أحوال عربية

إسرائيل تتدخل لصالح السعودية في سورية

 

 من وجهة نظر عسكرية و إستراتيجية  يمكن يصنف تورط حزب الله الشيعي اللبناني في الحرب السورية كمكسب لإسرائيل، فحزب الله الذي  يفقد يوميا قتلة وجرحى في حرب سوريا  مشغول عن جبهة المواجهة مع  إسرائيل، إلا أن التدخل الإسرائيلي   ضد حزب الله في سوريا   وعمليته الأخيرة   ضد قيادي الحزب   مصطفى بدر الدين   يعني  أن إسرائيل  تحارب في  صف المعارضة السورية وفي صف السعودية  وقطر والإمارات .    

 

بعد أن خسر نحو 51 قيادياً من الصف الأول منذ تدخله في الحرب السورية   آخر قتلى حزب الله  هؤلاء قائد الذراع العسكرية ومستشار الأمين العام السيد حسن نصر الله وأحد المتهمين في تنفيذ جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، مصطفى بدر الدين، أو السيد ذو الفقار، كما يلقب. ضربة بدر الدين تعتبر الأقوى منذ مرحلة التدخل في سوريا، خصوصاً أنه القائد الأبرز الذي خسره الحزب بعد عماد مغنية في العام 2008، ويُعتبر الرجل الثاني في الحزب اليوم. ولد بدر الدين الذي حمل ألقاباً عدة كالياس فؤاد صعب، وسامي عيسى، وصافي بدر، إضافةً إلى لقبه العسكري ذو الفقار، في عام 1961 في الغبيري، وكان حتى عام 1982، برفقة ابن قريبه ونسيبه مغنية في صفوف قوات 17، وهي جزء من “حركة فتح” في بيروت، لينشق لاحقاً وينضم إلى “حزب الله” بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان (1982)، ويبدأ نشاطه العسكري الذي لم ينحصر بحدود الوطن. اعتُقل بدر الدين في الكويت في 13 كانون الأول عام 1983، بعد 7 تفجيرات وقعت، وكان يحمل إسم الياس فؤاد صعب عقب محاولته مع آخرين تفجير السفارتين الأميركية والفرنسية والمطار في الكويت، وحُكم عليه بالإعدام. وقد قام عماد مغنية، المرتبط بع بعلاقة مصاهرة، في أعقاب ذلك بمحاولات مضنية للإفراج عنه ومن بينها قيامه بخطف طائرة كويتية في نهايات العام. لم تنجح هذه المحاولات في فك أسر بدر الدين حتى احتل الرئيس العراقي السابق صدام حسين الكويت في عام 1990 فتمكن من الهرب باتجاه إيران واختفى هناك لفترة حتى عاد أخيراً إلى لبنان. يصف كثيرون من قادة الحزب بدر الدين بالقيادي الأبرز منذ التأسيس، في السنوات الأربع الأخيرة، وتحديدا منذ لحظة انخراط «حزب الله» في المعركة التي تجري على أرض سوريا، كان مصطفى بدر الدين، أعلى قائد عسكري للمقاومة في سوريا. يتواصل مع الايرانيين والروس وأركان النظام السوري. يعرف الأرض ليس من خلال الخرائط بل المعاينة المباشرة التي جعلته على تماس مع الخطر في حلب وحمص والقنيطرة والقلمون والغوطة وتدمر وغيرها من النواحي السورية.

حتى أن الشهيد بدر الدين، كان يمضي معظم وقته في سوريا، ولا يزور الضاحية الجنوبية الا في معرض تفقد أسرته أو أداء واجب اجتماعي سريع.

ولأن هذا بعض سيرته فقط، كان الرجل قيد الرصد والمتابعة من أجهزة كثيرة، لكنه هو نفسه، كان يردد أن البيئات السورية مختلفة عن البيئات اللبنانية سياسيا وديموغرافيا وجغرافيا. لقد استهدف عماد مغنية في عز القبضة الأمنية السورية (2008) وسقط قياديون آخرون اغتيالا مثل سمير القنطار وجهاد مغنية، ومثلهم في مواجهات مباشرة مثل أبو محمد الاقليم وأبو علاء البوسنة وأبو عيسى، وذلك في عز الأزمة السورية المشرعة على اختراقات من كل حدب وصوب. من الجو والبر والبحر. من الاتصالات والشبكات الأمنية على الأرض والرصد الجوي الدائم، فضلا عن الرصد والمتابعة من مجموعات التكفيريين.

فقد انخرط في العمل العسكري ضد إسرائيل في بداية التسعينات وخطط لعمليات كثيرة واغتال عدداً من العملاء، وعُرف عنه أنه كان مدرباً محترفاً يتميز بالانضباط ومن العقول العسكرية الخلاقة لدى الحزب في مسألة التكتيك العسكري، إذ كان من العناصر الذين تلقوا دروساً في التكتيك العسكري من ضباط أوكرانيين استقدمهم الحرس الثوري الإيراني ليدرّبوا كوادر الحزب، وانطلاقاً من الخبرات المتراكمة كان له ولمغنية الدور الأكبر في تحرير جنوب لبنان عام 2000. شغل بدر الدين خلال مسيرته العسكرية مناصب عدة داخل الحزب، فهو كان عضواً في مجلس الشورى، والمجلس العسكري، وألف مع مغنية الوحدة 1800، التي كان هدفها في تسعينات القرن الماضي مساعدة “حركة حماس” وأطراف فلسطينية أخرى في مواجهة إسرائيل. قدراته العسكرية أهلته ليشغل المنصب العسكري الأعلى في الحزب قبل مغنية بسنوات، ثم ما لبث أن نُزع منه بعد انتهاء حرب عام 1996 بين الحزب واسرائيل لأسباب تتعلق بطريقة العمل العسكري في تلك المرحلة، ثم ما لبث أن أصبح رئيساً للوحدة 1800، ونقل تجربته إلى العراق في العام 2003 لتأليف الوحدة 3800 التي أخذت على عاتقها تأسيس رديف لـ”حزب الله” في العراق، ليصبح بعد إغتيال مغنية عام 2008 القائد العسكري الأبرز ومستشار نصرالله للشؤون العسكرية وقائد العمليات العسكرية للحزب في سوريا. بعد اغتيال الحريري اتهمت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان بدر الدين بأنه كان يدير هذه العملية من أماكن مختلفة، من جونية وفقرا، وأنه امتلك 13 هاتفاً خليوياً، من مراقبة الحريري اللصيقة، وشراء شاحنة الميتسوبيشي التي حملت بالمتفجرات إلى فبركة شريط أبو عدس. ويرتبط بدر الدين بعلاقات وطيدة مع كبار قادة الحرس الثوري الإيراني، وله دور بارز في عملية اتخاذ القرارات في الحزب على المستويات كلها وخصوصاً في ما يتعلق بالعمليات العسكرية خارج لبنان. فقد كان مسؤولاً حتى مصرعه عن الوحدة 910، وهي وحدة العمليات الخارجية، المُكلفة بالرد على إسرائيل خارج الحدود، وقد تم اتهامه بالمسؤولية عن تنفيذ العملية ضد حافلة السياح الإسرائيليين في مدينة بورغاس البلغارية في تموز/ يوليو 2012 والتي أودت بحياة 6 أشخاص. وأُدرج على لائحة الإرهابيين العالميين بموجب الأمر التنفيذي الأميركي رقم 13224 منذ 13 أيلول/ سبتمبر عام 2012. بخسارة بدر الدين يفقد الحزب عموداً أساسياً على الصعيد العسكري، خصوصاً مع إسرائيل التي انفقت أموالاً طائلة منذ التسعينيات لتحديد هوية من تلقبه بالشبح لأنه لا توجد بيانات رسمية في لبنان تفيد بأي معلومات عنه. وكانت الحرب السورية هي الفخ الذي أودى بحياته وكانت إسرائيل أول المرحبين بمقتله مع 

 

بهذا المعنى، تصبح ظروف التمويه والتخفي التي يتقنها «حزب الله» في لبنان كله، من دون استثناء، مختلفة عنها في سوريا الشاسعة جغرافيا والمفتوحة على خروقات أمنية موجودة في العديد من «المفاصل» في ضوء الكثير من الوقائع والتجارب، خصوصا في السنوات العشر الأخيرة.

هذه المعطيات الأمنية، وقبلها سلسلة من الخروق، لم تمنع «حزب الله» من دفع قيادييه المصنفين من «الصف الأول»، للتواجد في «الخط الأول»، وهذا الأمر يتم بقرار واع وليس نتيجة انفعالات. حزب يستشهد أمينه العام (السيد عباس الموسوي) وقائده العسكري (الحاج عماد مغنية) صار بفعل التراكم والخبرات، حزبا ولاّدة للقيادات والكوادر. سقط مصطفى بدر الدين، ليل أمس الأول، ولم تمض ساعات حتى كان الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله يوقع قرار تعيين مسؤول يتولى قيادة معركة الحزب على أرض سوريا.

برغم ذلك كله، لا يمكن تجاهل أن ما حصل يشكل ضربة معنوية، سياسيا وأمنيا، خصوصا في ظل الرمزية التي يمثلها قادة مثل مصطفى بدر الدين، في هكذا حالات حزبية باتت «عملة نادرة»، ليس في لبنان، انما في الكثير من الحركات الفدائية والحزبية في المنطقة والعالم.

لم يكن قد مضى على وصول موكب «ذو الفقار» إلا وقت قليل إلى مقر أو منزل حزبي يقع في الغوطة، وتحديدا في منطقة قريبة من مطار دمشق، تضم مخازن أسلحة وذخيرة تابعة للجيش السوري. بين التاسعة والنصف والعاشرة مساء، يسمع دوي انفجار كبير ومفاجئ، ليتبين أن مصطفى بدر الدين قد سقط شهيدا وجرح اثنان أو ثلاثة من حراس المقر وحراسته الشخصية (إصاباتهم طفيفة).

عمليا، تفصل بين هذا المقر وبين بعض نقاط المجموعات الإرهابية التكفيرية بضعة كيلومترات قليلة. المنطقة مكشوفة أيضا أمام حركة الطيران. ووفق إفادات شهود عيان، لطالما تعرضت هذه النقطة في أوقات سابقة لقصف مدفعي مصدره مواقع المجموعات التكفيرية.

تم نقل جثمان الشهيد مصطفى بدر الدين الى احد مستشفيات العاصمة السورية، وبعد معاينته، تبين أنه قد اصيب بشظايا غير قاتلة في بعض أنحاء جسمه الذي لم يشوه أبدا، وأظهر تقرير طبي أن الوفاة ربما تكون ناجمة عن عصف الانفجار القوي. ومن دمشق، نقل الجثمان الى مستشفى الرسول الأعظم في بيروت قبيل ساعات الفجر الأولى، حيث كان في انتظاره أفراد عائلته وبعض القيادات الحزبية. في الوقت نفسه، توجه عدد من ضباط المقاومة، وهم جميعهم من خبراء المتفجرات، الى سوريا، وباشروا تحقيقا ميدانيا أنجز مساء أمس، ورفعوا في ضوئه تقريرهم الى قيادة «حزب الله»، «وعندها سنبني على الأمر مقتضاه»، كما أعلن نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم خلال مراسم تشييع الشهيد بدر الدين من الغبيري مسقط رأسه الى روضة الشهيدين حيث ووري في الثرى في ضريح ملاصق لضريح الشهيد عماد مغنية. وقال قاسم: «تلمسنا خطوات واضحة تؤشر إلى الجهة وإلى الأسلوب لكننا نحتاج إلى بعض الاستكمال لنتيقن مئة بالمئة وإن شاء الله تعالى سنعلن هذا الأمر على الملأ».

من هنا، سيحاول التحقيق الذي ستعلن نتائجه صباح اليوم، على الأرجح، الاجابة على أسئلة كثيرة بينها الآتي:

 يفترض بالتحقيق أن يقدم صورة أولية عن الجهة المسؤولة عن التفجير، خصوصا أن بيان «حزب الله» الثاني، صباح أمس، كان دقيقا جدا باعلانه أن المعلومات المستقاة من التحقيق الأولي، «تفيد أن انفجاراً كبيراً استهدف أحد مراكزنا بالقرب من مطار دمشق الدولي، ما أدى إلى استشهاد (السيد ذو الفقار) وإصابة آخرين بجراح».

واللافت للانتباه في هذا السياق أمران اثنان، أولهما مبادرة الأميركيين الى تبرئة أنفسهم من العملية، باعلان متحدث رسمي باسم البيت الأبيض للصحافيين أنه «لم تكن هناك طائرات أميركية أو تابعة للتحالف في المنطقة التي قيل إنه (بدر الدين) قتل فيها»، وهذه من المرات النادرة التي يبادر فيها الأميركيون الى التنصل سريعا من دماء رجل موجود اسمه في اللوائح الأميركية السوداء، خصوصا وأنه من المتهمين باستهداف مقر «المارينز» في بيروت في العام 1983.

أما الأمر الثاني، فيتمثل بتصرف الاسرائيليين، سياسيا وعسكريا وأمنيا، بنوع من الاسترخاء، بدليل عدم تبديل قواعد عمل دورياتهم ومواقعهم على طول الحدود الشمالية مع لبنان، وهذا الأمر تقاطع مع تحليلات لعدد من المحللين العسكريين والسياسيين الاسرائيليين، يشتم منها أن هذا الاسترخاء ناجم عن قناعة اسرائيلية بأن «حزب الله» يدرك ضمنا أن اسرائيل ليست هي من نفذ العملية، والا لكان تصرفها سيكون مختلفا، من دون أن تخفي «سعادتها» بشطب بدر الدين من لائحة من تضعهم على قوائم الاستهداف منذ ربع قرن من الزمن.

وبطبيعة الحال، لو كان «حزب الله» متيقنا من أن الاسرائيليين هم من نفذوا العملية، لكان بادر الى اعلان موقف كبير جدا، في ضوء «قواعد الاشتباك» التي أرستها اغتيالات واستهدافات مشابهة أو من نوع آخر على الأرض السورية في السنوات الأخيرة.