تحقيقات

أسرار من حرب سوريا

 

 

 

البعض منّا مع كل أسف لا يعرف أنّ السياسة ليست مجرد صور تذكارية مع الفقراء والنازحين واللاجئين، بل هي استقراء للمستقبل، وكل خطوة غير مرئية في المستقبل يجب معاملتها على أنّها كمين، والسياسي الذي لا يكترث الاّ للهتاف والمديح، لا يختلف عن بائع المواشي في سوق الحلال كل يوم جمعه، وبائع الجرائد على الأشارات الضوئية في بعض عواصمنا العربية القطرية. ومن هنا نرى أنّ الساسة المراهقون ودبلوماسية صعاليكهم الجوفاء والخرقاء، يعتقدون أنّ اللعب في دماء الجغرافيا هومجرد لعب مع الخطوط والحدود والتراب، ولكنّ من يلعب بدم الجغرافيا عليه أن يعلم أنّ الجغرافيا ستلعب بدمه ورأسه، وكون المنطقة في حالة سيولة شديدة الكل صار يلعب بدم الجغرافيا السورية، ولكن بدأ الأرتداد على كل من عبث ويعبث وسيعبث بالجغرافيا السورية وديكتاتوريها، ولمن أراد أن يستيقن ليعد الى التاريخ لسان الجغرافيا ليخبره. الأمريكي ما زال يؤمن أن الأنتشار الأفقي للفكر الجهادي والمحافظة على سمته في كل الأزمنة والأمكنة، هو السبيل الوحيد لأسقاط أي نظام لا يتفق ويتساوق مع رؤى الأمريكان، ويريد هذا الكابوي الأمريكي للفاشية الدينية أن تسود ليس في سورية والعراق فحسب، بل في جلّ ساحات الشرق الأوسط وأسيا الوسطى وفي الداخل الصيني أيضاً عبر أقلية الأيغور المسلمة، والتي تتجاوز عشرين مليون ايغوري مسلم، لذا يصر الروسي على رفض الأرهاب والأستثمار فيه وفي منحنياته لأسقاط الأنظمة المعارضة أو التي لا تتفق وتتساوق مع الكابوي الأمريكي بأي صورة من الصور. ويعتقد أنّ واشنطن دي سي سوف تستخدم هذا العامل السابق ذكره، في اسقاط أنظمة حلفائها عندما تغدو عبء على نفسها وعلى مجتمعاتها وبلا شك على أمريكا، لذلك أن تكون معادياً لواشنطن فيه خطورة، ولكنّ أن تكون حليفاً لها أشد خطورة من العداء لها.

موسكو وحلفائها باتوا يشعرون أنّه ثمة فخ أراد الأمريكان والأتراك والعربان ما غيرهم نصبه بعناية للروس، لكي تكون حرب الفدرالية الروسية في سورية تقارب أو على مشارف أتون أفغانستان بالنسبة للسوفيات، في ظل استعدادات مرئية وغير مرئية لواشنطن لتحرير الموصل من الدواعش، وزج كل السفلة من الدواعش ومن تلفظهم الحضارات على الحدود مع سورية وفي الداخل السوري وتحديداً في شمال شرق سورية وشرق سورية، لكي تقدّم اسنادات عميقة لقوّات الفصل التي تسعى واشنطن على تأسيسها كبديل لأستلام مناطق سيطرة داعش في الرقة(هدف تكتيكي في البدء)ولاحقاً ليصار الى اضعاف ما تم زجّه في الداخل السوري، ودمجه في قوّات الفصل الأمريكية لقطع التواصل الأيراني السوري عبر العراق(سنشرح هذا تباعاً). والسؤال هنا: هل الصين موجودة في معركة حلب عسكريّاً الآن، أم أنّها تحضّر لدور قادم عبر وجود أكثر من 4000 آلاف من النخبة العسكرية الصينية الخاصة توافد جلّهم الى الداخل السوري كما تقول المعلومات(لا أحد يعرف كيف تفكر دمشق)؟ انّ تعين بكين مبعوثاً سياسيّاً خاصاً للأزمة السورية(شي شياو)السفير السابق للصين في ايران، يطرح أكثر من علامة استفهام تلحقها علامات تعجب على الشكل التالي: …؟؟؟؟!!!!!. وهذا يقود الى أنّ الدور الصيني لا يتموضع في السياسي، بل وفي العسكري وفي معركة حلب تحديداً الآن، حيث الدور السياسي للصين كدور وسيط يقودها حكماً الى دور عسكري في الداخل السوري الى جانب دمشق وحلفائها، خاصةً اذا صدقت المعلومات التي تتحدث عن اعتراضات صينية وروسية عميقة في الكواليس على أدوار معاون ستيفان ديمستورا، السيد فولكر بيرتس الألماني وهو رجل المخابرات الألمانية في جنيفات المسألة السورية حتّى الان(طرف معلوماتي يقول: جزء وازن من قوّات النخبه الخاصة الصينية تتجه الى الرقّة ان لم تكن على مشارفها الآن). الأمريكي والأسرائيلي ومعهما الغرب وحلفائهم من البعض العربي، والذي يعمل مثل الكومبارس لجوقة الأرهاب الأمريكي واستثماراته، متساوقون بعمق أنّ الأرهاب في سورية معارضة معتدلة، والمعارضة في اليمن ارهاب، وعلى الأسد الصامد أن يرحل في سورية، والرئيس الفار ببرقع النساء في اليمن أن يعود، والأمريكي يلعب بالورقة الكردية لأضعاف سورية المركزية، ولكنه لن يعطي الكرد شيئاً ملموساً على حساب تركيا في النهاية، فالله خلق الكرد ليكونوا كما يريدهم سادة العالم، وهم دائماً وأبداً يوافقون ويقعون في الفخ، لأنّ قياداتهم الأقطاعية والكمبرادورية لا تعادي سوى العرب والعرب فقط، الهدف ليس دويلة كردية بل الهدف اضعاف سورية. ولكي يدعم الكرد معالم ما تسمى بالفدرالية الكردية في الشمال السوري، كان لا بدّ لهم من تطهير الحسكة من معالم تواجد الحكومة المركزية السورية بجانب المؤسسات الأمنية(أحداث القامشلي الأخيرة فتّش عن الأمريكي والخليجي، وتحريك الجبهة في القامشلي كان قراراً دولياً وخليجياً عبر ما تسمى بقوّات سورية الديمقراطية، وقوّات النخبة التابعه للجربا احمد والمدعومة اماراتياً، ومن خلفها اسرائيل عبر الدحلان محمد). الهدنة بفعل الأمريكي وحلفائه وأدواته في الداخل السوري انهارت باستثناء حلب(ستالينغراد سورية)، ويبدو أننا بصدد هدنة ان شئت مصغرة مستثناة منها حلب، باتفاق واشنطن وموسكو للقضاء على داعش والنصرة هناك(هكذا يعتقد المتابع