أخباررأي

أسامينا!

سليم زاروبي
عالم فلك فلسطيني متخصص في دراسة فيزياء الكون

“لماذا سمّوك سليم؟”، سألتني صديقة قديمة كنت التقيتها في مقهى.

نظرت إليها مندهشاً بعض الشيء؛ فأنا لم أفكر في هذا السؤال منذ زمن بعيد. تبسمتُ لبرهة ثم أجبت، “لم يكن من الممكن أن يُسَمّوني إلا سليم”.

“كيف هذا؟ أهو اسم جدك؟”، تابعت صديقتي.

عدّلت جلستي وأجبتها والبسمة تعلو وجهي: “أجل، وأنا الابن البكر في العائلة، ولكن هذا جزء من سبب تسميتي بهذا الاسم!”.

استرسلتُ أفكر في سؤالها. فقد كنت أعتقد، في صغري، أنهم اختاروا اسمي لجمال معانيه مثل “سالم”، “صحيح” و “كامل”، إلخ، لكني سرعان ما فهمت أنه حتى لو كان اسمي يعني “مختلٌ عقلياً” و “عليل” و “سقيم”، لما كانوا أسموني إلا به. فجدّي لأبي اسمه سليم، وخال أبي الذي ساهم في تربيته بعد أن توفي أبوه وهو صبي كان أيضا سليم، وجد أمي من جهة أبيها سليم، وجدها من جهة أمها أيضا سليم، وخالي الكبير كان يجب أن يسمى سليم (لكنهم بعد أن “فتحوا له” قرروا أن يسموه سمير). أي أن تسميتي بهذا الاسم كانت لها حتمية، مثل قانون الطبيعة الذي لا مناص منه.

سرحتُ أفكر بهؤلاء الأجداد الذين لم أعرف معظمهم، لأن أغلبهم كان قد توفي قبل ولادتي، لكّن لكل منهم أثراً على طفولتي ونشأتي. فجدي لأبي، الذي سميت باسمه كان قد توفي في عام النكبة وهو في ريعان العمر من جرّاء مرض، بينما كان أبي صغيرا لم يبلغ الـ 14 ربيعا بعد. وكثيراً ما تفكّرت بحجم المأساة التي مرت على عائلة أبي التي تيتمت من الأب والوطن في العام نفسه. ولطالما كان أبي يردد القصص القليلة التي كان يعرفها عن أبيه الذي كان تاجراً في جسر المجامع؛ وهو اسم قرية فلسطينية مهجرة تقع قرب الجسر الذي يحمل الاسم نفسه ويقع في نقطة الحدود المثلثة بين الأردن وسوريا وفلسطين التاريخية، وفيها يجتمع نهر اليرموك بِنهر الأردن (قريبا من ينابيع الحمّة). كان أبي يسرد هذه القصص وكأنها أساطير عن أحد الفرسان النبلاء، فكانت فَرِحَةً مليئةً بالرومانسية والمبالَغة الجميلة. لكن حين كبرت أصبحت أدرك أنّ هذه القصص الفَرِحة تخبئ في طياتها حزناً عميقاً وحنيناً مكبوتا وإنكاراً لمأساة حلت على صبي في أول عمره. وعندما كبرت أكثر أدركت أن هذا هو حال جيل النكبة كله، الذي لم يترك له حجم الكارثة سوى الحنين والحزن المكتوم و “تجاهل” المأساة التي كانت أكبر من أن تُسْتَوْعَب.

وقد كبرت أيضاً على قصص أبي عن خاله، سليم فرح، الذي لعب دور “شخصية الأب” بالنسبة لوالدي بعد وفاة أبيه. كان هذا الخال، كما يظهر، شخصية فذّه وطيبّة جداً أثّرت على جميع من عرفها بشكل عميق. كان سليم فرح الابن البكر لعائلة نصراوية عريقة؛ وهو الإبن البكر لراجي فرح الذي شغل منصب رئيس بلدية الناصرة لفترة قصيرة في بداية القرن العشرين. سافر سليم فرح إلى الولايات المتحدة للدراسة فحصل على شهادة البكالوريا (بي ايه) في الهندسة الزراعية من جامعة إلينوي ومن ثم الماجستير في الموضوع نفسه من جامعة كورنيل في ولاية نيويورك. وإثر انخراط الولايات الحرب في العالمية الأولى، عاد إلى البلاد، لأن شقيقه الذي لحق به إلى هناك وقع في حب فتاة أمريكية وتزوجها فوقع تحت طائلة قانون التجنيد العام للحرب، مما اضطر سليم إلى وقف تعليمه لشهادة الدكتوراه واصطحاب أخيه معه عائدين إلى البلاد كي يحميه من السفر والمشاركة في الحرب المستعرة في القارة الاوروبية. أما ما حدث لهذه المرأة الأمريكية وكيف انتهت حكايتها مع أخيه فهذا ما لم تذكره القصة العائلية التي دارت، في الأساس، حول “بطولات سليم فرح”، رغم أنني أعتقد بأنه كان بريئاً من محاولات تفخيم اسمه. فكما يظهر، كان شخصية وطنية فذة وصاحبة مبادئ، وقد ذكر شهادته أمام لجنة شو (Shaw Commission) الانتدابية عام 1929 الكاتب أكرم زعيتر في كتابه “بواكير النضال”.

عند عودته إلى البلاد، انضم إلى الجهد العام في محاولة إنعاش الاقتصاد الفلسطيني وضَمِنَ مساحات كبيرة من الأراضي لزراعتها بالقمح. لكن الانتداب البريطاني قام باستيراد كميات كبيرة من القمح وبيعها بأسعار زهيدة لضرب اقتصاد الفلاح الفلسطيني، وكانت أشد هذه الضربات خلال ثورة 1936. نتيجة لذلك، خسر استثماره وأفلس، حتى أنه سجن لفترة لكن جدّي لأبي، سليم زاروبي، دفع ما كان مستحقا عليه من ديون وأخرجه من السجن، إذ كانت تربطهما علاقة صداقة وثيقة. بعد هذا أصبح سليم فرح إلى مرشداً سياحياً في المنطقة وانشغل يكتب عن فلسطين وقراها في كتابات لم تر النور، لأنه مات قبل أن ينشرها. وقد ذكر أبي أن خاله كان قد رفض الاشتراك في الوفد الذي وقع استسلام مدينة الناصرة عند احتلالها خلال النكبة، مع أنه كان أحد أعيان المدينة وابناً لعائلة كبيرة، كما رفض الخروج من بيته لعدة أشهر بعد هذه المأساة.

ومن القصص الظريفة عنه، والتي حدثت خلال دراسته في ولاية نيويورك، أنه قرأ مقالاً كبيراً في احدى صحفها عن نسبة الطلاق في الإمبراطورية العثمانية، التي كانت الدول الغربية تسميها “الرجل المريض” آنذاك. في ذلك المقال، يشرح الكاتب لماذا تدل هذه النسبة (لم تذكر القصة الرقم) على الانهيار الأخلاقي للمجتمع العثماني ودولته! وما أثار حمية سليم فرح أنه في الصفحة نفسها التي نشر فيها هذا المقال كان هناك خبر معلوماتي عن نسبة الطلاق في الولايات المتحدة التي كانت ضعفيْ النسبة في الإمبراطورية العثمانية؛ فما كان منه إلا أن أرسل إلى الصحيفة رسالة رد على هذا المقال ذكر فيها أنه من مدينة الناصرة وأن الكتاب المقدس عند المسيحيين يقول “لِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلاَ تَفْطَنُ لَهَا؟” (انجيل لوقا 41:6). فردّت عليه الصحيفة “إلى ابن الناصرة سليم فرح، يقول الكتاب المقدس عندنا: أمِنَ الناصِرَة يَخْرُجُ شَيْءٌ صالِحٌ؟” (انجيل يوحنا 45:1).

أما من جهة أمي فقد حمل جدّاها الاسم الأول نفسه، “سليم”، لكنهما كانا يحملان الاسم الثاني نفسه أيضا ــ “عاقلة”. فقد كانا أبناء العم. كان والد جدي لأمي، نحيف القامة، أشقر الشعر، فاتح البشرة، مليئا بالنمش الفاتح وملوّن العينين، أمّا ابن عمه ووالد جدتي لأمي فقد كان ممتلئ الجسم، أسود الشعر، أسمر اللون، في وجهه عدة شامات سوداء وعيناه بنيتان. والطريف في الأمر أنه لكي يفرّق أهل الناصرة بينهما، لقبوا الأول لفتاحة لونه وكثرة نمشة بـ “سليم الأبرص”، ولقبوا الثاني لِدُكنة لونه وسواد شاماتِه بـ “سليم الأجرب”. لقد توفي جد أمي الأشقر (جدها لوالدها) صغيراً قبل أن أولد أنا بكثير، وفي الحقيقة لم أسمع عنه الكثير من القصص. أما جدها الآخر (لوالدتها) فقد عاش حتى أصبح عمرة حوالي 105 أعوام، وهو الوحيد من هؤلاء الأجداد الذي أعرفه شخصياً. فقد توفي في بداية ثمانينات القرن الماضي. والقصص حول هذا الرجل، الذي كان يتمتع بقوة جسدية كبيرة وشغف شديد بالحياة، كثيرة تشبه قصص أبطال الأساطير الشعبية التي تكاد لا تصدّق.

إحدى هذه القصص تتحدث عن تجنيده القسري من قبل الأتراك في بداية القرن العشرين في فترة سفر برلك، على الأغلب، وهي فترة التجنيد لخوض الحرب العالمية الأولى. لكنه قد يكون تجند قبل ذلك بكثير. وتذكر القصة كيف اشترك في معركة في البلقان والتي هُزِم بها الجيش العثماني ومات فيها معظم رفاقه. خلال تلك المعركة أصيب بشظايا في ظهره فما كان منه إلا أن غطّى نفسه بجثث الجنود التي حوله وافتعل أنه مات، وذلك لكي يهرب من ثمّ من الجيش التركي. وتذكر هذه القصة تفاصيل رحلة العودة التي عانى الأمرّين خلالها، من جوع وعطش ومخاطر، حتى عاد إلى فلسطين وبقي مختبئاً بين الجبال حتى زال خطر التجنيد.

إحدى القصص المضحكة عنه هي أنه كان متجها من الأردن إلى فلسطين على ظهر حمار. وعندما وصل إلى نهر الأردن وهمّ بقطعه من مكان ليس فيه جسر، رفض الحمار أن يدخل إلى الماء. فما كان منه إلّا أن حمل حماره على كتفه وقطع به النهر إلى الضفة الأخرى، فأصبح يعرف بأنه “الرجل الذي حمل حماره”.

كنت أعجب دائما بهذا الشخص الفريد الذي عانى القهر والتعذيب والفقدان والفقر. فقد رأى أهوال الحروب التي جند إليها قسراً بأم عينه وفقد أعز أصدقائه في معاركها وأصيب خلالها بثلاث شظايا بقيت في ظهره حتى مماته. وبعدها، عاد في رحلة مليئة بالمخاطر إلى وطنه وتزوج فماتت زوجته الأولى ومعها ثلاثة من أبنائه جراء مرض معدٍ خلال يوم واحد، ثمّ مرت عليه النكبة ومآسيها. لكني أذكره انسانا فرحاً محباً للحياة يجلس في المناسبات العائلية يغني ويفرح ويحتفل.

ما زلت أعجب من هؤلاء الذين عاشوا مآسي شعبنا على اختلاف انتماءاتهم، لكنّهم لم يقنطوا، بل تمسكوا بالحياة ورفضوا أن تهزم روحَهم حلكةُ الواقع، بل تعاملوا معه وحافظوا على حب الحياة والأمل في المستقبل.

في إحدى أغانيها الشهيرة تقول فيروز “عينينا هني أسامينا”، لكن في الحقيقة كثيراً ما تكون أسماؤنا هي حضارتنا وقصصنا وأساطيرنا وأبطالنا. فقد تحمل عيناي اسمي الحقيقي لكن مغزى ما تحمله عيناي أتى من هؤلاء الأبطال وهذا التاريخ الذي من دونه ليس هناك معنى للأسماء التي “تحملها عيوننا”.

بعد قصتي هذه ودعت صديقتي مبتسماً وأنا شاكر في داخلي أنها لم تسألني من أين أتى اسم عائلتي. وهذه قصة أخرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى