تحقيقات

أوجه الشبه والإختلاف بين الحرب الأهلية الجزائرية وحرب سورية

 

 

 

 

 

 

هناك من كتبَ في صحيفته الإلكترونية من لندن يُشَبِّه الحالة في الجزائر في التسعينيات بالحالة السورية اليوم ، وإمكانية تطبيق الخِيار العسكري الجزائري يومها ، في سورية اليوم !!. (ومِن ثَمّ هناك من اقتبسوا فكرتهُ وروّجوها على أساس أنها فكرتهم هُم )!!.

*لا مجالَ إطلاقا للمقارنة بين الحالة الجزائرية في التسعينيات ، والحالة السورية اليوم ، ولذا لا يمكن المراهنة على ذات الخيار !!. ولكن يُمكن المقارنة بين مظاهر الفساد والإفساد والشمولية والروتين والبيرقراطية وغياب المؤسسات والقانون وشريعة القوي ، ودور المؤسسة العسكرية والأمنية في البلدين ، واحتكار السلطة والثروة ووووو في الحالتين !!.

*الحالة الجزائرية التي سادت في التسعينيات تشبِهُ إلى حدٍّ كبير الحالة التي سادت في سورية في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات !!. فقد كانت هناك في الجزائر جماعة إسلامية حزبية تخوض صراعا مع النظام من أجل السُلطة ، وجابهها الجنرالات بكل قوّة ، ولكن بقي الصراع محدودا بين تلك الجهة وبين النظام ، ولم تتفرّع عن ذاك الصراع تدخلات إقليمية ودولية لصالح هذا الجانب أو ذاك الجانب !!. ولم يكُن هناك حِراكا شعبيا ، ولا أبعادا دينية ومذهبية لذاك الصراع فبقي محدودا وكانت السيطرة عليه عسكريا ممكنة ، وقد استخدمَ الرئيس اليمين زروال القبضة الحديدية في ضرب تلك الجماعة لأنها كانت معزولة !!.

*الحالة في سورية اليوم مختلفة كلية عن الحالة الجزائرية في التسعينيات!! فهناك في سورية قِوى وجماعات وأحزاب متعددة ، وإن يكن الإسلاميون هم من يسيطرون على كل المشهد ، وهناك إنقسام عمودي في المجتمع السوري بين هذا الجانب أو ذاك (لم أراهُ في الجزائر حيثُ كنتُ أعملُ في السفارة السورية في عزِّ الأزمة)،، وهناك حواضن واسعة على امتداد الساحة السورية لتلك الجماعات الإسلامية ،، وهناك أبعادٌ طائفية ودينية لهذا الصراع ، محليا وإقليميا ،، وهناك انخراط مُباشَر لدول إقليمية كبيرة ومهمة، في الصراع السوري ، واتّخذتْ من الساحة السورية ميدانا لتصفية حساباتها ، وهناك تنظيمات إرهابية استقطبتها الحالة السورية من كافة بقاع الأرض !!

وهناك انخراط دولي مُباشر من أكبر القوى الدولية لدرجةٍ أخرجتْ الأزمة من أيدي السوريين جميعا ، وباتت موسكو وواشنطن هما من يُقرّر ويعطي الأوامر والإملاءات ، كلٍّ لأحد أطراف الصراع !!. وها نحنُ نسمع كل يوم أن موسكو وواشنطن قرّرتا كذا وكذا .. وأن كيري ولافروف اتّفقا على كذا وكذا ، وخاصّة بعد انهيار الوضع على جبهات ريف دمشق واللاذقية ومدينة حلب في أواخر نيسان وأوائل أيار !!. فلم نسمع إلا عن الإتفاق بين موسكو وواشنطن والتزام أطراف الصراع بذلك !!.

*ولذلك كان الحل العسكري مسموح به في الجزائر ، إقليميا ودوليا ، ولكن غير مسموح به في سورية ، لا إقليميا ولا دوليا !! وهذا ما يُصرِّح به الروسي والأمريكي من خلال التأكيد دوما أنه لا يوجد في سورية حل عسكري وإنما حل سياسي ، وهذا ما تسعى له القوتان العظمتان من خلال محادثات جنيف بين طرفي الصراع المسلح !!.

 *فالحالة السورية بلغتْ مبلغا من التعقيد لم تصل إليه الحالة الجزائرية مُطلقا !!. ولذا لا يمكن المقارنة بين الحالتين ولا يمكن المراهنة على خيار الحل العسكري الذي ساد في الجزائر !!. وإن تمكّنوا في الجزائر من العودة إلى المربّع الأول ، مع تغييرات طفيفة لم تُغيِّر كثيرا في المشهد ، حيث بقي حزب جبهة التحرير الوطني هو المهيمن على المشهد كله ، مع المؤسسة العسكرية والأمنية ، فإن العودة للمربع الأول في سورية باتت خارج نطاق الزمن !!.

 *لا يمكن في سورية بعد هذه الدماء والدمار والتدخلات الإقليمية والدولية ، العودة للمربع الأول الذي هيمنَ على الدولة السورية عقودا طويلة وحوّلها إلى دولة مزارِع وإقطاعيات ، وغياب للقانون والمعايير والعمل المؤسساتي ، ومُصادرة لكافّة أحزاب ومنظمات ونقابات المجتمع ، وهيمنة طبقة على كل المناصب والمراكز ، وحتى المال والثروة ، وفرض أمرٍ واقعٍ بالقوة ، وتهميش أو إقصاء هذا وذاك لأتفه الأسباب ، أو بدون أسباب ، لأنه ليس مدعوما أو قريبا لهذا وذاك ، وليس من عِظام رقبة أو رِجل هذا أو تلك ،، فهذا لا يمكن العودة له مهما تصاعدت الأوضاع عسكريا ، لأنه في آخر المطاف لن يُسمَح لأي طرفٍ بالحسم العسكري !! وكل ما يمكن أن يتحقق هو المزيد من الدماء والدمار ، والمزيد من التفتيت !!. وها قد شاهدنا كيف استنفر حالا الأمريكي والفرنسي والبريطاني ، وحتى الروسي لضبط الأمور مُجدّدا في عدة مناطق سورية بعد أن استعرت نيران الحرب !!.

 *ولا يمكنُ بالمقابل ، خلق دولة سورية جديدة أسوأ من الأولى ، وهيمنة القِوى الإسلامية والطائفية والإقصائية ، ولا دولة دينية يُصبِح فيها غالبية أبناء الوطن غُرباء لأنهم ينتمون لهذا الدين أو ذاك المذهب !!. فالدين للعبادة وليس لقيادة الدول ، وعلى الجميع أن يفهموا ذلك !!.

*سورية بحاجة للعقل العَلماني (الذي تحدّث عنه الكثيرون من القادة الغربيون) ، المؤمِن إيمانا مُطلَقا بِتساوي كافة أبناء الوطن بغضِّ النظر عن أي انتماء ثقافي أو ديني أو عرقي أو جِنسي (بين رجل ومرأة) !! ويؤمنُ بالتداوُل على السُلطة كل أربع سنوات من خلال انتخابات برلمانية ورئاسية ديمقراطية تعددية وحرة ونزيهة تحت إشراف أممي !!. ويؤمنُ بعدم السماح للمؤسسة العسكرية والأمنية بالتدخُل في الشأن السياسي حتى تكون للوطن كله وليست لحزبٍ أو لِجهة معينة ، أيٍّ تكُن تلك الجهة !!.

 ويؤمن بِسُلطة القانون على الجميع مهما علتْ مناصبهم وجلبِ أكبر الرؤوس للعدالة والتحقيق معها في أي أمرٍ واتّخاذ الأحكام اللازمة ، كما يحصل في الدول المحترمة التي لا سُلطَة فيها فوق سُلطة القانون !!. وقد شاهدنا كيف كان القضاء يستدعي رؤساء دول ويحقق معهم في أمرٍ ما !! هذا حصل مع الرئيس كلينتون ، ومع الرئيس شيراك ، ومع الرئيس ساركوزي ، ومع الرئيسة ديلما روسيف ، وسَلَفِها لولا دي سيلفا ، ومع رئيسة وزراء تايلاند وغيرهم الكثيرون !!..

*أعتقدُ أن الروسي يعي المُعادلَة جيدا ، ولكن أقولها من جديد ، أن الروسي ينظرُ بعينٍ واحدة للوضع في سورية وفي أوكرانيا وفي جزيرة القرم ، حتى لا نذهب أبعد من ذلك !!. وطالما لم يعترفوا لهُ بِضمِّ جزيرة القرم ، وما زالوا يدعسون على أقدامهِ في أوكرانيا وفي منطقة البلطيق والبحر الأسود ، فهو ماضٍ لترسيخ أقدامهِ أكثر كل يوم في سورية !!. ولكن مهما بلغت القوة العسكرية الروسية فلن يتمكن الروسي من حل المشكلة السورية إن لم يكن لديه مشروع سياسي واضح لا يُعيد سورية للمربّع الأول !!. والمشروع السياسي هو العمل على تطبيق قرار مجلس الأمن 2254 الذي كان الروسي أحد الداعمين له ، من دون تأخير وبحسبِ الجدول الزمني الذي رسموه ، وإلزام كافة الأطراف المتحاربة بذلك !.

 *سورية تعاني من خطرين : الشمولية واحتكار السُلطة من طرف ، والتعصُّب الديني من طرفٍ آخر !!. الحلُّ للخطر الأول هو في الديمقراطية !! والحل للخطر الثاني هو في العَلمانية !! وهذا ما تحتاجهُ سورية : الديمقراطية العَلمانية بكلِّ مضامينها ومعانيها وأبعادها وتطبيقاتها !!.

 *لم يعُد البكاء على الماضي مفيدا !! فالفساد الذي طَفَا واضحا على السطح منذ أوائل السبعينيات وجرّ إلى ما جرّ إليه من تخريب في الدولة ، وابتعاد عن العمل المؤسساتي وحكم القانون ، وتهميش وإقصاء كل صوت إصلاحي حتى داخل الحزب ، كانت نتيجتهُ واضحة منذ ذاك الزمن !!. فتلك المقدمات التي بدأها أحد قادة الوحدات العسكرية السورية التي كانت دولة داخل الدولة ، من الطبيعي أن تنجمَ عنها تلك النتائج !!. وإلقاء اللوم على المؤامرات الخارجية لا يُجدي !!. إن كُنا موضوعيين علينا أن نتحدّث عن الأسباب بموضوعية ولا نختبئ خلف نظريات المؤامرات !!. المشكلة بدأت من الداخل وحينما لم يتم حلّها بالطريقة الصحيحة من البداية جاء التدخُّل الخارجي لتصفية الحسابات !!.

* لو كانت هناك حرية وديمقراطية وشفافية ، وحِراك ونشاط سياسي ، وتعددية آراء ورؤى ، داخل حزب البعث ، لأمكن تغيير القيادات الحزبية كل أربع سنوات من القاعدة وحتى القمة ، والمجيء دوما بأحسن النوعيات من خلال الانتخابات ، والناس لن تنتخب إلا الأفضل والأنزه والأشرف ، وهذا كان سينعكس على الوضع في كل البلد كون الحزب كان هو القائد في الدولة والمجتمع!!. ولكن اتّبعوا نهجَ التعيين وبالتالي كان الاهتمام بالمحاصصات ، والأزلام ، والمدعومين ، وهؤلاء أداروا الظهر للقواعد ، وللجماهير وكانوا يتطلّعون فقط لمصالحهم ولإرضاء الأعلى ممن يأتون بهم إلى المناصب ، ولا تعنيهم أية انتقادات واعتراضات وأحاديث عن الأغلاط والسلبيات والممارسات الهدّامة ، فكانت هذه تتراكمُ يوما بعد يوم !!.

*كنتُ أتوقّعُ ومع بداية هذه الأزمة أن يعود الحزب حالا لإجراء انتخابات استثنائية ، ديمقراطية وحرة وشفافة ، ودون أي تدخُّل من أية جهة ، وانتخاب قيادات جديدة من القمة وحتى القاعدة ، لها أراؤها ورؤيتها وليستْ أشكالا واحدة مطبوعة على نفس الآلة ، كما تُطبَعُ العِملة !!. فماذا يمنع إن كانت في الحزب آراء متعددة ، وإن كان هناك في قلب الحزب جناح يساري وآخر واقعي ، وثالث وسطي ، ويمين الوسط ويسار الوسط ، والقواعد هي من تختار من بين هؤلاء لقيادة المؤسسات الحزبية بِحسبِ ما تراهُ في كل واحد وووووو ماذا كان يمنع من كل ذلك ، بدل أن يتحوّل الحزب إلى روبوت يتحرّك بجهاز التحكُّم ، والكلُّ يقول ” نعَم ” بحسبِ التوجيهات ، و ” كلَّا ” بحسبِ التوجيهات أيضا !!.

*هل من الضروري أن يكون كل حزبي بِلا رأي خاص به وموافقٌ على كل شيء وعلى كل مُعالَجة وكل مُقاربَة ، وإلا فهو كذا وكذا وكذا ، ويجب إبعاده وإقصائه ومحاربته وعدم الثقة به ، ولا يصلح لشيء ، بينما يصلحُ أبناء العائلات التي كل عمرها معادية للحزب ، يصلحون سفراء ووزراء ومُحافظين ووووو الخ ؟؟.

 *كيف يستقيم مع رأس أي حزبٍ في العالم (عموما وبلا تحديد)، أن لا يقبل تعيين شخصٍ سفيرٍ أمضى عمرهُ في حزبهِ ، لا يقبل تعيينه سفيرا ، وممثلا له ، بينما يقبل أن يكون سفراء وممثلين له مِمّن هم أعداءً لِحزبهِ ، أو على الأقل لا يشترون حزبهِ كله بقشرة بصَلة ؟؟. كيف يستقيم ذلك ؟؟. إن كان الوفاء داخل أي حزبٍ معدومٍ بين أبنائه ويُفضِّلون أعداء حزبهم على كوادر حزبهم ، فهذه أحزاب مُهلهلة مُنهارة منخورة ميؤوسٌ منها !! ولا يؤملُ منها شيئا لا على مستوى أوطانها ولا على مستوى شعوبها !!.

*نعم هنا كانت تكمن المشكلة في كل من الجزائر وسورية وانعدام الوفاء في صفوف الحزب بالحالتين والابتعاد عن قيمهما الأساسية والالتفات للمصالح الخاصة على حساب المصالح العامة، والافتقاد لدولة القانون والمعايير والمؤسسات ، وحلول المحسوبيات والشخصنات ووووووو الخ … فالأسباب للمشاكل والأزمات كانت متشابهة ، ولكن الحلول ليست متشابهة إطلاقا !!.