دراسات و تحقيقات

أحزاب الإسلام السياسي و إشكالية الديمقراطية

داخل حسن جريو
أكاديمي

لعب الإسلام دورا محوريا في حياة العرب , إذ جعل منهم أمة ذات حضارة عظيمة إمتد سلطانها من مشارق الأرض إلى مغاربها في فترة تاريخية وجيزة , لدرجة أن الخليفة العباسي هارون الرشيد كان يخاطب الغيوم اينما تمطرين سيكون خراجك لي,نظرا لإمتداد حكمه وسلطانه . فلا عجب أن يسعى البعض لإستعادة أمجاد أمته الحضارية من منطلق الثقافة الإسلامية . ومن هنا بدأت حركات ما يعرف بالإسلام السياسي في البلدان العربية والإسلامية.ويتوهم كثيرا من يعتقد أن من السهل إبعاد الدين عن مفاصل الدولة في البلدان العربية والإسلامية كما هو الحال في البلدان الأوربية , ذلك أن الدين الإسلامي متغلغل في نفس الفرد العربي والفرد المسلم منذ ولادته إلى مماته ,حتى وإن لم يكن مؤديا للفروض والطاعات الدينية . ولعل تجربة الرئيس التونسي الحبيب بو رقيبة وتجربة شاه إيران وتجربة كمال آتاتورك العلمانية خير شاهد ودليل حيث فشلت جميعها ولو بعد حين , حيث عادت تلك البلدان أكثر تمسكا بأحزاب الإسلام السياسي .
الإسلام السياسي هو مصطلح يشير إلى الجماعات التي ترى أن ألإسلام نظام حكم سياسي ونظام تشريعي وإقتصادي وإجتماعي وجنائي كامل متمثل في الشريعة الإسلامية،صالح للتطبيق في كل زمان ومكان , ويوفر بيئة سياسية صالحة لبناء دولة الحكم الرشيد القادرة على التوزيع العادل للثروات والعيش الكريم في أوطان آمنة ومستقرة, والقادرة على توظيف معطيات العلوم الحديثة ومستجدات التكنولوجيا لمصلحة شعوبها , والتفاعل مع ثقافات وحضارات العالم المختلفة آخذا وعطاء كما كانت عليه الحضارات الإسلامية المختلفة في غابر الأزمان , آخذين في الإعتبار متغيرات العصر الراهن. أي بإختصار نظام حياتي كامل ينظم حياة الفرد والمجتمع في جميع مجالات الحياة , وليس مجرد تنظيم علاقة الفرد بخالقه عبر فروض الطاعات والعبادات.
بدأت حركات وتجمعات الإسلام السياسي في أعقاب إنهيار الخلافة الإسلامية وتفكك ولاياتها بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى , وإستيلاء بريطانيا وفرنسا وروسيا على ممتلكاتها وتقاسم ولاياتها , بعد أن كانت الدولة العثمانية تتسيد العالم بوصفها قوة عظمى . عزى البعض فقدان المسلمين لقوتهم وسطوتهم لهجرهم شريعتهم الإسلامية, وعليهم العودة لجذورهم الإسلامية إن أرادوا إستعادة عزتهم ومجد دولتهم . شكلت أفكار أبوالأعلى المودودي وحسن البنا، وسيد قطب مصادر فكرية للكثير من الحركات الإسلامية .
وتعد حركة الإخوان المسلمين أبرز حركات الإسلام السياسي في الوطن العربي التي تسعى لإقامة دولة إسلامية عربية . أسسها حسن البنا في مصر في 22 مارس عام 1928م عقب سقوط الخلافة الإسلامية كجماعة من المسلمين تعمل علي استعادة الخلافة والقيام بأدوارها في المجتمع وإعادة الحكم الإسلامي وتطبيق الشريعة الإسلامية في الحياة اليومية، والجهاد من أجل تحرير الأمة من كل سلطان أجنبي. عبر الإصلاح التدريجي بدءًا من الفرد المسلم فالأسرة المسلمة فالمجتمع المسلم فالحكومة الإسلامية فالدولة الإسلامية العالمية، وسرعان ما انتشر فكر هذه الجماعة، فنشأت جماعات أخرى تحمل فكر الإخوان في العديد من الدول الأخرى، وصلت الآن إلى أكثر من ( 85 )دولة تضم كل الدول العربية ودولاً أخرى إسلامية وغير إسلامية . فازت الحركة في الانتخابات الرئاسية المصرية عام 2012 ,حيث أصبح مرشحها محمد مرسي أول رئيس لمصر يتسلم السلطة من خلال الانتخابات، لكن بعد مرور عام، وفي أعقاب مظاهرات واضطرابات حاشدة، تمت الإطاحة به من قبل الجيش ووضعه قيد الإقامة الجبرية. ثم تم إعادة حظر الجماعة في مصر وتم إعلانها كمنظمة إرهابية.
تعتمد حركة الإخوان المسلمين نظام البيعة في الإنتماء إليها , المقتبس من بيعة المسلمين للنبي محمد (ص) في المدينة الذي ينص على الآتي :
” أبايعك بعهد الله وميثاقه على أن أكون جندياً مخلصاً في جماعة الإخوان المسلمين، وعلى أن أسمع وأطيع في العسر واليسر والمنشط والمكره إلا في معصية الله، وعلى أثره على، وعلى ألا أنازع الأمر أهله، وعلى أن أبذل جهدي ومالي ودمي في سبيل الله ما استطعت إلى ذلك سبيلا، والله على ما أقول وكيل فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيماً”.
اعتنى الإخوان بالمرأة وحرصوا على إعطائها حريتها وحقوقها الكاملة التي تكفلها الإسلام، واهتموا بتهذيب أخلاقها والإستفادة من دورها في إصلاح المجتمع، فأسس حسن البنا قسم الأخوات المسلمات في 26 نيسان 1933م، وأولاه اهتماما بالغا وكانت لبيبة أحمد أول رئيسة لهذا القسم .
برزت حركات إسلامية أخرى فيما بعد , منها جبهة العمل الإسلامي في الأردن، وحزب التنمية والعدالة في تركيا، وحركة النهضة في تونس، وحركة مجتمع السلم في الجزائر. كما برزت تنظيمات وجماعات تكفيرية تنتهج العنف والإرهاب للإطاحة بنظم بلدانها الحاكمة لبناء “الدولة الإسلامية المنشودة” , أبرزها جماعة الهجرة والتكفير ,وتنظيم الجهاد،والجماعة الإسلامية في مصر, والجيش الإسلامي للإنقاذ , والجماعة الإسلامية المسلحة ,وتنظيم القاعدة أو قاعدة الجهاد وهو تنظيم سلفي جهادي متعدد الجنسيات، تأسس خلال الجهاد الأفغاني في الفترة بين آب عام 1988 وأواخر 1989 / أوائل 1990، يدعو إلى الجهاد الدولي. وقد إنتشر التنظيم في اليمن وأفغانستان و سوريا والصومال والعراق . هاجمت القاعدة أهدافًا عسكرية ومدنية في مختلف الدول خاصة التي تستهدف مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، أبرزها هجمات الحادي عشر من أيلول عام 2001، تبع هذه الهجمات قيام الحكومة الأمريكية بشن حربٍ عالمية على القاعدة . تشمل التقنيات التي تستخدمها القاعدة العمليات الإنتحارية والتفجيرات المتزامنة في أهداف مختلفة، والتي يقوم بها أحد أعضاء التنظيم الذين تعهّدوا بالولاء لأسامة بن لادن أو بعض الأفراد الذين خضعوا للتدريب في أحد المخيمات في أفغانستان أو السودان.
حل تنظيم ما يعرف بتنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” المعروف شعبيا بتنظيم داعش محل تنظيم القاعدة في العراق , حيث تمكن التنظيم من الإستيلاء على ثلث الأراضي العراقية عام 2014 , معلنا تأسيس دولة “الخلافة الإسلامية ” بزعامة خليفتها المدعو أبو بكر البغدادي , متخذا من مدينة الموصل عاصمة لخلافته . وقد كشف هذا التنظيم الإرهابي عن وجهه الكالح بإرتكابه أبشع الجرائم الإنسانية التي يندى لها الجبين . وما كان يتم القضاء عليه لولا تضافر الجهود الوطنية بفعل فتوى الجهاد الكفائي التي أعلنتها المرجعية الشيعية العليا في النجف وقوات التحالف الدولي.
كانت الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 أول ثورة ناجحة أدّت إلى حكم الإسلام السياسي والأصولية في المنطقة. بشر الخميني قائد الثورة بأن الثورة، وخاصة الاستشهاد، ضد الظلم والاستبداد جزء من الإسلام الشيعي، وأنّ المسلمين يجب أن يرفضوا تأثير الرأسمالية الليبرالية والشيوعية على حد سواء، والأفكار التي ألهمت شعار الثورة “لا شرقية ولا غربية – الجمهورية الإسلامية”. طوّر الخميني عقيدة ولاية الفقيه (وصاية الفقيه) كحكومة، أنّ المسلمين – في الواقع الجميع – يتطلبون “الوصاية”، في شكل حكم أو إشراف من قبل الفقيه الإسلامي القيادي أو الفقهاء. كانت هذه القاعدة في نهاية المطاف أكثر ضرورة حتى من الصلاة والصيام في الإسلام لأنها من شأنها أن تحمي الإسلام من الانحراف عن الشريعة الإسلامية التقليدية والقضاء على الفقر والظلم و نهب الأرض الإسلامية من قبل الأجانب غير المؤمنين. إنتشرت هذه الفكرة من حكم الفقهاء الإسلاميين من خلال كتابه الحكومة الإسلامية وولاية الفقيه، وخطب المساجد، وأشرطة الكاسيت المهربة التي تضمنت خطابات الخميني، بين شبكة طلاب الخميني المعارضة (طلاب الحوزات العلمية)، والطلاب السابقين (رجال الدين القدامى مثل مرتضى مطهري ومحمد بهشتي، محمد جواد باهنر، أكبر هاشمي رفسنجاني ومحمد مفتح)، ورجال الأعمال التقليديين (البازاريين) داخل إيران.