للوهلة الأولى)كل وحسب منطق رؤيته في الداخل السوري، لكنّ الحقيقة ليست هكذا، فبعد استعادة تدمر والقريتين الى حضن الدولة الوطنية السورية باسناد روسي عميق، تم العمل أمريكيّاً وتركيّاً وسعوديّاً وقطريّاً والى حد ما اماراتيّاً، على انهاء الهدنة وتدريجياً لتشتيت جهود الجيش العربي السوري العقائدي وحلفائه ولغايات تأجيل معركة الرقّة، حيث الأمريكي وجوقة حلفائه، يركز الآن جلّ جهوده على شرق سورية المتاخم للحدود مع العراق، فتم تحريك جبهات حلب وريفها، لكي يتسنّى لواشنطن وسلّة عملائها اعداد البديل الذي يمكن من خلاله تسلم المناطق التي يسيطر عليها داعش في شرق سورية، والذي يعتقد أنّه سيكون(البديل)من قوّات سورية الديمقراطية(ألم يقل الناطق باسمها طلال سلو أنّ واشنطن أقرب من دمشق لنا؟)، وما يسمى بجيش الفدرالية(مكونات عربية، وكردية، وأرمنية، وشركسية، بحسب أيهم شيخمو القيادي في حركة المجتمع الكردي الديمقراطي، وبحسب ريناس روزا المسؤول العام فيه)، وقوّات النخبة السورية التابعة لما يعرف بتيار الغد السوري برئاسة الجربا احمد، واشراف الدحلان محمد ومن خلفه ثكنة المرتزقة اسرائيل(ثمة دور اماراتي عسكري عميق في شمال وشرق سورية)، ومن الكرد وآلاف الشباب من العشائر العربية والتركمان(كصحوات مستنسخة عن النموذج العراقي)، كل ذلك لتشكل بمجملها كقوّات فصل عسكرية كي يصار الى تقطيع أواصر الحلف السوري الأيراني العراقي. وتأسيساً على الأنف ذكره، ومنعاً للخلط الأمريكي المقصود في تكوين سلال وحملات اعلامية، واساءة للدور الروسي العسكري في سورية والذي يستعيد زخمه كما بدأ أول مرة، يبدو أننا أمام عودة حقيقية لما يعرف بالأسناد الجوي الروسي الى المستوى الذي كان عليه قبل الهدنة، كونه ثمة قرار سوري روسي وحلفائهم في الحسم العسكري، وأي مسارات سياسية حالية ولاحقة ستوظف لغايات استكمال الحسم العسكري، وثمة ادارة سياسية للحرب للقضاء على جلّ الأرهاب، بعدها يصار الى حل سياسي يكرّس من سورية النسق السياسي والنظام والرئيس الأسد مفتاح المنطقة، هكذا تقول المعادلات الرياضية. ففي سورية جيش واحد هو الجيش العربي السوري العقائدي، ومصير ما يسمى بجيش الفدرالية الكردية، وقوّات سورية الديمقراطية، وقوّات النخبة في سورية التابعه لما يسمى تيّار الغد، المدعوم اماراتيّاً واسرائيليّاً عبر دحلان، بجانب كل الأستطالات والتورمات السرطانية المليشياوية التي فبركها الطرف الثالث بالحدث السوري، وجعل منها أذرع وظيفيه له, مصيرها الى زوال ومتاهات الزوال نفسه. فعلى أنقاض افشال محادثات ومباحثات جنيف بمشهده الثالث حتّى اللحظة، وانسحاب وفد الرياض السوري برئاسة الأرهابي عوض الزعبي والذي يحاول تحريك الشارع في درعا عسكرياً بايعاز سعودي، وكبير ارهابيين الرياض محمد علوش، وباشراف الحائط المتحرك رياض حجاب، يبدو أنّ واشنطن قد قررت الذهاب وبعيداً في سلّة من الأقتراحات العملية، وتحت عنوان عريض تكمن فيه تفاصيل التفاصيل وهو: الأرض لمن يحررها ضمن منطوق القاعدة العملياتية التالية: ما لروسيّا لروسيّا وما لأمريكا لأمريكا، والسؤال هنا: هل هو التقسيم لمنطق النفوذ الأمريكي الروسي في الداخل السوري؟ أم أنّ الأمر أبعد من كل ذلك؟ أحسب وأعتقد أنّ أي مقترح على هذا الشكل يعقّد الأزمة السورية أكثر مما هي معقدة، ويعد ترجمة فعلية لتقسيم سورية الى دويلات(لا قدّر الله). العرض الأمريكي الذي قدّمه إلى الجانب الروسي حول كيفية تنسيق الجهود لتثبيت وقف العمليات ينطوي على نية واضحة، ويقود إلى تثبيت تقسيم سورية نفوذاً في الجغرافيات السورية، جغرافيات خاضعة للرقابة الحصرية الأميركية، وأخرى خاضعة للرقابة الروسية، هذا وقد حذّر من ذلك مسؤول لجنة الأمن في مجلس الدوما الروسي، الذي قال صراحةً أن تجارب سابقة قائمة على مبدأ تقسيم مناطق النفوذ التي حصلت بعد الحرب العالمية الثانية، وأشار إلى تقسيم ألمانيا، لم تكن تجارب ناجحة، الأمر الذي يؤكد أنّ هدف الأميركيين من هذا الاقتراح هو تقسيم سورية، فهل توافق الفدرالية الروسية على ذلك؟ حسب المعطيات الراهنة والقراءات المختلفة لا، ولا كبيره بحجم المحيط الأطلسي. الأمريكي يتموضع بسياسة قديمة جديدة ازاء القارة الأوروبية، من حيث دفع الأوروبي لكي يتحمل جزء وازن ومهم من عبئ إقرار الأمن الدولي ازاء الأرهاب الذي صار يرتد الى الدواخل الأوروبية بفعل الحدث السوري وبفعل العبث بدماء الجغرافيا السورية وديكتاتوريتها، عبر فعل المزيد في مواجهته وخاصةً تنظيم داعش الإرهابي. قام الأمريكي مؤخراً بارسال250 عسكريًا أمريكيًا إضافيًا إلى سورية، بينهم أفراد من القوات الخاصة، للمساعدة في محاربة التنظيم المتطرف ويصب في الإطار ذاته للفخ المراد نصبه لأوروبا أمريكيّاً ليصار الى توظيفها في الصراع مع روسيّا والصين، حيث يمثل هذا الأرسال حافزاً جديداً للزج بأوروبا في التحالف الدولي. كما أمر أوباما رئيس جهاز المخابرات القومية، “جيمس كلابر”، لفتح ملفّات داعش في القارة العجوز بدءً من باريس وصولاً إلى تفجيرات بروكسل، وحديث الأخير عن وجود خلايا سرية لتنظيم داعش في بريطانيا وألمانيا وإيطاليا، لتصب في اتجاه الفخ الأمريكي ازاء أوروبا، فما قاله الجيمس كلابر ليس جديداً لكنّ الجديد هو أن يقول كلابر ذلك الأن. لنعمل العقل ونحفّزه على التفكير ولو قليلاً عزيزي القارىء في سياقات السابق ذكره، عبر التساؤل التالي: ما هي مكونات سلّة الهدف الأمريكي من وراء الزج بأوروبا في القتال ضد التنظيم الإرهابي؟ يهدف الأمريكي بقوّة للعمل جنباً إلى جنب مع الأوروبي الجمعي، في منطقة غرب آسيا تحت عنوان “مكافحة الإرهاب” الذي عانت منه القارة الأوروبية في الفترة الأخيرة، ووجود مئات الألاف من اللاجئين الذين قد يتضمنون خلايا نائمة، تابعة للجماعات الإرهابية، وفق العديد من المصادر الأمنية الأوروبية، يتسبب في الرد الإيجابي على الطلب الأمريكي. ويرى الأمريكي الساعي الى توظيف الأوروبي وشيطانه الأرهابي لخدمة مصالحه، أنّه عبر التعاون الأوروبي الأمريكي بشكل أكبر في المنطقة يخفّف من حدّة تداعيات أي ضربة عسكرية واسعة توجّهها واشنطن في منطقتي غرب آسيا وشمال أفريقيا على الرأيين العالمي والأوروبي. كما يرى الأمريكي أنّ دخول أوروبا بشكل واسع إلى جانب واشنطن يقطع الطريق على أي إرتدادات “خطيرة” للرأي العام الأوروبي، بتحميل واشنطن التي تنوي ليس القضاء على التنظيم الإرهابي بقدر اضعافه واعادة هيكلته وتوجيه من جديد نحو أسيا ضمن استراتيجيات الأستدارة الأمريكية، بعد عودة العراق أولوية أولى في الأمن القومي الأمريكي ازاء ايران، مسؤولية التفجيرات التي سينفّذها التنظيم في أوروبا على شاكلة باريس وبروكسل، بإعتبار أن الوصول إلى القارة الأمريكية أصعب بكثير على هذه الجماعات من العمل داخل أوروبا حيث توجد بيئة حاضنة وخلايا نائمة منذ سنوات. هذا وتسعى واشنطن من خلال فخها هذا للأوروبي عبر دعوته لمزيد من الأنخراط، الى الوصول الى حالة من مظلة تمديد فترة الإعتماد الأمني الأوروبي على أمريكا، وذلك في إطار الإبقاء على “القطب الواحد” من ناحية، وجذبها بشكل أكبر في مواجهة واشنطن مع كل من الصين وروسيا من ناحية آخر. وإذا كان التدخل الأوروبي اليوم إلى جانب أمريكا يعد تحدياً غير مباشر لروسيا، فمن غير المستبعد أن تلجأ واشنطن للخطوة نفسها في أي مواجهة مقبلة مع الصين، لاسيّما في ظل التوترات الحالية في بحر الصين الجنوبي. انّ حديث كلابر يجيء بسياقات إستعراض واشنطن قدراتها الأمنية في ظل الظروف الحالية التي تعاني منها أوروبا ازاء الأخيرة ومتساوقة مع دعوات رئيسه في هانوفر بألمانيا، هنا تجدر الإشارة إلى أن دعوة أوباما لبقاء بريطانياً، الحليف الأبرز لأمريكا، في القارة الأوروبية يصب في البوتقة نفسها، وهذا ما أوضحه الرئيس الأمريكي في الزيارة الأخيرة عندما أكّد أن وجود بريطانيا في الاتحاد يساعد على بقاء امريكا قريبة من الاوروبيين، إلا أن دعوة أوباما أثارت إمتعاض البريطانيين لتدخله في شؤونهم الداخلية، وقد جاءت أبرز الردود على لسان رئيس بلدية لندن بوريس جونسون في مقال كتبه  في “الصن” اشار فيه الى ان أوباما يحتقر بريطانيا بسبب ماضيها الاستعماري على اعتباره “نصف كيني”. أمّا السؤال هنا لماذا هذا الأنتقاء النقي لكلابر في دول محدد بدقة متناهية؟ هو انتقى بريطانيا بسبب الإنفصال عن أوروبا من ناحية، والعلاقة التاريخية إضافةً إلى تجاربها السابقة في أفغانستان والعراق، وأما ألمانيا بسبب عدد اللاجئين الذي إستقبلته خلال الفترة الماضية، في حين أن إختيار إيطاليا يتعلّق بالعملية العسكرية المرتقبة ضد تنظيم داعش في ليبيا، بإعتبار أن روما تولي هذه المنطقة من شمال أفريقيا أهميّة خاصّة. نواة العاصمة الأمريكية واشنطن دي سي صدى المجمّع الصناعي الحربي الأمريكي ذراع جنين الحكومة الدولية، تجترّها اجتراراً للأستراتيجيات الولاياتية الأمريكية السابقة مع تعديلات وتحسينات واضافات هنا وهناك، وتجديد للأدوات من دول وظيفية وحركات وأحزاب وتيّارات تنفذ الخطط والعمليات القذرة، مع تحسينات للمبرّرات واستخدامات للمصطلحات بكثافة على شاكلة المعزوفات التالية: الحرية والتحرر، وحقوق الأنسان والأنعتاق من نير الظلم، والديمقراطية والتعددية السياسية والحزبية، والحاكمية الرشيدة وتطوير الموارد البشرية، والشفافية والنزاهة، ومحاربة الفساد، وما الى ذلك من مصطلحات وكلمات تستلذ لسماعها الأذن البشرية وتطرب، وتسترخي الأجساد الذكورية والأنثوية لها على حد سواء. الثوابت الطبيعية الجغرافية، هي التي تفرض استراتيجيات الدول المختلفة الفاعلة والمقرّرة ازاء أي منطقة، وتعمل الدواعي التاريخية على تحريكها لتلك الأستراتيجيات الخاصة، بالفاعلين من الدول أو حتّى الحركات والجماعات ذات الأذرع العسكرية، والتي تكون أقل من دولة وأكبر من حزب أو حركة أو جماعة. والجغرافيا أي جغرافيا، نعم قد تكون صمّاء لكنّ التاريخ هو لسانها، وصحيح أنّ التاريخ هو ظلّ الأنسان على الأرض، فانّ الجغرافيا الصمّاء هي ظل الأرض على الزمان، ولفهم جلّ المشهد الدولي وانعكاساته على المشاهد الأقليمية في أكثر من منطقة وأزيد من مكان وساحة وتفاعلات ذلك وتداعياته، لا بدّ من استدعاء الجغرافيا والتاريخ كلسان لها، هكذا تعمل مراكز التفكير الفاعلة في جلّ ساحات المعمورة. جزء من هذه الأستراتيجيات الأمريكية حول العالم بعناوين فرعية لكنّها هامة، تتمفصل في تشجيع واسناد جلّ الحركات الجهادية المسلّحة في أماكن النفوذ الأمريكي وما يعتبر مجال حيوي وجزء من أمنه القومي، على المطالبات بالأنفصال وتشكيل الكيانات او الدويلات وعلى طول الحدود ما بين تواجدها ومراكز الدول التي تطالب بالأنفصال عنها. الولايات المتحدة وحلفائها من الغرب وبعض من عرب مرتهن، تعمل على توظيفات وتوليفات لسوق الجهاد الأممي كفردوس جهادي في تعزيز الفكر الأنفصالي الذي تنادي به الحركات المسلحة، في الرغبة بالأنفصال والأبتعاد عن مراكز الدول التي تفعّل عملها العسكري فيها، وتحت معزوفات الأستراتيجيات الأمريكية السابق ذكرها خدمة لمصالحها ومصالح حلفائها، بعبارة أخرى البعض يوهبن الحركات وبالتالي الثورات، والبعض الآخر يعمل على أخونة بعضها، أمّا الأمريكي فيوظّف ويولّف فيستثمر ويحصد، والولايات المتحدة الأمريكية مستعدة لتأمين الاعتراف الذي يتيح للحركات الإسلامية السنية الانفصالية أيّاً كانت الغطاء القانوني الدولي، وعلى وجه الخصوص عدم اتهامها بواسطة أمريكا والاتحاد الأوروبي وحلفائهم بالإرهاب، طالما انّ ذلك يخدم المصالح ويحقق لها نقاط ربح في ساحات الخصوم. واشنطن وحلفائها من غرب وبعض عرب، يريدون دولة عربية قطرية جديدة مبنية على فرز ديمغرافي وجغرافي، بأساس التجانس المذهبي وليس التجانس السياسي وخير مثال على ذلك: العراق وسورية، وباقي الدول التي يغلب عليها عدم التجانس الطائفي بدواخلها الأجتماعية ستؤول نحو التفكك والفرز الديمغرافي والجغرافي، في حين أنّ الدول التي يغلب عليها التجانس المذهبي كمصر وليبيا سيصيبها ضعف في المركز وعدم قدرة هذا الأخير(المركز)على السيطرة على الأطراف. وسلّة التحالفات الأمريكية ومن ارتبط بها، تعمل من جهة على محاصرة الأرهاب الآن ومحاربته في العراق وسورية، ومن جهة أخرى تحاول ايجاد حلول سياسية للحدث السوري فتتفاعل مع موسكو وايران، في فوضى لقاءات ماراثونية وحمّى تصريحات متناقضة، حيث يمكن اعتبار الهدفان للعاصمة الأمريكية بمثابة حصان طروادة لأكمال مسيرة التفتيت والتقسيم للمنطقة، ولكن هذه المرّة في اطار البناء الجديد المتساوق مع مصالحها وليس الهدم، حيث الأخير كان المرحلة الأولى من مشروع استراتيجية التوحش، والآن بدأت المرحلة الثانية: البناء في اطار تقسيم المقسّم وتجزئة المجزّأ وتفتيت المفتت، فهي تعمل على انشاء قوّات فصل أو ان شئت دولة القاطع المؤقته لمحور المقاومة في الرقّة السورية، ليقطع التواصل الجغرافي بين ايران والعراق من جهة وسورية وحزب الله من جهة أخرى وعبر فردوس الجهاد الدولي. أروقة صنع القرار في العاصمة الأمريكية واشنطن دي سي، تسعى الى كسب حروب الولايات المتحدة الأمريكية سواءً في سورية أو أوكرانيا، وفي صراعاتها مع الصين وروسيّا، وفي فنزويلا وجلّ أسيا وفي كوبا عبر عودة العلاقات، عبر مخططات هندسة توريط حلفائها وأدواتها، من خلال اجتراح هندسة أنواع جديدة من حروب وغزوات يخوضها الآخرون(الأدوات)، بالنيابة عنها وعن المجمّع الصناعي الحربي وبلدربيرغه في الداخل الأمريكي، فيما تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بالجلوس حول موقد نار حروبها، تلتقط الكستناء وبيض الحجل الطازج من بين ما أشعلته آيادي حلفائها وأدواتها وعملائها، بتوجيه وايعاز من نواة ادارتها(جنين الحكومة الأممية)، وعندّ الأزورار بالكستناء والبيض المشوي تحتسي النبيذ المعتّق حتّى لا تموت بازورارها. نواة(البلدربيرغ)في الولايات المتحدة الأمريكية، لن تسمح لمجتمعات الدواعش التي أنتجتها من رحم القاعدة وأخواتها باستقطاب السنّة، ولن تترك بشّار الأسد في السلطة رغم تغير مزاجها السياسي(ايحاءات تكتيكية مخادعة في فينّا)، وتعمل على طرد حزب الله من سورية، وتسعى للتغلغل داخل مفاصل الدولة الأيرانية من خلال استراتيجية التطبيع الناعم لتفجير ايران من الداخل، وتسعى لتفكيك المحور المقاوم لبنة لبنة وحلقة حلقة، وتستثمر بخبث في المعتدل من الأرهاب(وكأنّه هناك ارهاب معتدل وارهاب غير معتدل)عبر بناء معارضة سورية معتدلة قويّة من بقايا ما يسمّى بالجيش الحر وجبهة النصرة وأخواتها وحركة أحرار الشام، تضم الأكراد وأبناء الطائفة العلوية وغيرها من الطوائف الفضائيّة من خلال ساحات دول الجوار السوري، صنعوا الأمريكان داعش كعصابة فيروسية مغرقة في التطرف(نيولوك ارهاب)، بعد استثماراتهم في فكر ابن تيمية وبالتعاون مع المنظومات الوهابية، لتقديم جبهة النصرة(بنيولوك مستحدث على أنّها معتدلة)وهذه صفاقة سياسية أمريكية بل وقاحة أمريكية بامتياز. تتحوصل وتتموضع جلّ الحركات الأنفصالية الأنشقاقية في العالم، حول فكرة وبرنامج فصل جزء من أرض دولة ما عن أراضي الدولة الأم، وانشاء دولة و\ أو دويلة أخرى مشوّهة على هذه الأرض المختارة، طلباً للأستقلال والحكم الذاتي بدعاوي مختلفة، فتارة عرقية وتارة دينية، حيث القواسم المشتركة لجميع هذه الحركات الأنفصالية الأنشقاقية تتمفصل في مقاومة الدولة الأم وحكومتها المركزية لها. والمجتمعات الحيّة غير المتأمركة وغير المتصهينة، ان لجهة المحلي منها وان لجهة الأقليمي وان لجهة الدولي، تقاوم الحركات الأنفصالية الأنشقاقية وتصفها كمنظمات ارهابية، وبالرغم من تلقيها دعماً استثنائياً في بعض الحالات من جهات معينة لها مصالح خاصة في الأبقاء على هذه البؤر الساخنة.

وقد يكون الأنفصال مفهوماً ان كان بهدف الأختلاف العرقي(الأثني)أو الأختلاف الديني، لكنه لا يكون مفهوماً ولا مبرّراً عندما لا تكون هناك فوارق من أي نوع كان، وتصبح في هذه الحالة مجرد مصالح خاصة للقائمين على هذه الحركات والتي من شأنها تهديد الأمن والسلم الدوليين، عبر اختراقها لقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وعدم الحفاظ على وحدة وسيادة الدول. والارهاب الأممي والصعود الى التطرف والانفصال، موجود في عدة بقاع في العالم وخاصة الساحة الاكثر اشتعالا في سورية والعراق كذلك، حيث بدأ تنظيم القاعدة المتطرف ومشتقاته، مساعيه لفرض ما يسمى دولة الخلافة وامارة العراق وما الى ذلك من امارات ودويلات قادمة، وقد انتشرت الشعارات واللافتات في عدة مناطق سنيّة(تبشر)بهذه الخطوة، كذلك يوجد نوايا للانفصال في منطقة القوقاز الشمالي والشيشان، وهي ليست وليدة اليوم بل موجودة منذ سنوات وتسعى للاستقلال عن روسيا الفدرالية، بدعم من الولايات المتحدة التي تسعى لأستجرار النفط من بحر قزوين، وأصبحت هذه الخطوة جدية بعد سيطرتها على أفغانستان، مع أمركة واشنطن للأقتصاد الدولي عبر المؤسسات الأقتصادية الثلاث: البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، في القيام بادماج الأقتصادات العالمية ضمن اطار النفوذ الأقتصادي الأمريكي، على النحو الذي يتيح للأقتصاد الأمريكي وضعاً استثنائياً ومزايا اقتصادية دولية استثنائية خلاّقة، من شأنها أن تعزّز القدرة على نقل التضخم والبطالة وانحفاض معدلات النمو وغيرها من المؤشرات الأقتصادية الكليّة السلبية الى الأقتصادات الأخرى، يعني بالعربي هو أن يدفع الآخرون خسائر الأقتصاد الأمريكي، فعلاً شيء محزن ومضحك لدرجة الجنون. فالى جانب العديد من الحركات والتنظيمات التي تهدد الاستقرار والامن العالميين، حيث أن صعود الراديكاليين والمتشددين يدفع الى عدم الاستقرار في المنطقة، الذي يضاف الى مطبات اقتصادية خطيرة، ستشهدها هذه المناطق زيادة على توسيع شرخ الطائفية كما يجري في سورية، والسعي الحثيث الى تقسيمها لأفراغ قوّة ديكتاتوريتها الجغرافية. وكذلك العراق والعلاقات المتوترة بين السنة والشيعة والعرب والاكراد، حيث أن التطرف الديني يهدد هذا البلد تهديداً حقيقيا بالانقسام الى ثلاثة أجزاء، وعندما كانت الزعامات العراقية تنفي وجود نوايا للتقسيم، كانت آلاف الأسر العربية تهجر من المناطق الكردية وكركوك والالاف من العائلات تهجر بيوتها، تحت قوة السلاح من المناطق الجنوبية حيث الغالبية الشيعية. وكذلك الحال في الباكستان أيضا يوجد ظرفا مماثلاً وان كان مضبوطاً باتجاه السلم بدرجة أكثر، حيث المشاكل مع البشتون والبيلوجستان مستمرة، وفي العربية السعودية واجه النظام الحاكم مشاكل صعبة للغاية وما زال، مع مجموعات الانفصاليين في البلاد خاصة في المناطق الشرقية، حيث يقطن الشيعة وحيث منابع النفط والغاز وثروات أخرى طبيعية كامنة في جوف الأرض. والسودان ليس غائبا بدوره عن الصراع الداخلي، ولتقسيم الشمال السوداني الى دولتين بعد أن نجحت الحركة الشعبية لتحرير السودان، في اقامة دولة جنوب السودان، والتي يصفها كاتب هذه السطور باسرائيل أفريقيّا، والأمر يمتد كذلك في الغرب حيث المشاكل في دارفور، وينسحب نفس السيناريو استراتيجياً لاحقاً، على لبنان واليمن، وأندونيسيا وتركيا، وأفغانستان وفلسطين المحتلة، وليبيا ومصر، والمغرب والجزائر. وعلى الرغم من أن الدول العربية والاسلامية تنظر بعين القلق لمواطن الارهاب وآثاره، الا أنّ بؤراً كثيرة ينتشر فيها الارهاب بأشكال متعددة لكنها في النهاية تنصاع للتصنيف الاميركي، مهما كان الوضع الحقيقي للاطراف الواقعة تحت التصنيف سواءً ارهابا حقيقياً أم لا، لذلك أغفلت معارك مهمة كثيرة فيما وجهت قوتها لأخرى لم تكن تشكل ذلك الخطر الذي يهدد الامن الداخلي لها، مثل الوضع في تركيا واليمن والحرب في الشيشان، وفي هذه المنقطة كانت منظمات غير حكومية مدفوعة من واشنطن، تعتبر أن ما يجري في القوقاز غير خاضع للحرب على الارهاب، وأن المقاتلين هم من أجل الحرية والانفصال، علماً أنّ غالبية المقاتلين في الشيشان هم من الاجانب وعناصر في القاعدة، تماما مثل القاعدة في العراق وأفغانستان وسورية ولبنان وعلى الحدود المشتركة للأردن مع دول جواره، لكن المصالح تقتضي بعدم وضع المعركة هناك في سياق الحرب على الارهاب أي في الشيشان، والواضح ان عرقلة ادراج ما يجري هناك يعرقل المساعي التي تدفع لتحديد أطراف الارهاب الحقيقي، ويؤدي الى تشجيع الراديكالية والتطرف والانقسام الذي يصيب الدور الاسلامي في العالم في العمق، حيث ان حاجة الدول الاسلامية للدور الروسي تصب في عدة اتجاهات، وهي الدولة المحورية في العالم ومجلس الامن واللجنة الرباعية الخاصة في الصراع الفلسطيني الاسرائيلي. فعلى سبيل المثال ولتقريب الفكرة، لا يخفى على أحد أنّ الحركات السنية الأصولية الموجودة في مناطق القوقاز الشمالي: الشيشان، داغستان، أيداجيا – الشركسية، كاباردينو – بلغاريا، أنفوشيا، ترتبط بعلاقات وثيقة مع الجماعات الأصولية السنية الموجودة في السعودية والخليج العربي وعلى وجه الخصوص مع الزعماء الوهابيين والساسة السعوديين والخليجيين. فهي تقدّم الملاذ الآمن لزعماء الحركات السنية الانفصالية القوقازية، وتقديم الدعم المالي واللوجستي لهذه الحركات، وتقديم المتطوعين من المجاهدين الراغبين في القتال إلى جانب الحركات الأصولية السنية القوقازية، ونقل بعضها الى الداخل السوري مثالاً حاضراً وغيره من ساحات جغرافية تريد الهابها واشنطن، وتقول المعلومات والتسريبات بأن المخابرات السعودية لها اليد الطولى في مناطق القوقاز الشمالي، وعلى وجه الخصوص في داغستان والشيشان وأنغوشيا، وتقول التحليلات السياسية والأستخبارية بأن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وباقي وكالات المخابرات، تعتمد بقدر كبير على دعم المخابرات السعودية لها في هذه المناطق والتي تعد مناطق في صميم وجوهر بل نواة الأمن القومي الروسي. انّ تحركات مجتمع المخابرات الأمريكية في مناطق القوقاز الشمالي، ستعتمد بقدر كبير على استخدام المخابرات السعودية للقيام بدور البروكسي المخابراتي الأمريكي في هذه المناطق، والتي ظلت الحركات الوهابية السعودية تنظر إليها كمناطق للجهاد الإسلامي المقدس منذ أيام حرب الجهاد الأفغاني التي رعتها المخابرات الأمريكية والباكستانية والسعودية ضد الاتحاد السوفيتي السابق، وعبر حرب الجهاد الأفغاني نشأت القاعدة وتفرعاتها ومشتقاتها وجلّ زومبياتها. كذلك المثال الصيني ماثل أيضاً:- مع الإشارة إلى أهمية العامل الصيني، كجزء من مفاعيل تأثيرات العامل الخارجي ومثال ذلك ما حدث في قرغيزستان: ففي الصراع القيرغيزستاني – الداخلي الذي اندلاع قبل أكثر من أربع سنوات وأزيد، لارتباطاته بالصراع الصيني – الداخلي، حيث جمهورية قيرغيزستان، تتموضع جغرافياً في شمال شرق أسيا الوسطى، على جبال تيان شان، ويحدها من الشرق الصين، ومن الغرب كازاخستان وأوزبكستان، ومن الجنوب طاجيكستان، بحيث تتمتع قيرغيزستان بحدود طويلة جدّا، مع مناطق شمال غرب الصين عبر المناطق الجبلية الشديدة الوعورة، ولمسافة تزيد عن 600 كم، حيث تقع مقاطعة(سينكيانج) في شمال غرب الصين، ويسكنها أعداد كبيرة من المسلمين الأيغور، والقيرغيز المسلمين، والمطالبين بالأنفصال عن الصين، كما توجد العديد من الفصائل المسلحة الصينية المعارضة في قيرغيزستان، حيث تقدم القاعدة العسكرية الأميركية في ميناس، الدعم المالي والسياسي والعسكري والمخابراتي لها، كي تقوم هذه الجماعات المسلحة بحرب مغاوير، وعصابات داخل مقاطعة(سينكيانج)الصينية المسلمة، وتقول معلومات استخبارية ذات مصادر مختلفة ومقنعة، أنّ شبكات المخابرات الأسرائيلية، وبالتعاون مع شبكات المخابرات الأميركية والتايوانيّة، تساهم في تدريب واعداد الحركات الصينية المسلمة المسلحة والمعارضة لبكين والمطالبة بالأنفصال. قطعاً، المخابرات الصينية غير غافلة عمّا يجري، وهي تملك أكبر شبكات التجسس في العالم، وان كانت تركز على المعلومات العلمية، ودقائق العلم الأكتروني، وآخر ما توصل اليه العلم الحديث، من اختراعات الكترونية مختلفة، الاّ انّها تراقب الوضع عن كثب، وتعمل بهدوء وصمت، كونها بصورة نوايا محور واشنطن – تل أبيب الساعي، الى المزيد المزيد من تدهور وتفاقم الأوضاع من جديد في قيرغيزستان، وإعادة إنتاج الصراع السياسي الأثني الطائفي العرقي فيها، بعد تعثر وفشل المشروع الأمريكي في سورية عبر الحدث السوري، كون ذلك من شأنه أن يؤدي الى تفكيك دول أسيا الوسطى الأخرى، وصرنا نقرأ مصطلح جديد يستخدم من قبل محور واشنطن تل أبيب ومراكز البحث المرتبطة به وهو: أسيا الوسطى الكبرى، ويقود الى فوضى خلاّقة في كل أوراسيا العظمى، وهذا ما تسعى جاهدةً لأحداثه واشنطن وتل أبيب، عندّها وفي هذه اللحظة الزمنية بالذات، سوف تتدخل الصين وبقوّة وبشكل علني وغير علني، لحماية أمنها القومي والداخلي، من أخطار الأخطبوط الشيطاني الشرّير، لمحور واشنطن – تل أبيب، ومن تحالف معه من الغرب الأوروبي. تقول المعلومات حول دولة كازاخستان، أنّ الأخيرة ذات مساحات كبيرة وشاسعة وسكّانها، الكازاخ وطنيون حتّى النخاع، ويمتازون بالتماسك والشعور الوطني والأعتزاز بقوميتهم، وبالتالي هي بمثابة دولة حاجزة وعازلة، وتفصل بين الفدرالية الروسية بشكل عام، ومناطق جنوب روسيا الفدرالية بشكل خاص من جهة، وكل من قيرغيزستان، وطاجيكستان، وأوزبكستان من جهة أخرى، ومن هنا نجد أنّ موسكو صنّفت الصراع القرغيزي الداخلي عندما اندلع وقبل سنوات، بالنسبة لها بأنّه خطر ثانوي آني، فجاء التدخل الروسي عبر منظمة الأمن والتعاون الأوروبية في وقته وحينه، ولكنه لا يخرج عن إمكانية تحوله إلى خطر رئيس في حالة إعادة إنتاجه أمريكياً بعد تعثر الأخيرة في سورية. ومثال آخر المسألة الكردية بمفاعيلها وتداعياتها، على الصراع الكوني في الشرق الأوسط وعلى الشرق ذاته، وبعمق وباستمرار بروزاً وتصاعداً، وعبر متتاليات هندسية سياسية وأمنية وعسكرية، من خلال سعي حثيث محموم لزعماء الحركات الكردية الأنفصالية في الأستقواء بالخارج، عبر بناء تحالفاتهم الأمنية – السياسية – العسكرية مع القوى الخارجية، ذات التوجهات المعادية لشعوب وتاريخ منطقة الشرق الأوسط، وللعراق تحديداً ودول جواره الأقليمي والعربي، تركيا، سوريا، ايران، السعودية، الكويت، والأردن. نعم، العلاقات الأسرائلية – الكردية، تدخل في صميم وجوهر مذهبية الحركات الكردية الأنفصالية المعروفة، حيث تتوافق مع استراتيجيات حلقات الدور الأسرائلي – الموسادي في اقليم كردستان العراق، اقليم ظلّت وما تزال “اسرائيل” حاضرة فيه على الدوام. وتؤكد تقارير مخابرات اقليمية، أنّ واشنطن وتل أبيب تقدمان دعماً غير محدود لأكراد العراق، من أجل فرض سيطرة شاملة على اقليم كردستان، وجعله اقليماً كرديّاً بامتياز لجهة سكّانه، وتطهيره من أي أعراق واثنيات أخرى، عبر طرد السكّان العرب والآشورييين والتركمان، والمطالبة ببقاء نوعي لفرق القوات الخاصة الأمريكية. هذا وقد جعلت واشنطن واسرائيل من كردستان العراق( محمية كردية)، مما جعل من الأقليم الموصوف أعلاه، ملاذاً آمناً لكل الحركات الكردية الموجودة في المنطقة، ولهذا الإقليم أدوار عميقة لجهة الداخل السوري تتساوق مع رؤوس المثلث الأفعواني في الحدث السوري( لندن، باريس، واشنطن) ومن يغذيّه من بعض العرب. وفي مقارنة سريعة، بين ما تقوم به الحركات الكردية الأنفصالية في شمال العراق، وما تقوم به “اسرائيل” لوجدنا الآتي: تعمل الحركات الكردية الأنفصالية في شمال العراق، على طرد السكّان المحليين واقامة دولة كردية، وهي بذلك تطبق ذات النموذج الأسرائيلي الذي ما زال يركز، على أطروحة الحق التاريخي في الأستيلاء على أرض العرب، باعتبار أنّها تمثل آراضي دولة “اسرائيل”، في حين يقول الكرد: أنّ هذه الآراضي تمثل مملكة(مها آباد الكردية) التي كانت في الماضي، فالتساوق والتطابق واضح، بين المنطق الكردي والمنطق الأسرائيلي الأحتلالي في نفي الآخر وتاريخه. ومرةً ثانيةً الأخطر في النموذج الكردي لكردستان العراق، يقوم بالأساس على نفي التاريخ، حيث هناك الآشوريون والكلدانيون وهم أصحاب حضارة مدنية تاريخية، بأفق سياسي أقدم من كيان مملكة الكرد ( مها آباد). الدولة العبرية والولايات المتحدة الأميركية، ليس المهم والمطلوب بالنسبة لهما بالمعنى الأستراتيجي (كردستان)، وانما الذهب الأسود بالمعنى الأستراتيجي الأقتصادي، فكانت ملحمته\ ملحمة الذهب الأسود \ عبر اسقاط نظام الرئيس السابق صدام حسين، كما المهم بالنسبة لهما بالمعنى السياسي الأستراتيجي، كل من تركيا وايران وسورية، ويهدفون الى تفريغ المنطقة الكردستانية من سكّانها، وبدأ ذلك في دعم الكرد في عملية طرد العرب والآشوريين والتركمان، عبر المحطة الأولى في مخطط وسيناريو التفريغ، عن طريق قوّات البشمركة الكردية و وحدات الكوماندوز الخاصة فيها، حيث قامت وتقوم بعملية تطهير أثني- ثقافي، وستأتي المحطة الثانية من هذا المخطط، وهو طرد الأكراد أنفسهم عندما تحين اللحظة التاريخية المناسبة. انّه مخطط أميركي – اسرائيلي، بأدوات سياسية وأمنية واقتصادية وثقافية واجتماعية كردية وغير كردية، يسعى الى فتح صناديق الشر الكامن الجديدة والمستحدثة، مرةً واحدةً في اقليم كردستان العراق، فنجد واشنطن وباستمرار تدخل في عمليات اقناع للحركات الكردية الأنفصالية، بأن أميركا سوف لن تتخلّى عنهم وعن دعم طموحاتهم الكردية القومية، في دولة كردية فدرالية في المنطقة، مع طمأنة اسرائيل لزعماء الكرد بأنّها، قادرة على ممارسة الضغوط على الأدارة الأميركية من أجل حماية الكرد أينما وجدوا. وأعتقد أنّ الأستراتيجية التركية لجهة العلاقات مع اقليم كردستان العراق في ظل حليفها مسعود البرزاني، تتموضع وتتنمط من خلال ممارسة أنقرة، استراتيجية سياسية بحيث صارت أكثر ميلاً، للعمل وفق استراتيجية الأغلاق المبكرللأبواب قبل اشتداد العاصفة وريحها ومطرها، أو من خلال مواصلة الأسلوب الذي كانت تقوم به تركيا سابقاً، ازاء التعامل المبكر الأستباقي مع الأزمة الكردية. فأنقرة ترفض رفضاً مطلقاً اقامة دولة كردية في شمال العراق، مع تعاظم لفيتو اقليمي رافض لوجودها، وترفض أنقرة ضم منطقة كركوك الى اقليم كردستان، وحربها مستمرة ضد حزب العمال الكردستاني. مقابل هذه الأستراتيجية التركية، هناك ثوابت ومبادىء كردية، تتمثل في اقامة مناطق حكم ذاتي كردية في جنوب تركيا، غرب ايران، شمال شرق سوريا، على غرار اقليم كردستان العراق، مع ضم كركوك الى الأقليم الكردستاني، مع عدم قيام أي جهة بالتدخل سياسياً أو اقتصادياً أو عسكرياً في اقليم كردستان العراق، كي يكون الأقليم ملاذاً آمناً للحركات الكردية التركية والأيرانية والسورية المعارضة الأنفصالية، كما أسلفنا في السابق من القول. ومع ذلك لا استدارات أمريكية كاملة في المنطقة وخاصةً ازاء الحدث السوري، بل هناك ادارة للأزمة، وما يجري من حراك دبلوماسي وسياسي ومخابراتي واقتصادي يوحي أنّ هناك استدارات أمريكية، بالرغم من وجود تفاهمات سياسية تصل درجة الأتفاق السياسي في قلب الأتفاق النووي، وبالرغم من طلب مؤسسة راند البحثية الأمريكية، والتي تقدّم استشارات للمؤسسة العسكرية الأمريكية من البنتاغون ومجتمع مخابراته البدء بالمرحلة الأنتقالية في سورية ببقاء الرئيس الأسد وبقيادته واشرافه. اذاً اتفاق سياسي أمريكي ايراني في قلب اتفاق ايران النووي، اتفاق سياسي على اعادة تشكيل المنظومة الأقليمية في المنطقة، اتفاق حصلت عليه ادارة أوباما والسؤال هنا: هل نحن عندّ عتبة الحل السياسي في سورية؟. ولأنّ السياسة الدولية هي فن ادارة التناقضات، نجد واشنطن تدعم قوات الحماية الكردية السورية في مواجهة داعش، فهي تدعم ذراع PKK السوري ضد تلك العصابة، بما يتناقض مع المصالح التركية، فهي تدعم قوات الحماية الكردية لمحاربة عصابة داعش، لكن دون مواكبتهم في بناء مشروعهم السياسي حتّى لا تغضب تركيا، حيث الأكراد السوريين صاروا يتمتعون بفائض قوّة يزعج أنقرة. ويبدو أنّ الأكراد حاجة أمريكية وايرانية على السواء في مشروع النظام الأقليمي الجديد للمنطقة، حيث واشنطن تسهّل الدور الكردي على الأرض في الحرب على داعش كما في تل أبيض وكوباني، مع التأكيد أنّ ايران لن توافق على تسوية للنزاع في سورية، من شأنها أن تقطع أو تلغي الجسر الذي يتلقى حزب الله امداداته منه، لذلك قلنا ومنذ البدء أنّ معركة القلمون السوري هي معركة صراع الأرادات الدولية والأقليمية.

وما زلنا نلحظ اتصالات سعودية سورية في القناة الروسية غير معلنة، في حين أنّ الرئيس في لبنان يكون بوضع سورية على سكّة الحل السياسي، مع التأكيد أنّه لا تطورات ولا استدارات الآن، وسيبقى الملف الرئاسي في لبنان على لائحة الأنتظار الأقليمي والدولي. وهل نحن بصدد ترجمات سياسية للفعل العسكري الروسي في سورية مترافق مع تسييل اقليمي للآتفاق النووي تحت وضع المنطقة كلّها على سكة التسويات؟ هل حسم اليمن للسعودية والعراق لأيران؟ وهل حسمت سورية لروسيّا وليبيا لأمريكا؟ حسناً اذاً أين باقي الساحات في المنطقة؟ هل غدت تفاصيل؟ ساحات قد تصبح فرق عمله بسبب استراتيجيات الطبخ الرديء، والتي لا تنتج الاّ سياسات باعة الأرصفة يوم الجمع، وبسبب دبلوماسيات الصعاليك. وفي لبنان نتجه الى صيغة جديدة أقل من الطائف وأكثر من الدوحة، أو اعادة هيكلة للطائف لا هندرة، كون الأخيرة تعني الشطب، وان كان الشطب لأتفاق الطائف يريح المارونية في لبنان، كون الدور السياسي تراجع للأخيرة، ومنذ تطبيق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية. هل طاولة التسويات السياسية صارت تلفح الجميع، بما فيها الساحة اللبنانية والفلسطينية وارتباطاتهما بالساحة الأردنية(الأمريكي ومعه الأسرائيلي من تحت الطاولة يعتبرانها الحلقة الأضعف)، وان كان ما يجري في المنطقة الآن وبعد الفعل العسكري الروسي في سورية، هو بمثابة ادارة للأزمات في الشرق الأوسط لحين نضوج الحلول، فالنتائج ما زالت صفراء وصفراء وصفراء، بالرغم من صدور القرار الأممي 2254 و 2253. وتأسيساً على ما تم ذكره سابقاً، هناك جهود روسية عميقة تتموضع بشكل أساسي على تحقيق أو خلق مقاربة تمهد لنصف استدارة على طول خطوط العلاقات السورية السعودية، والسعودية الأيرانية عند عتبة نضوج الصفقة الأقليمية والدولية. فلا أفق لأي حل سياسي ان في سورية بمعزل عن الرياض وحلفائها، وان في اليمن بمعزل عن دمشق وطهران وحلفائهما، وبعبارة أكثر وضوحاً في هذه الجزئية(اليمن مقابل سورية)، بالرغم من رؤية البعض أنّ الحل في سورية يكمن في الحل العسكري لتطهير الجغرافيا السورية من زبالة الأرهاب المصنّع في الداخل السوري والمدخل اليها، عبر الطرف الثالث في الحدث السوري العسكري والسياسي. فروسيّا هي من تهندس اللقاءات السورية السعودية غير المعلنه أو في طريقها لذلك، لخلق المقاربات للوصول الى الأنصاف في الأستدارات، والتي حتماً ستقود في النهاية الى استدارات كاملة وشاملة وقاطعة لحظة النضوج، لكنها تحتاج الى عمليات استثمار في الوقت وبالعمل التراكمي وسيأخذ ذلك زمناً. والعاملين في كواليس مطابخ صنع القرار الروسي يجهدون لأنتاج حل للمسألة اليمنيّة أو الحدث اليمني، وهو ذات الجهد والمجهود لأنتاج حلحلة الحل للمسألة السورية وملحقات الحل، ان في لبنان، وان في العراق، وان في ليبيا، والغائب فلسطين كل فلسطين المحتلة، اللّهم الاّ فيما يتعلق بجعل الساحة الأردنية كمخرجات للملف الفلسطيني، والذي صار ملفاً ثنائيّاً بامتياز على المسار الفلسطيني الأسرائيلي، كجزئية من مشهد الصراع العربي الصهيوني الأستراتيجي ككل، حيث المستفيد الوحيد والأوحد “اسرائيل” من كل ما يجري.

 

 

*كتب: المحامي محمد احمد الروسان*

*عضو المكتب السياسي للحركة الشعبية الأردنية*