في الواجهة

نتنياهو يحاول إقتطاع الجولان نهائيا من سوريا

 

 

 

 

 

 

  يبدو من الواضح أن  سياسة اسرائيل في المرحلة الحالية هي الإستثمار في الوضع الداخلي في سوريا عبر ، إنتزاع إقرار دولي بالأمر الواقع وهو الوصاية الرسمية الإسرائيلية على الجولان  السوري المحتل.

   قالت  قناة  سي إن إن  الأمريكية  في تعليق على زيارة رئيس وزراء  اسرائيل  لموسكو   “نتنياهو لبوتين: الجولان خط أحمر” (21/4/2016)، وهو عنوان يرتبط بصراع خفي بين العقلية الليكودية وبين رؤية إستراتيجية أمريكية، ويكشف عن جولة من مشاكسات نتنياهو مع الإدارة الأمريكية، مما يناقشه هذا المقال.

    لقد ظلّت الجولان عقدة أمام المنشار الأمريكي الذي حاول إحداث اختراق في لوحة “عملية السلام” الجامدة… غابت عن الحضور السياسي والإعلامي البارز منذ غيّب الاغتيالُ الرئيسَ اليهودي رابين… وها هي عادت لتبرز من جديد، بعد الحركة الغاضبة والخارجة عن السياق، التي قام بها رئيس وزراء الاحتلال اليهودي نتنياهو عندما تعهّد أن يبقى الجولان المحتل جزءاً من دولته “إلى الأبد”، وذلك تزامنا مع عقد اجتماع رمزي لمجلس وزرائه، للمرة الأولى في هضبة الجولان منذ احتلالها في عام 1967، كرسالة سياسية إلى المجتمع الدولي، كما نقلت وسائل الإعلام (منها الجزيرة نت في 17/4/2016).

    إن الجديد في عقدة الجولان اليوم أنها تنتقل إلى لوحة “الحل السياسي” في سوريا، إذ لم تنفصل تلك الحركة “الليكودية” عن مسار المفاوضات السياسية التي تجري في جنيف لإنهاء الثورة السورية على طريق الحل السياسي الأمريكي الذي طوّع روسيا ضمن مساره: حيث تحدثت الأخبار عن نوع من التنسيق الأمريكي الروسي حول تضمين الانسحاب اليهودي من الجولان ضمن ملفات ذلك الحل الأمريكي في سوريا، وقد نشرت عيون الخليج (17/4/2016) أن تلك الحركة جاءت بعد علم نتنياهو أن الرئيسين الأمريكي والروسي قد أعطيا الضوء الأخضر لوزيري خارجية بلديهما لتضمين بند في مسودة الاتفاق ينصّ على المطالبة بإعادة هضبة الجولان لسورية. وهو ما يثير تساؤلات حول ذلك التحفيز الأمريكي لهذا الملف الجامد في هذا التوقيت الحرج وفي ذلك الملف الصعب! ومن ثم ليكشف عن خلفية نتنياهو فيه.

لا شك أن نتنياهو –المشاكس الدائم لأمريكا- يدرك تلك الغاية الأمريكية، ولذلك فإن حركته هذه تمثل خطوة في الهروب للأمام من الضغوط المتوقعة عليه للانسحاب من الهضبة المحتلة إذا ما تم التوصل إلى اتفاق سياسي حول مستقبل سوريا في جنيف، تحتاج فيه أمريكا أن تمنع أن يخرج المشهد الشامي عن سيطرتها، عبر تواجد عسكري دائم.

    وحتى تُقرأ هذه التطورات جيدا، لا بد من إلقاء الضوء على خلفية الحراك حول قضية الجولان، ومراجعة نظرات الأطراف الدولية والإقليمية، وخصوصا أن اسم نتنياهو قد ارتبط بقضية الجولان مذ كان عضوا في الكنيست عام 1993، وذلك عندما كشف توافق الرئيس اليهودي رابين مع أمريكا على مبدأ الانسحاب:

    من المعلوم أن أوروبا (بريطانيا) هي التي طبخت اتفاقية أوسلو (الأولى)، ثم تداركت أمريكا الموقف، فطبخت اتفاقية أوسلو الثانية حتى تستعيد أوراق اللعبة، لأن تلك الخطوة الأوروبية كانت قد تعجلت قطف الثمار قبل أمريكا، ولأن أمريكا كانت قد ربطت عملية السلام بمبدأ تلازم مسارات الحل السياسي جميعا (سوريا ولبنان والأردن وفلسطين، بعد الخروج المبكر لمصر في اتفاقية كامب ديفيد). وحرصت أمريكا على أن يسبق المسار السوري (وتابعه اللبناني) مسار التسوية مع الفلسطينيين أو أن يتزامن معه، ولذلك ربطت استكمال حل الدولتين والتطبيع مع الدول العربية بحل قضية الجولان عن طريق الانسحاب منها.

    ظلّت أمريكا تعمل على تحقيق الانسحاب من الجولان لكي تهيمن عليه، وتؤسس لتواجد قوات أمريكية مثل التواجد في سيناء المصرية. وهو هدف استعماري لا خدمة لتحرير الجولان وإرجاعه إلى سوريا. وقد ناقشت ذلك في مقال “عقدة الجولان بين التجميد والتجديد”، ضمن سلسلة قضية فلسطين.

    وخلال حكم حزب العمل اليهودي، حصل التقاء يهودي-أمريكي على الجولان، بعد تطويع الرئيس اليهودي الأسبق رابين لفكرة الانسحاب، فتعهد بالانسحاب للرئيس الأمريكي الأسبق كلينتون، وصار ذلك التعهّد يُعرف ب”عهدة رابين”، وقد كشف المؤرخ البريطاني باتريك سيل، (الذي كتب سيرة حافظ الأسد) عن تبادل رسائل بين رابين والأسد عبر وزير الخارجية الأمريكية في حينه كريستوفر، تضمنت التزام الكيان اليهودي بالانسحاب إذا تحققت مطالبه من حيث الأمن والتطبيع مع الدول العربية.

    ولكن عقدة الجولان قد ارتبطت بنتنياهو منذ بداية التسعينات، حيث فضح ذلك التوافق في شباط 1993 (عندما كان نائبا في الكنيست)، وكشف عن مرحلتين في خطة رابين: تتضمن الثانية منها نشر قوات أمريكية في المواقع التي يخليها الاحتلال اليهودي. ولا شك أن نتنياهو لم ينس اليوم تلك الخطة القديمة، ولا يمكن أن يتجاهل هدف أمريكا من نشر قواتها في الجولان، كما يتجاهله المؤتمرون في جنيف، ممن يعتبرون أنفسهم يمثلون الحراك السوري!

    وبعد مقتل رابين، وفوز حزب الليكود وتشكيل حكومة “يهودية” برئاسة نتنياهو عام 1996، استطاع نتنياهو أن يعرقل الجهود الأمريكية في استكمال مسيرة السلام، رغم الانبطاح التام من قبل المنظمة والأنظمة العربية.

    ومن المعلوم أن حزب الليكود يحمل نظرات تلمودية توسّعية، ولذلك فإنه لا يوافق على الانسحاب الكامل من الجولان، على عكس حزب العمل الذي يقبل بمبدأ الانسحاب الكامل من الجولان بشرط تحقيق المطالب الأمنية للكيان اليهودي، ومن هنا كانت عهدة رابين ومحاولة باراك، الرئيس اليهودي (من حزب العمل)، لتحقيقها.

    ثم تعثّر ذلك المسار الأمريكي لأن الكيان اليهودي مارس التفاوض برؤية تستهدف الاختراق الاقتصادي والتطبيعي. ولم تحقق المفاوضات تقدما –عمليا- يذكر على المسار السوري، وظل اليهود يفسرون قرار الأمم المتحدة رقم 242 بأنه يعني الانسحاب من أراض (نكرة)، وأن لهم الحق بالبقاء في مواقع أمنية إستراتيجية للحفاظ على أمنهم.

    والآن، عندما يُكشف أن أمريكا تنسّق مع روسيا لإدراج الانسحاب من الجولان ضمن ملفات الحل السوري، يجب أن تستحضر مسائل مهمة هي  تلازم  بحث الانسحاب من الجولان مع تحريك “العملية السلمية” بين الكيان اليهودي والنظام السوري البديل عن نظام بشار  ثم تفعيل التطبيع مع الأنظمة العربية كنتيجة تلقائية لتحقيق تقدم على مسار الحل السوري، مما ربطته أمريكا ب”الحل السلمي” على مختلف المسارات.