وبنجاح الثورة الإسلامية , إنتعشت آمال حركات أحزاب الإسلام السياسي وأصبحت أكثر طموحا لتولي زمام السلطة السياسية في أكثر من بلد عربي وإسلامي , وبخاصة في العراق بدعم وتشجيع من الحكومة الإيرانية , الأمر الذي أدى بنهاية المطاف إلى حرب ضروس بين العراق وإيران إمتدت أكثر من ثمان سنوات , كبدت البلدين خسائر بشرية ومادية كبيرة جدا.
وبالعودة لموضوعنا حول إشكالية حركات الإسلام السياسي والديمقراطية , نقول أن هذه الإشكالية متأصلة أساسا في جوهر مبادئ الدين الإسلامي القائمة على التشريع الآلهي الذي لا يجيز أبدا النقض أو التعديل تحت أي مبرر أو لأي ظرف كان , وطبيعة النظام الديمقراطي القائم على تشريعات من صنع البشر قابلة للنقض والإلغاء والتعديل بحسب ما تقرره غالبية الناس ممثلة بمجالس نواب منتخبة لمدد محددة بموجب أنظمة وقوانين معدة لهذا الغرض .والأمثلة هنا على ذلك كثيرة , يكفي أن نشير إلى البعض منها , قانون الأحوال الشخصية الذي يمنع تعدد الزوجات للشخص المسلم , ويساوي بين المرأة والرجل في الميراث وغيرها من قوانين أخرى تجيز ولاية غير المسلم التي تراها هذه الأحزاب حصرا بالمسلمين , وولاية المرأة التي تراها حصرا بالرجال , والعلاقات بين الجنسين خارج إطار الزوجية والعلاقات المثلية المحرمة شرعا بخلاف ما تراه الأنظمة الديمقراطية حقا من حقوق الإنسان .والقائمة تطول لا نرى ضرورة للخوض بتفصيلات أكثر.
والأهم من كل ذلك أن حركات الإسلام السياسي لا تؤمن أساسا بالنظام الديمقراطي , بل تعتمد نظام الشورى من الناحية النظرية في الأقل . ونظام الشورى يعتمد على الإستئناس برأي نخبة من قيادات هذه الحركات والموالين لها . ولا تعتمد هذه الأحزاب نظام التداول الديمقراطي للسلطة عبر صناديق الإقتراع , بل إنها تعتمد في أحسن الأحوال نظام البيعة لقياداتها عندما تقتضي الضرورة ذلك . وربما تعززت هذه القناعة لديها أكثر بعد إقصاء من فاز منها في الأنتخابات من زمام السلطة ,كما حصل في الجزائر بإقصاء الجبهة الإسلامية للإنقاذ الفائزة في الإنتخابات الجزائرية عام 1992 وإقصاء الرئيس محمود مرسي أمين عام حركة الإخوان المسلمين الفائز بمنصب رئيس الجمهورية المصرية عام 2012, وكذلك محاولات الحكومة التونسية الحالية ,إبعاد حركة النهضة التونسية ذات التوجهات الإسلامية من المشهد السياسي التونسي.
وللخلاص من هذه الإشكالية , نرى ضرورة إعتماد صيغة عمل عقلانية لتنظيم الحياة السياسية في البلدان العربية تقوم على أساس الثوابت الوطنية وفي مقدمتها إحترام الأديان وعدم ازدرائها أو المساس بأي منها أو مصادرة حرية عمل أحزابها السياسية بشرط عدم إعتماد هذه الأحزاب خطابات العنف أو الكراهية أو فرض معتقداتها على الآخرين وعدم المساس بالسلم الأهلي , والإيمان بالتداول السلمي للسلطة قولا وفعلا , ونبذ كل أشكال العنف والتكفير , وتجريم الأعمال الإرهابية . وفي المقابل قيام الأحزاب المدنية تجنب كل ما من شأنه إثارة الأحزاب الدينية في قضايا جانبية لا تخدم المواطن الحائر بتدبير معيشته , بل ينبغي التركيز على القضايا الوطنية الكبرى المتمثلة بصيانة كرامة الوطن وضمان حقوق الناس وحرياتهم , وتوفير فرص عمل لائقة بهم , وتقديم خدمات ورعاية صحية وتعليم لكل مواطن ,وبناء عراق حر ومزدهر ينعم شعبه بالآمان في إطار تنمية مستدامة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى