رأي

دولة على مقاس الصغار

 

 

الهجمة الشرسة التى شنتها الميليشيات الإعلامية والسياسية الموالية للسلطة بهدف كسر نقابة الصحفيين لمجرد أنها اختارت الحفاظ على هيبة الدولة الحقيقية ممثلة فى قانونها ودستورها، دليل جديد على أننا أمام تيار فى السلطة يريد مصر دولة على مقاس الصغار فى كل المجالات، فلا يريد فيها نقابات قوية قادرة على ممارسة دورها، ولا إعلاما حرا يضيف إلى قوة مصر الناعمة ولا يخصم منها كما يتصور هؤلاء الجهلة أو السكارى بخمر الاقتراب من السلطة، ولا يريد شبابا يستطيع أن يقول لا إذا رأى رأيا غير رأى السلطة.

وهذه الميليشيات نفسها تدهس هيبة مؤسسات الدولة التى تدعى الدفاع عنها وتضع هذه المؤسسات فى موقف لا تحسد عليها عندما نراها شبه عاجزة عن التعامل مع تجاوزات هذه الميليشيات فى حقها لا لشىء إلا لأن هذه التجاوزات تأتى فى إطار محاولات كسر وتشويه أصحاب الصوت المستقل فى أى مكان.

فقد رأينا كيف انتهكت هذه الميليشيات قرار حظر النشر فى قضية «اقتحام نقابة الصحفيين» فاستضافت فى برامجها التليفزيونية فردى الأمن الإدارى للنقابة واستجوبتهما على الهواء مباشرة، ولم نسمع عن استدعاء أفراد هذه الميليشيات للتحقيق بتهمة اختراق حظر النشر كما حدث مع الزملاء فى صحيفة الوفد الذين نشروا خبر دعوى قضائية تطالب بإلغاء قرار حظر النشر فى القضية.

ورأينا كيف داست هذه الميليشيات قانون التظاهر بالحذاء أمام نقابة الصحفيين وتحت حماية الأمن لأنها تسب دعاة استقلال الصحافة وحماة حرمة النقابة. ونرى كل يوم انتهاك هؤلاء لأنهم صغار يريدون مصر دولة صغيرة «ليست رائدة ولا تسعى لكى تكون رائدة» على حد قول السيد وزير الخارجية سامح شكرى أمام لجنة العلاقات الخارجية فى مجلس النواب. والنقابات الحرة ومنظمات المجتمع المدنى المستقلة والحركات الشبابية الساعية إلى التغيير والتعبير عن الرفض والاحتجاج بالوسائل السلمية جزء أصيل من هيبة الدولة الحقيقية ومن كيان مصر الكبيرة التى لا تريدها هذه الميليشيات كبيرة حتى تصبح على «مقاس الصغار».

هؤلاء الذين يريدون مصر صغيرة هم الذين هندسوا الانتخابات النيابية لكى تأتى ببرلمان منزوع المعارضة يهدد الحكومة بشكايتها إلى الرئيس، وهم الذين أعلنوا الحرب على نقابة الأطباء لمجرد المطالبة بحق المصريين فى الرعاية الصحية المناسبة وحق الأطباء فى صون كرامتهم وسلامتهم الشخصية داخل مستشفيات الدولة، وهم الذين أعلنوا الحرب على نقابة الصحفيين لأنها تمسكت بضرورة احترام القانون والدستور ولأنها تطالب بحق الشعب فى إعلام حر ومستقل، وهم الذين يقولون إن إثيوبيا «هاتبنى السد يعنى هاتبنى السد» وكأن مصر واحدة من جمهوريات الموز التى لا يقيم لها الآخرون وزنا.

محاولة شيطنة النقابات والإعلاميين الرافضين للسير فى ركاب السلطة والنشطاء الذين كانوا فى طليعة الصفوف ضد حكم الإخوان وضد حكم مبارك وتحويل محمد البرادعى صاحب نوبل للسلام ونائب رئيس الجمهورية إلى «خاين عميل» ومرشح الرئاسة السابق القيادى فى جبهة الإنقاذ التى تصدت لحكم الإخوان حمدين صباحى إلى «فاشل باحث عن دور» وغيرهما كثيرون من القامات الوطنية هى جزء من خطة إخلاء مصر من الكبار حتى تصبح دولة على مقاس الصغار.