثر في النباتات .
ولا تختلف الوحدات الخمسة الباقية عن الوحدة الأولى في تفصيلاتها ، فهي تكاد تكون متطابقة ، غير ان الموضوعات مختلفة ، لتكون الوحدة الثانية : تركيب اجسام الكائنات الحية ، والوحدة الثالثة : البيئة الطبيعية ، والرابعة : المادة وخواصها ، والخامسة : الطاقة والحركة ، والسادسة : ارضنا .
ويكفي ان اتوقف عند الوحدة الخامسة في كتاب العلوم للصف الاول الابتدائي التي تشتمل على : الطاقة والحركة ، الطاقة واشكالها ، الحرارة والكهرباء ، الضوء والصوت ، الحركة والقوة ، الموقع والحركة ، القوة ، فعلى سبيل المثال النص الآتي : ” الطاقة تجعل الطائرة تحلق ، والتلفاز يعمل ، ويزود الطعام جسمي بالطاقة لكي العب واعمل واجباتي .الطاقة تجعل الأشياء تعمل وتتغير ، ولها اشكال عدة منها الضوء والصوت والحرارة والكهرباء” . اما كيف يحدث الصوت ، عندما يقرع الجرس يهتز غشاؤه ويصدر صوتا ، الصوت ينتج من اهتزاز الشيء ، واذا توقف عن الاهتزاز يتوقف الصوت ، الاهتزاز هو حركة الشيء الى الامام والخلف . . وتشتمل هذه الموضوعات المختلفة على تعريفات يصعب ادراك اغلبها على تلميذ في الصف الاول الابتدائي ، بمعنى انها اعلى من المدركات الذهنية للتلميذ ، الذي لم يستكمل ادواته القرائية بعد . وكذا الامر بخصوص كتاب العلوم النشاط ، فانه يقع في 76 صفحة ، وهو كما يقول المؤلفون ـــــ ” يحتوي الأنشطة المتضمنة في كتاب التلميذ …وصممت تلك الأنشطة بطريقة تتيح للتلميذ تدوين ملاحظاته واستنتاجاته ” .
ولو توقفنا عند كتاب العلوم للصف الرابع فانه يشتمل على ست وحدات ، وبالطريقة نفسها التي اشتمل عليها كتاب الصف الأول ، وأود ان اشير الى بعض الموضوعات ، مثل : الكائنات الحية البسيطة ، البكتريا تركيبها وخصائصها ، الطحالب تركيبها وخصائصها ، دورات الحياة الفقرية واللافقرية ، والتغير الكيمائي ، الاحتراق والصدأ ، الطاقة الاحفوررية ، ومصادر الطاقة الاحفورية ، والطاقة الصوتية ، وغيرها .
ولا يعني هذا اننا نقف ضد أي محاولة لتحديث المناهج ، غير ان نسخ التجارب ونقلها ومحاكاتها لتكون الانموذج الأفضل للتعليم للتعليم ، فضلا عن ان البنية التحتية المتردية للمدارس العراقية واكتظاظ صفوفها بالتلاميذ ، إضافة الى قصور في معرفة المعلم وامكاناته ومهاراته ، وبخاصة انه لم يتلق تدريبا جديا وفعليا ، بحيث يرتقي بقدراته ، كل هذا يدفعنا الى القول بأن التحديث حين يكون من اجل التحديث فانه يقود الى ضرر ولا يحقق الأهداف المبتغاة .
( 2 )
تزداد أهمية التدريب وتتأكد جدواه كلما كانت المجتمعات تعاني من تحديات بسبب النزاعات والكوارث والحروب سنوات عديدة ، ومن المؤكد ان هذا يؤثر على النظم التعليمية ، الامر الذي يقود الى وجوب المشاركة في الاستراتيجيات التي تقلل من المخاطر .
وبسبب التطورات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وما رافقها من تخلف وترد وكوارث وتحديات فضلا عن التطورات العلمية المتسارعة في العالم اصبح ضروريا تدريب المعلمين بشكل مستمر منذ دخوله معترك الحياة حتى تقاعده ، وهذا يعني الأهمية القصوى للتدريب لأنه يمثل نشاطا مستمرا كونه يزود المعلم بالخبرات والمهارات والاتجاهات ، الامر الذي يمكنهم من تطوير قدرتهم المهنية ، وينعكس بالضرورة على تعليم الطلاب .
ازمة التدريب في وزارة التربية :
تعد المديرية العامة لإعداد المعلمين والتدريب والتطوير التربوي المسؤولة عن إعداد المعلمين وتدريبهم قبل الخدمة وفي اثنائها ، وتشتمل هذه المديرية ـــ هيكليا ـــ على اقسام وشعب تقليدية بحسب التخصصات ، وتسند إدارة هذه المديرية لمديرين قد لا يمتلكون مؤهلات عليا وليس لديهم خبرة في التدريب ، وأكثر من هذا انها لا تشتمل على خطة منهجية تعالج معضلات التدريب الأساسية .
وحين كلفت بإدارة هذه المديرية العامة عام 2014 ، ولمدة سنة تقريبا ، وضعت يدي على اهم مآزق التدريب ، ويمكن تلخيصها على المحاور الآتية :
1 يهيمن التدريب التقليدي الذي يقوم على أساس المحاضرة والتلقين ، الامر الذي يجعل التدريب مجرد محاضرات في التخصصات المختلفة ، حيث يقوم المدرب بإلقاء محاضرة يتحقق نجاحها بطريقة إلقائه وقوة صوته ومظهره العام وطريقة أدائه ، ولا يعتمد انماطا أخرى الا نادرا مثل حلقة النقاش والندوات والمؤتمرات وغيرها .
