رأي

مسامير جحا في الاتفاق حول الملف النووي الإيراني‎

 

 

 

مسامير جحا في الاتفاق حول الملف النووي الإيراني‎

 

الياس فرحات

 عميد سابق في  الجيش اللبناني 

 

 

اخيراً وبعد نحو ثلاث عشرة سنة من المفاوضات المتقطعة، تسارعت في آخرها في اثنين وعشرين شهرا من المفاوضات شبه المستمرة، توصلت ايران ومجموعة 5+1، الى اتفاق حول الملف النووي الايراني هو الاول من نوعه في التاريخ.

بشكل عام تعتبر معاهدة عدم انتشار الاسلحة النووية والبيولوجية والكيميائية المرجعية الدولية الرسمية للنشاطات النووية السلمية والوكالة الدولية للطاقة النووية الجهاز الذي يضبط حسن التنفيذ وعدم مخالفة اعضاء المعاهدة لاحكامها وضمان عدم بناء احدى الدول سلاحا نوويا. وقد حرص الاتفاق الاخير على التأكيد انه لا يشكل وثيقة اضافية على القانون الدولي ولا على المعاهدة، وانه لا ينطبق على دول اخرى، بل انه ينحصر بين ايران ومجموعة 5+1.

يتألف الاتفاق من بيان مشترك وخطة عمل مشتركة شاملة وخمسة ملاحق.

ورغم دقة الاتفاق واختيار عبارات غير ملتبسة وغياب افخاخ لفظية من نوع “اراض محتلة” بدلا من “الاراضي المحتلة” في قرار مجلس الامن رقم 242 عام 1967، الا ان روح النص تشي انه لا يمكن تنفيذه من دون نيات حسنة يظهرها كلا الجانبين. لقد خصصت فقرة لآلية حل الخلافات مؤلفة من المادتين 36 و37 في الصفحة 17 تشرح بالتفصيل الكامل السلوك المتبع عند حصول خلاف وشكوى احد الجانبين، ودور دول خطة العمل المشتركة الشاملة في حل الخلاف، والمهل الزمنية، والتمديدات، ودرجة تمثيل الدول، وآلية احالة الخلاف الى مجلس الامن، والمهل اللازمة للبت بها، وتنتهي هذه الفقرة بالعودة الى التصويت في مجلس الامن على قرار يحسم الخلاف. رغم ذلك نطرح سؤالا كبيرا، ماذا يحصل عند اختلاف الدول الاعضاء الدائمين في مجلس الامن وممارسة احداها حق الفيتو؟ انه كابوس تعمد الفريقان عدم الاشارة اليه في الوقت الراهن.

اسئلة اخرى تطرح حول ما ورد في بعض مواد الاتفاق ويسهل الخلاف حوله، وربما يتفاقم هذا الخلاف ويتحول الى مسامير جحا في النص تدخل منها الدول الكبرى الى ايران عبر مجموعة خطة العمل المشتركة الشاملة او الوكالة الدولية للطاقة النووية. في ما يلي نذكر بعضا من هذه الاختلافات:

– في الصفحة 3 نصت الفقرة 9 على تشكيل لجنة من اعضاء خطة العمل المشتركة الشاملة اي 5+1 مع ايران والاتحاد الاوروبي، تعمل لتطبيق الخطة ومعالجة المشكلات الناجمة عن التنفيذ وفقا لملاحق الاتفاق. يتضح ان هذه اللجنة هي لجنة اشراف فيما حددت الفقرة 10 تكليف الوكالة الدولية للطاقة النووية القيام بالاجراءات النووية والتحقق منها ورفع النتائج الى “هيئة الحكام” في الوكالة، ومن ثم احالتها الى مجلس الامن. اذا كان لايران دور ندي في مجموعة خطة العمل المشتركة الشاملة، فإن دورها ينحسر في الوكالة الدولية لمصلحة حليفيها روسيا والصين وباقي اعضاء مجلس الحكام، اي بمعنى آخر لا سبيل امام ايران سوى اتباع آلية العمل الدولية القائمة والتي تسيطر عليها الولايات المتحدة وتلجمها جزئيا روسيا والصين. وهنا نسأل ما هي ضمانة انحياز روسيا والصين الى ايران عند حصول اي خلاف تقني في الوكالة واحالته الى مجلس الامن؟ ام ان الهيمنة الاميركية على عمل الوكالة تبقى مستمرة، مع العلم اننا سمعنا سابقا انتقادات للوكالة ولم تكن علاقة مديرالوكالة يوكيا امانو مع ايران ودية ما دفعه الى زيارة ايران قبيل التوصل الى الاتفاق؟

– في الفقرة ب 8 الصفحة 7 و8 ، تعيد ايران هندسة وبناء مفاعل المياه الثقيلة في اراك بالاستناد الى تصميم يعمل على وقود نووي مخصب بنسبة 3.67% وفقا لشراكة دولية تحدد التصميم النهائي للمفاعل (مبدئيا سيعمل هذا المفاعل للابحاث العلمية والطبية). يعني ان هناك شراكة دولية مشروطة لبناء هذا لمفاعل، لكنها لم تحدد بعد، وقد يحصل خلاف حول الدول التي تريد الدخول هذه الشراكة ويؤدي الى اعاقة التقدم في مفاعل اراك ويؤثر على تنفيذ خطة العمل المشتركة الشاملة اي الاتفاق بكامله.

– حددت الفقرة ج 14 ي الصفحة 8 و9 انه على ايران ان تطبق “خريطة الطريق لتوضيح القضايا العالقة في الحاضر والماضي” بالاتفاق مع الوكالة الدولية. هل يفتح ذلك تحقيقا حول النشاطات الماضية ودور باكستان وكوريا الشمالية في المساعدات المزعومة لايران؟ وما هي تأثيرات نبش الماضي النووي وهل تؤثر على سير العمل بالاتفاق؟ اما القضايا المحددة فهي موضوع تقرير الوكالة الى مجلس الحكام في 8 تشرين الثاني 2011! وهنا تعطى لايران مهلة قصيرة لغاية 15 تشرين الأول 2015 من اجل تنفيذ خريطة الطريق هذه، ومهلة لمجلس حكام الوكالة حتى 15 كانون الأول 2015 لاتخاذ قرار نهائي حول القضايا العالقة في الماضي والحاضر. للتسهيل، تنص المادة مع “وجهة نظر باغلاق هذه القضايا من دون المس باختصاص مجلس الحكام”. اي ان الاتفاق يوجه حكام الوكالة باغلاق القضايا العالقة. ماذا لو تمنع حكام الوكالة لسبب ما عن اغلاق الملف؟ وحدها النيات الحسنة تخرج هذه المادة من التنازع الشديد الذي لو حصل فانه يطيح بالاتفاق.

– حول رفع العقوبات، تنص الفقرة 25 في الصفحة 13على الآتي: “إذا كان هناك قانون على مستوى الدولة أو المستوى المحلي في الولايات المتحدة يمنع تنفيذ رفع العقوبات على النحو المحدد في خطة العمل المشتركة الشاملة، على الدولة والسلطات المحلية أن تتخذ الخطوات المناسبة، مع الأخذ في الاعتبار جميع الصلاحيات المتاحة، بغية تحقيق هذا التنفيذ. ستقوم الولايات المتحدة بجهود تشجيع المسؤولين على مستوى الدولة أوالمستويات المحلـية لأن تأخذ في الاعتبارالتغيرات الحاصلة في السياسة الأميركية لتنعكس في رفع العقوبات، والامتناع عن القيام بأعمال تتعارض مع هذا التغيير في السياسة”.

لنتخيل ماذا سيفعل اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة من اجل عرقلة تنفيذ رفع العقوبات الاميركية على ايران وخصوصا تلك التي تقع ضمن نفوذه في الكونغرس أو ان يقوم بعض حكام الولايات وفقا لصلاحياتهم باعمال من شأنها استمرار العقوبات، وصدور رد فعل ايراني على ذلك، ومصير الاتفاق بعد اي اخلال اميركي في التنفيذ. مجددا وحدها النيات الحسنة تضمن تنفيذ الاتفاق.

في المجال نفسه تنص المادة 29 على وجوب مراعاة القوانين الوطنية عند تنفيذ بنود خطة العمل المشتركة الشاملة التي تم الاتفاق عليها، لكنها لا تنص على السلوك المتبع في حال تنازع رفع عقوبة ما، مع اي قانون او حكم قضائي في اي ولاية اميركية او دولة اوروبية، الامر الذي يعرض الاتفاق لخطر الانهيار.

– يحدد الاتفاق في بند خطة التنفيذ المادة 34 في الصفحة 16 ان اليوم التسعين الذي يلي موافقة مجلس الامن على الاتفاق يعتبر “يوم تبني القرار” وعلى اساسه تنفذ دول مجموعة خطة العمل المشتركة الشاملة التزاماتها في حين انها تحدد 15 تشرين الأول تاريخا لايران كي تنفذ التزامها بخريطة الطريق المذكورة آنفا و15 كانون الأول 2015 لمجلس حكام الوكالة. ماذا اذا حصل تضارب في الموعدين خصوصا ان يوم تبني القرار يكاد يسبق او يلي يوم 15 تشرين الأول؟ اي اذا اعتبرت المجموعة ان ايران لم تنفذ التزاماتها بخريطة الطريق بالنسبة للقضايا العالقة في الماضي في الموعد المحدد فإن الاتفاق معرض للانهيار. يعيدنا ذلك مجددا الى النيات الحسنة.

اذا كانت النقاط المذكورة انفا مسامير جحا لدخول الغرب الى البيت الايراني وتقويض الاتفاق، وهذا ما يرجح ان الايرانيين يدركونه، فإن النيات الحسنة هي الكفيلة بتطبيقه، لكن هل هذه النيات مرتبطة بالتزام ودي اخلاقي؟ ام انها مرتبطة بالقضايا السياسية والاقليمية التي يتنازع فريقا الاتفاق حولها باشكال مختلفة تصل في بعض الاحيان الى حرب بالوكالة؟ هذا ما سوف تشهده الفترة اللاحقة وخصوصا عند اول استحقاق في 15 تشرين الأول 2015 وفي اول تقرير من وكالة الدولية للطاقة النووية حول القضايا العالقة في الحاضر والماضي، وهل ستغلق ام يجري البحث فيها ويؤجل تنفيذ الاتفاق لحين بتها؟

اخيرا يصعب على اي كان ان يتصور ان هذا الاتفاق قد تم من دون تفاهم على قضايا سياسية واقليمية تتماشى وتتناغم زمنيا مع تنفيذه