رأي

أبواق الفتنة في الجزائر؟

 

أبواق الفتنة في الجزائر؟

 

عليلي عبد السلام  أكاديمي وباحث من الجزائر 

 

 

 

النخبة الإعلامية والدينية والسياسية في الجزائر مرت بحزمة من الامتحانات خلال الأيام الماضية، أثبتت في معظمها فشلا ذريعا، لأن تعاملها لم يميز بين اجتهادات المرفهين والمخدوعين، وطبيعة المرحلة المحاطة بسلسلة من التوترات . 

من حق كل شخص أن يقدم ما لديه من أفكار يرى أنها نافعة للجزائر، لكن ليس من حقه أن يتعمد إثارة البلبلة، أو الطرق على أبواب تثير الانقسام، أو فتح جروح يعرف جيدا أنها سوف تؤدى إلى توسيع نطاق الخلاف، بمعنى أن اختيار التوقيت مسألة أساسية عندما تكون الأمة في مواجهة ما يشبه الطوفان، قد تعرف بداياته لكن لا تستطيع معرفة نهاياته، في هذه اللحظة من المفترض أن يتم العمل على نقاط الاتفاق ونبذ مناطق الخلاف . 

الأيام الماضية حملت لنا الأنباء مجموعة من الأحداث في غرداية، أقل ما يقال أنها قد تكون مدخلا جيدا للفتنة، يستفيد منها بعض المتربصين والمغرضين، الذين وجدوا فيها كنزا ثمينا لإعادة إحياء قناعات كادت تندثر . 

الطريقة التي أعلن بها أصحاب دعوة ما يسمى الفتنة الطائفية مابين الإباضيين و المالكية، أكدت أنهم يفتقرون للقراءة الواعية، لأنهم وفروا الحجة للدعوة إلى مظاهرة الإقتتال للمبالغة، وعندما يدخل الطرفان هذا السباق توضع الدولة في امتحان بالغ الحساسية هي في غنى عنه، وربما ترجح كفة الفريق الأول نوعيا، لكن من المتوقع أن يربح الفريق الثاني عدديا. في هذه الحالة تحسب الخسارة على التيار المدني برمته، ويبدو التيار الديني كفائز في معركة ليس وقتها ولا زمانها، ومع افتراض حسن النوايا الثقافية للفريق الأول، سوف يكون قد تسبب في ضربة سياسية، تعيد هامش من الاعتبار لأنصار الفريق الثاني، الذي بدأ قطاع فيه يعترف بتعرضه لعملية متقنة من الخداع.

هؤلاء الذين ينتمى غالبيتهم إلى طبقة البسطاء كانوا قد خضعوا لعملية غسل مخ منظمة من قبل أبواق الفتنة أمثال ” كمال الدين فخار ” و أنصاره.

الضجة التي أثارتها أحداث غرداية نوع آخر من التزييف الخطير الذي تتعامل به النخبة مع الموضوعات المهمة، وبصرف النظر على صواب أو فشل الفكرة أو التحليل، فالطريقة التي نظر بها كثيرون للقضية، رسخت عملية الانقسام، فالمؤيدون والرافضون لأحداث غرداية، وهذا حقهم، بنوا مواقفهم من منطلق أيديولوجي فقط، ومدى حبهم أو كرههم للجزائر، لا مدى صحة أو خطأ المضمون الذي طرح، لذلك خرج الموضوع من إطاره الفكري الإيجابي، إلى إطار سياسي فضفاض يحمل الكثير من العلامات المرضية التي بدأت تنخر في جسد النخبة الجزائرية، وأسوأها تغليب الأيديولوجي على غيره، حتى ولو كان يمس بعض الثوابت الوطنية . 

تلك النظرة تعد واحدة من الكوارث التي انتشرت في الجزائر، وأدخلت البلاد دوامة لم تتوقف عجلاتها عن الدوران في حقل مليء بالأشواك، كلما ظهرت في الأفق ملامح لنزعها وإبعاد عناصر الفتنة، قامت بعض القوى المحسوبة على النخبة بتوفير المناخ المناسب لها، حتى نظل أسرى للارتباك وعدم الاستقرار في الجزائر، وعندما لاحت في الأفق معالم للتفاهم حول التعديل الدستوري الأخير، تعمد البعض إدخال الحوار في دروب ودهاليز بعيدة أصلا عن الهدف الذي بدأ من أجله، وبدلا من أن تكون المناقشات مقدمة للتوافق أصبحت وسيلة للتباعد والتنافر والانقسام.

وكأن البعض وجد فيه حلا سحريا للبقاء أمام الأضواء، ومحاولة السيطرة على عقل الجزائر، حتى ولو كان بمزيد من الانقسام. فهناك فئة متطفلة تتصور أن انخراط المؤسسات الرسمية في هموم داخلية وخارجية عاجلة، منحها صك وضع جدول الأعمال وفرضه على صناع القرار.. هي التي تحدد برنامج وخريطة التفاعل السياسي، وربما تسمية الأعداء والأصدقاء . 

في تقديري أن التمادي في فساد النخبة بالجزائر، يمكن أن تكون له تداعيات وخيمة على الدولة، أخطرها اللعب على أوتار الفتنة وزرع بذور القلق في جميع المجالات، لأن دور الدولة الحقيقي في ضبط الموازين المختلفة لا يزال غائبا، وهو ما شجع على انتشار ظاهرة الجرأة المتناهية في التطاول على بعض القضايا الإستراتيجية، التي تمس صميم الأمن العام . 

كلها من ملامح مرحلة بدت فيها بعض الهيئات الرسمية والشعبية في الجزائر، كأنها تخلت طواعية عن جانب كبير من دورها، وقبلت عن طيب خاطر أن يقوم آخرون به نيابة عنها، حتى لو كانت رافضة، فمجرد الصمت يعنى القبول بالأمر الواقع، وهو ما أعطى بعض الخبثاء فرصة لملء الفراغ، والترويج على أنهم ناطقون باسمها، وقد وجد الزيف والتحايل أصداء واسعة عند كثير من المواطنين.

عليلي عبد السلام

Abdesselam16@yahoo.fr