في الواجهة

عندما تلعب دول بالنار

 

 

عندما تلعب الدول ضدّ بعضها بالنار سوف ينتقل الحريق من دولة إلى أخرى. ومن ينجو منه اليوم سيخرج جمره الذي تحت الرماد ليحرقه غداً.

 ليس صدفةً، وليس من قبيل الحكمة فحسب أن يشدّد القانون الدولي الذي تأسّس لينظم العلاقات في ما بين الدول على أساس ثلاثة مبادئ: وهي الاعتراف بسيادة الدولة وبحدودها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. وذلك بغض النظر عن ميزان القوى إن كان يسمح أو لا يسمح، عملياً، للدولة الأقوى بأن تعتدي على سيادة دولة أو دول أخرى، أو تعدّل من جانب واحد حدودها، أو حدود أحد حلفائها، أو أن تتدخّل في الشؤون الداخلية لتشجع اقتتالاً أو انفصالاً.

هذا القانون الدولي اتفق عليه بداية في معاهدة صلح ويستفاليا (1648) ثم راح يكرّس بكل مناسبة ولا سيما عندما تعقد معاهدات أو تحالفات أو تتشكل هيئات دولية، كما حدث مع عصبة الأمم، وهيئة الأمم المتحدة. فالكل يتفق عليه من حيث المبدأ، ويعلن تمسّكه فيه واحترامه، والكل، عدا من رحم ربي، راح ينتهكه كلما كان بمقدوره أن يفعل.

أما دول الغرب الكبرى، وفي مقدّمها، الدول الأوروبية التي تعاهدت في ويستفاليا فقد اعتبرت أن مبادئ القانون الدولي تنطبق على العلاقات في ما بين دولها، وليس على علاقاتها ببلدان أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا والجزر البعيدة من مياهها الإقليمية. وهذا ما ترجمته في تاريخها الاستعماري والإمبريالي إلى يومنا هذا. وقد أباحت لنفسها بشنّ حروب الغزو الاستعماري والإمبريالي، كما باستخدام كل وسائل الضغوط لدوْس سيادة الدول والتدخل في شؤونها ونهب ثرواتها بلا حدود. وجاء زرع الكيان الصهيوني في فلسطين انتهاكاً صارخاً للقانون ولا سيما في بُعْدِه المتعلق بحق تقرير المصير.

تسبّب انتهاك هذه المبادئ الثلاثة للقانون الدولي بكوارث نتيجة ما اندلع من حروب في ما بين الدول بسببه، وصولاً إلى الحربيْن العالميتيْن الأولى والثانية وما نجم عنهما من قتلى وجرحى تجاوز عشرات الملايين، ومن خسائر مادية لا حصر لها.

ومع ذلك ندر من بين الدول ما تعلّم من ذلك، وقرّر أن يلتزم، بحق وصرامة، بهذه المبادئ. وهذا أمرٌ مفهومٌ بالنسبة إلى الدول الاستعمارية والإمبريالية أو الأمبراطورية ولا سيما في مرحلة الرأسمالية العالمية. لأن احتلال أراضي الغير والسيطرة والنهب على مستوى عالمي، يشكل جزءاً لا يتجزأ من طبيعة أأنظمتها، ولا تستطيع ألاّ تجاريه إلاّ إذا منعتها موازين القوى، أو في الأدّق بعد أن تلحق بها الهزائم وتفقد الأمل في إمكان الاستجابة لتلك الطبيعة.

على أن هذا المرض العضال أخذ ينتقل إلى الدول التي كانت تحت الهيمنة وقاست من السيطرة الخارجية طويلاً. وقد أصبحت الآن مستقلة وتمتلك مزايا وقوى تسمح لها بانتهاك هذه المبادئ بالنسبة إلى دول مجاورة أضعف منها، أو تتصوّر بأن التدخل فيها سيعود عليها بمكاسب وفوائد ما، أو تتصرف على قاعدة التعامل بالمثل بالنسبة إلى الدولة التي تتدخل في شؤونها الداخلية. فترتكب الخطأ نفسه.

وبهذا تتفاقم العلاقات بين الدول، ويتسّع مجال الأذى المتبادل والنتيجة ستكون خسارة على الجميع.

عندما نأتي إلى الدول في المرحلة التاريخية الراهنة، وفي ظل ما راح يسود من موازين قوى عالمية وإقليمية بعد أن تداعى النظام العالمي الذي قام على السيطرة الغربية، ثم سيطرة القطبين، ثم محاولة سيطرة القطب الواحد. وأخذ يتسّم بتعدّد الأقطاب الدولية والإقليمية، وبلا نظام عالمي يضبط هذا التعدّد الذي أخذ يتسّم بالفوضى والسيولة واحتدام الصراعات بين الدول. وقد تعاظم تدخلها في الشؤون الداخلية لبعضها بعضاً، وصولاً إلى صبّ الزيت على نار التناقضات الداخلية أو الإقليمية. وذلك باستغلال كل ما يمكن استغلاله من تناقضات قومية أو دينية أو طائفية أو حدودية، أو انفصالية. وهو ما يقود إلى أن تلعب الدول بالنار ضدّ بعضها، فتدور الدائرة الجهنمية على الجميع في نهاية المطاف. وذلك ما دامت الأوضاع وموازين القوى قد راحتا تتسمّان بالفوضى والسيولة واحتدام الصراعات، مع عدم وجود قوّة قادرة على الحسم، كما فعلت بريطانيا وفرنسا بعد الحرب العالمية الأولى، أو كما فعلت أمريكا والاتحاد السوفياتي، بعد الحرب العالمية الثانية، أو كما حاولت أن تفعل أمريكا لفترة قصيرة من الزمن بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

ففي ظل ما يسود من تعدّد أقطاب دولية وإقليمية وانهيار دول ونشوء ظواهر شاذة (لا شعبية ولا دولتية بالمعنى التقليدي)، وانفتاح آفاق لحراكات شبابية وانتفاضات ومقاومات، فثمة ظاهرة وقوف الجميع على رمال متحركة. وذلك حيث تنقلب الأمور رأساً على عقب بين ليلة وضحاها.

الأمر الذي يشجع من جهة بعض الدول على انتهاك مبادئ القانون الدولي، فلا تُحترم السيادة، ولا الحدود، أو عدم التدخل في الشؤون الداخلية. ويُصار إلى اللعب بالنار من خلال تشجيع الحركات الإنفصالية، أو صبّ النار على صراعات داخلية تحمل طابعاً قومياً أو دينياً أو طائفياً. ولكنه يشجع في المقابل على الردّ بالمثل.

وعند هذا الحدّ يتوجب القول ستثبت التجربة والمستقبل القريب أن سياسة انتهاك المبادئ الثلاثة للقانون الدولي قصيرة نظر، وضارّة، ونارها قابلة للانتقال في كل اتجاه. فمن سورية إل  تركيا، ومن تركيا إلى قرة باخ إلى القرم على سبيل المثال لا الحصر. فهل من مُعتَبِر؟