2 ليس هناك مدربون مؤهلون تأهيلا علميا بحيث يمكنهم أداء ادوارهم ومهامهم داخل العراق وخارجه ،شأنهم شأن المدربين والعرب .
3 مركزية التدريب ، بمعنى ان المديرية العامة لإعداد المعلمين والتدريب والتطوير التربوي تخاطب المديريات العامة للتربية لترشح عددا محددا في تخصصات معينة الى بغداد بحيث ان العدد لا يتجاوز عدد المتدربين 600 الى 800 متدرب . بمعنى اننا نحتاج عشرات السنين حتى ندرب المعلمين والمدرسين والموظفين بحسب هذه الآلية .
4 قصر فترة التدريب ، فان اغلب فترات التدريب لا تتجاوز خمسة أيام الامر الذي يجعل من التدريب مجرد نزهة ، ولكونها لا تنتهي الدورة التدريبة باختبار ، فضلا عن ان اغلب المتدربين لا يحصلون على جرعة حقيقية ، ومن الجدير بالذكر هنا ان عددا ليس قليلا من المتدربين هم اكثر كفاءة وقدرة من المدربين انفسهم ، على الرغم من ان بعض المتدربين حاصل على مؤهل عال ، ولذلك فان التحديات التي تواجه تدريب المعلمين كثيرة ، بحيث يكون التدريب لمرة واحدة وبجرعة معقولة من المادة والوقت الكافي ، لا تكفي لمرة واحدة .
ولذلك شرعت بالقيام بأمرين ، احدهما مرحلي ، والأخر استراتيجي :
الامر المرحلي : أ ـــ نقل التدريب من المركز الى الأطراف ، أي ان المدرب يذهب الى مواقع المعلمين والمدرسين في مناطقهم ، في المديريات العامة للتربية ، وفي الاقضية والنواحي ، وليس دعوة هؤلاء الى بغداد ، بحيث نصبح قادرين على تدريب اعدادا اكبر ، وتشمل فئات يصعب عليها ــــ ان لم يكن متعذرا ـــ الحضور الى بغداد ، وبخاصة في الاقضية والنواحي .
ب ــــ الاعتماد على حملة الشهادات العليا ، ممن يمتلكون القدرات والكفايات ، للاضطلاع بهذا الامر ، وقد عمم هذا على اقسام التدريب في المحافظات .
الامر الاستراتيجي : الاتفاق مع منظمة اليونسكو لرسم استراتيجية للتدريب في وزارة التربية تشتمل على المحاور الآتية :
1 ـــ إعداد قادة تدريب بكافة التخصصات من حملة الشهادات العليا ، بحيث لا يقل عددهم عن 40 متخصصا لكل مديرية عامة للتربية ، بحيث يتراوح العدد الكلي بين 800 الى 1000 قائد تدريب ، وتشرف منظمة اليونسكو على تدريبهم واعدادهم اعدادا علميا ومنهجيا ، ويضطلع هؤلاء للعمل بتدريب منتسبي وزارة التربية ويتفرغون لهذا العمل بشكل خاص ، وينفذون خطة منهجية مركزية ، ويسهمون هم أيضا في صناعتها مع المديرية العامة لإعداد المعلمين والتدريب والتطوير التربوية .
2 إعداد قاعات تدريبة انموذجية بإشراف منظمة اليونسكو ، تشتمل على المواصفات العالمية لقاعات التدريب ، وتكون مزودة بالأجهزة اللازمة والضرورية للتدريب ، لان القاعات التدريبة الحالية هي مجرد صفوف لا تشتمل على وسائل وأدوات وأجهزة . بحيث تخصص قاعة أو اكثر في كل مديرية عامة للتربية ، ثم تقوم هذه المديريات بإنشاء قاعات مماثلة في مراكز المحافظة والاقضية والنواحي ، كلما استدعت الحاجة التدريبة الى ذلك .
3 تدريب متخصصين ـــ ويفضل ان يكونوا من حملة الشهادات العلياـــ وبإشراف منظمة اليونسكو على صنع البرامج التدريبية لكل منهج دراسي ، وبخاصة التي تم تحديثها .
4 تدريب متخصصين ـــ ويفضل ان يكونوا من حملة الشهادات العلياـــ وبإشراف منظمة اليونسكو لصنع الحقيبة التدريبية ، إذ لا يمكن تنفيذ التدريب على المناهج الحديثة دون حقيبة مرجعية تشتمل على مستلزمات واوليات وبرامج التدريب ، ليستعين بها المتدرب في اثناء التدريب وبعده .
وتم التنسيق مع منظمة اليونسكو ، واستحصلنا موافقة المشرف على يونسكو العراق د خليل العليان في عمان ، ثم رفعنا ذلك كله الى معالي الوزير وسلمته ذلك بيدي ، برنامجا كاملا يشتمل على هذه الاستراتيجية ، إضافة الى إعادة صياغة هيكلية المديرية العامة لإعداد المعلمين والتدريب والتطوير التربوي .
ان إمكانات التدريب تبدو هزيلة بحيث لا يمكنها مجاراة التطورات التي احدثتها الوزارة في التخصصات التي اشرنا اليها ، على الرغم من تحفظنا على طبيعة هذه التحديثات ، ولا يخفى ان المشرفين التربويين الذي تلقوا جرعة بسيطة على هذه المناهج بحيث لا يتعدى التدريب ستة أيام ، ثم يضطلع هؤلاء المشرفون بتدريب المعلمين والمدرسين .
ان هذه الالية لا تمكن المعلم من اتقان الاليات الحديثة لتدريس المواد الدراسية الجديدة ، وبقي المعلم يؤدي ادواره بآليات قديمة لمناهج حديثة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى