ثقافة

الكون الكوانتي والكون النسبي والكون الآخر ووحدة الوجود

 

 

رهانات الأصل والمآل، الصدفة والنظام، اللانهاية والحدود، النسبية والإطلاق، الزمان والمكان اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر.

 

1 ــ

منذ أن ظهر الوعي وملكة التفكير والتأمل، التي ميزت الإنسان عن غيره من الكائنات، والبشر يفكرون ويطلقون العنان لمخيلتهم، ويعبرون عنها فلسفياً ودينياً وعلمياً. تبلورت التساؤلات الوجودية حول أربع مفردات جوهرية هي: كيف ولماذا وأين ومتى؟ . وهي ترتبط بالوجود وما فيه من موجودات، مادية وغير مادية، ظاهرة وخفية، واقعية ووهمية، حقيقية ومتخيلة.

لماذا نحن موجودون وما الغاية من وجودنا؟ ما علة وجود الكون الذي نعيش فيه وهل هناك شيء ما وراءه؟هذا في حالة كونه محدود ونهائي. ولكن هل له أصل وبداية ومصير ونهاية؟ أم هو أزلي وأبدي أو سرمدي؟ هل هو مخلوق أم موجود بلا بداية ولا نهاية؟ هل للصدفة وجود فاعل ومؤثر أم كل شيء خاضع لنظام دقيق للغاية؟ هل سيفنى الوجود أم هو خالد؟ لماذا يوجد شيء ما بدلا من لاشيء؟ ولماذا يكون الكون على ما هو عليه وكما يبدو لنا ظاهرياً وليس على نحو مختلف؟ من أين جاء الكون وكيف ومتى ولماذا؟

هناك إجابات نسبية، وأخرى تدعي الإطلاق. وهناك نظريات وفرضيات علمية عديدة، ومعتقدات ثيولوجية وخرافات وأساطير، مشاهدات وحقائق نسبية وأوهام كثيرة, وهناك قوانين علمية كونية جوهرية وأديان ومعتقدات مختلفة، تصدت كلها لتقديم إجابات على هذه التساؤلات التي أقلقت مضجع البشرية على الأرض، وربما أيضاً مخلوقات ذكية وعاقلة أخرى تجوب الفضاء الكوني تبحث هي الأخرى عن سر وجودها وربما سبر أغوار سر الوجود نفسه.   وها هو الانسان أمام معضلة اللانهاية الكونية وعليه أن يقرأ ويفهم ويفك طلاسم ما يمكن أن نسميه “الأسس الجوهرية للمقاربة الكونية عند العامة من البشر كما عند العلماء والمتخصصين”.

منذ فجر الإنسانية وتشكل المجتمعات، سواء البدائية منها أو المتحضرة، نجد فيها وفي الأديان التي حكمتها أموراً وقصصاً وحكايات ونصوص تتعلق بالكون. وفي الماضي السحيق كان الموضوع مرتبط بالسلطة الكهنوتية والوحي الذي تمليه وترسله الآلهة أو الإله الواحد، فالسماء في حقب تاريخية كثيرة كانت في نظر البشر مليئة بالآلهة والأبطال الأسطوريين المنحدرين من تلك الآلهة ومعهم كم هائل من العفاريت والوحوش الهائلة والكائنات الخارقة وبالتالي أعتقد البشر آنذاك أن العالم والكون وطريقة سيره ما هو إلا نتيجة مباشرة لقوى خارقة للطبيعة. فكانت بعض الشعوب في الصين على سبيل المثال يؤمنون بوجود وحش كبير ومرعب يبتلع الشمس ليفسروا عملية الكسوف وكانوا يقيمون احتفالات ويحثون ضوضاء كبيرة وضجة عالية لإرعاب الوحش وإخافته كي لا يبتلع الشمس إلى الأبد وعندما تشرق الشمس ثانية يعتقدون أنهم نجحوا في طقسهم هذا ولم يكن معروفا لديهم بالطبع أن الكسوف مرتبط بدوران القمر حول الأرض ودوران الإثنين حول الشمس. وكان أكثر ما يثير حيرة البشر وخوفهم على مر العصور هو المجهول والموت وما بعد الموت والحياة وسرها والأصل والمصير واللانهاية.

 

ما هي اللانهاية؟

قال الفيلسوف والشاعر الألماني العظيم غوته : “يجب أن نحلم بالمستحيل لتحقيق كل ما هو ممكن”.أما غاليلو غاليله فقد قال: إن كتاب الطبيعة مكتوب بلغة الرياضيات ويقصد بالطبيعة هنا الفيزياء الكونية.

بين الأعوام 1623 و1662 عاش الفيلسوف الفرنسي باسكال وقال جملته الشهيرة:” إن الصمت الأبدي لهذه الفضاءات الممتدة إلى اللانهاية يرعبني”.

فالإنسان ضائع بين اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر. فأصغر جسيم في الكون هو الوتر وهو أصغر بكثير من الكوارك وقياسه هو 10-33 من الملليمتر أي إن الإنسان في هذا الكون المرئي هو بمثابة اللاشيء أو هو أقرب إلى العدم منه إلى الوجود، فما بالك لو قارنته بالكون المطلق الحي اللانهائي الأبعاد، الذي يعتبر كوننا المرئي، بما يحتويه من مئات آلاف المليارات من المجرات والحشود المجرية والنجوم والكواكب والغازات والسدم والعناقيد المجرية، ليس أكبر من مجرد جسيم صغير غير مرئي هو أقرب إلى اللاشيء منه إلى الكينونة. في هذا الإطار وحده يمكننا أن نتحدث عن اللانهاية المتعددة الوجوه .

بين الأعوام 1878 و1955 التي عاش فيها عالم الرياضيات إدوارد كسنر، زار مدرسة إبن أخيه الابتدائية وكتب على السبورة رقم واحد ويليه مائة صفر ملأت السبورة وطلب من التلاميذ إعطاء إسم لهذا الرقم فلم يتردد الطفل ذو التسعة أعوام أن يقول إنه الغوغول، وهو الإسم الذي استوحاه مصممو محرك البحث الشهير غوغل للدلالة على لا نهائية المعلومات التي يمكنه أن يختزنها في الشبكة العنكبوتية. ثم ابتكر عالم الرياضيات نفسه رقما مهولاً آخر هو عشرة أس عشرة أس مائة 10100 10، ولو وضعنا في كل نصف سنتمتر صفر أمام الواحد فسوف نحتاج إلى مسافة تفوق نصف قطر الكون المرئي وسماه العالم الغوغولبليكس Googlplex، وهذه المسافة بالمقاييس الفيزيائية هي ما يعادل الــ 47 مليار سنة ضوئية، أي ما يقطعه الضوء بسرعة 300000 كلم في الثانية الواحدة خلال 47 سنة وهناك ما هو أكبر من هذا العدد بكثير يستمر إلى اللانهاية لذلك يقول علماء الرياضيات أن المجموع: 1+2+3+4+… “يتباعد” حتى اللانهاية. ولو وضعناها في كلمات فضفاضة أكثر، نقول أن هذا المجموع للأرقام المتتالية “يساوي” اللانهاية.

ومن هنا يمكننا القول أن اللانهاية هي كينونة رياضية لايمكن للبشر تصورها أو إدراكها أو استيعاب حقيقتها. ولقد دخل مفهوم اللانهاية الرياضياتية إلى الوعي البشري بفضل الفلاسفة الإغريق في القرن السادس قبل الميلاد، وتجدر الإشارة إلى أن التفكير الرياضي كان موجوداً قبل ذلك بزمن طويل في الحضارات الهندية والصينية والبابلية والمصرية، حيث كانوا يستخدمون الرياضيات لغايات عملية تطبيقية وحسابات نفعية كما كان الحال في إنشاء الإهرامات على سبيل المثال. لكنهم لم يتطرقوا من قبل لهذا المفهوم التجريدي، أي اللانهاية. ومن البديهي القول أن مفهوم اللانهاية ينطوي على الكثير من المفارقات التي أشار إليها الفيلسوف الإغريقي زينون في الأعوام 495 و435 ما قبل الميلاد وهو تلميذ الفيلسوف الإغريقي الفذ بارمينيدس الذي عاش في الأعوام 495 و440 قبل الميلاد الذي كان ينادي بفلسفة الديمومة ويرفض مفهوم التطور، فالعالم من وجهة نظره موجود منذ الأزل وسيبقى إلى الأبد وهو لا نهائي فلا بداية له ولا نهاية وأي تغيير يحدث ما هو إلا وهم.

الكون المرئي هو المكان الأنصع الذي يتجلى فيه مفهوم اللانهاية . فلو كان الكون لانهائياً في مساحته وأبعاده سوف نواجه معضلة العودة السرمدية حيث لكل واحد منا على وجه الوجود سيكون له عدد لامتناهي من النسخ أو الأشباه وفق مبدأ التكرار الدائم وحسب أطروحة تعدد الأكوان والأكوان المتوازية. وكان التقدم التكنولوجي والعلمي الذي تحقق في العقود الأخيرة قد أضفى معنى جديد على مفردة اللانهاية فلم يعد الأمر يقتصر على كون واحد هو كوننا المرئي الذي نعيش فيه ونعرفه، بل على عدد لامتناهي من الأكوان المتوازية والمتداخلة والمتجاورة والتي تتواجد في حيز لامحدود ومذهل هو الكون المطلق السرمدي الأزلي والأبدي الذي لابداية له ولا نهاية، الكون الحي الدائم التطور. فالتفاعل الحاصل بين النهائي واللانهائي يفرز حتماً، نظرياً ورياضياً على الأقل، تناسخ الموجودات، لاسيما عندما نجهل الشكل الهندسي للكون المرئي الذي يبدو مسطحاً وممتداً غلى اللانهاية في حين تقول لنا نظرية النسبية لآينشتين أن الكون محدب أو منحني وبالتالي لانعرف هل لهذا الكون المرئي أو المنظور أطراف وحدود ونهايات معلومة. للخروج من هذا المأزق التنظيري اقترح العلماء أن يكون كوننا المرئي محدوداً كروي الشكل كأنه فقاعة وسط عدد لامتناهي من الفقاعات ــ الأكوان أو الفقاعات الكونية تتداخل وتتفاعل وتتجاور فيما بينها داخل حيز كوني مطلق لامتناهي ومن تصادمات تلك الفقاعات تنشأ باستمرار أكوان جديدة وانفجارات عظيمة جديدة ومتكررة على غرار الانفجار العظيم البغ بانغ الذي أولد كوننا المرئي أو المنظور، كما تخبرنا بذلك مباديء الفيزياء الجوهرية وقوانين الفيزياء الكمومية أو الكوانتية والفيزياء النسبوية اللتان تتعاطيان مع اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر. وهناك محاولات علمية محمومة للتوفيق والتوحيد بين النظريتين، الكمومية والنسبية، للوصول إلى النظرية الموحدة الشاملة .

 

الصدفة أم التنظيم الفائق؟:

أما الصدفة فهي مفهوم مجرد وذو معاني متعددة. فهي موجودة في حياتنا اليومية ونعزو لها الكثير من الأحداث، ولكن هل للصدفة وجود حقيقي في هذا السيناريو الكبير لكوننا المرئي بعد مرور 13.825 مليار سنة من الانفجار العظيم وما زلنا نطرح هذا السؤال؟.

من الذرة وما دونها إلى النجوم وما فوقها، نجد أن الواقع الذي يحوطنا ما هو إلا لغز مهول كما قال ذلك آينشتين سنة 1954 لصديقه العالم بيسو. والحال أن هذا الكون المرئي يقوم بكل ما في وسعه لكي يدفع جزء من مكوناته العاقلة والذكية الحية، أي البشرية، لكي تفهمه وتفك طلاسمه عبر كم من الرسائل المشفرة والألغاز والأحاجي والقوانين الظاهرة والمضمرة والثوابت الكونية الدقيقة، وكل ما تمكن منه الإنسان هو أن يتساءل : هل كل ما هو موجود يعتمد على الصدفة المحضة أم يخضع لنظام دقيق وعميق لا نعرف كنهه لحد الآن؟ . هناك بالفعل تناسق وتصميم عظيم ومذهل وشامل وهارمونية مدهشة تتجلى في تصميم الإنسان نفسه من أصغر خلية فيه إلى أعقد جزء من تركيبته ألا وهو الدماغ مما يدل على نظام غاية في الدقة والتحكم، وهذه هي الذريعة التي يتمسك بها أتباع نظرية الخلق الإلهي المباشر les créationnistes لا سيما في الأديان السماوية الثلاث الرئيسية. هناك الصدفة العادية التي نصادفها في حياتنا في كل يوم وهذه لاتحدث أي تأثير على مجريات الكون المرئي ولا تغير شيئاً في مجراه ومصيره أو ديمومته. فالصدفة النسبية قد تؤثر وقد لا تؤثر في حياة الإنسان . فلو عثر أحدكم صدفة على قطعة نقد بقيمة يورو فسوف لن تحدث تأثيرا عميقاً على مصيره إلا في حالات استثنائية جداً وكل مايمكنه أن يفعله بها هو شراء رغيف خبز إذا كان جائعاً ولكن لو عثر على علبة تحتوي على مليون يور فبالتأكيد سيكون لذلك المبلغ الكبير شأن مهم ومؤثر على قادم الأيام بالنسبة للشخص الذي يعثر عليه وسيغير حياته ومشاريعه كلياً. أما الصدفة على المستوى الكوني فلا وجود لها وإن وجدت ظاهرياً فهي في حقيقة الأمر نتاج لعملية معقد من الحسابات والقوانين المتضافرة التي أدت إلى حدوثها على نحو حتمي في مكان وزمان معينين. بمعنى آخر أن الكون المرئي والكون المطلق والوجود برمته لم يوجدوا بمحض الصدفة.

 

معضلة الزمن:

كان العلماء، ولغاية بداية القرن العشرين وظهور نظرية النسبية لاينشتين، يعتقدون أن الزمن كينونة مستقلة ومكون جوهري للوجود مستقل ولا يؤثر عليه شيء. وبقي لغزاً محيراً لاسيما فيما يتعلق بمجراه وصيرورته، فهو ينطلق باتجاه واحد لا يمكن عكسه كما كانوا يعتقدون. إلا أن النسبية أوضحت لنا ماهية أخرى للزمن وتفاعله في وحدة كونية واحدة أسماها آينشتين ” الزمكان” ما يعني أنهما شيء واحد بطبيعتين متميزتين يمكن أن يتحول أحدهما للآخر فيما لو توفرت شروط معينة . وإن اتجاه الزمن لايظهر أو يبدو واضحاً للإدراك إلا بتواجد الحرارة. فالحرارة ماهي إلا ترددات إحصائية لشيء ما بما في ذلك ” الزمكان الآينشتيني” في حين نجد أنه لاوجود للزمن في النظرية الثقالية الكمومية أو الكوانتية الحلقية أو التعاقبية la gravité quantique à boucles .. وبالتالي يطرح التساؤل ذاته عبر العصور، ماهو الزمن وما هو مجراه؟

كانت هذه الإشكالية مطروحة في الفيزياء الكلاسيكية وتعاطت معها الفلسفات والأديان خاصة في القرنين التاسع عشر والعشرين، وأصبحت مسألة عويصة وحادة في الفيزياء المعاصرة في القرن الواحد والعشرين. فالفيزياء تصف العالم بطريقة الصيغ الرياضية والمعادلات التي تقول لنا كيف تتنوع الأشياء وفق تنوع عامل الزمن . وبالإمكان كتابة صيغ تصف تنوعات الأشياء حسب تنوع موقعها أو تنوعات الذوق والطعم. لماذا يبدو الزمن بالنسبة لنا وكأنه يجري بمعزل عنا وبالرغم منا؟ وبالتالي ماذا يعني ” الحاضر ” بالنسبة لنا والماضي والمستقبل كذلك؟

لا يوجد في الفيزياء شيء يتعلق بفكرة ” الآن” . ولنقارن ” الآن” بــ ” هنا” فهذه الأخيرة أي الــ ” هنا” تصف مكان أو موضع يتواجد فيه المتكلم . وبالنسبة لشخصين مختلفين فإن كلمة ” هنا” تشير إلى مكانين مختلفين . لهذا فإن مفردة ” هنا” يعتمد معناها على الموقع الذي تلفظ فيه حيث يتواجد من ينطقها. أما مفردة ” الآن” فتشير للزمن الذي يتواجد فيه من يتكلم، بمعنى آخر بالنسبة لحالتين مختلفتين فإن ” الآن” تشير إلى زمنين مختلفين، ومن هناك نعتقد أن التشابه بين ” الآن” و” هنا ” كبير. ولكن نحن نقول أن الأشياء الموجود هي تلك التي توجد ” هنا” لأننا نراها ونلمسها وندرك وجودها بحواسنا. فماضيها لم يعد موجوداً من الناحية المادية ومستقبلها لم يحن بعد، في حين لايوجد من يقول أن الأشياء ” هنا” موجودة والأشياء التي ليست ” هنا” غير موجودة. ففي مدينة بوردو لايوجد برج إيفل وهذا لايعني أننا يمكن أن نستنتج أن البرج غير موجود. لماذا إذن يحق لنا أن نقول أن الأشياء التي هي ” الآن” موجودة وليس غيرها؟ فهل الحاضر أمر موضوعي، أو شيء يجري، ويجعل الأشياء موجودة الواحدة بعد الأخرى، أم هو فقط أمر ذاتي مثل الــ ” هنا” ؟

الفيزياء الحديثة تناولت هذه الإشكالية بجدية لأنها باتت ملحة لأن نظرية النسبية أثبتت لنا أن مفهوم ” الحاضر” مفهوم ذاتي هو الآخر . فعلماء الفيزياء والفلاسفة المعاصرون توصلوا إلى استنتاج أن فكرة ” حاضر معلوم في كل الكون” ما هي إلا وهم، وإن الجريان العام للزمن هو تعميم تعسفي. ولقد كتب آينشتين في تأبين أحد أصدقائه المقربين وهو ميشيل بيسو قائلاً ” لقد غادر ميشيل هذا العالم الغريب قليلاً قبلي. وهذا لا يعني شيئاً، فالناس العاديين الذين يعتقدون بصحة الفيزياء والعلم يعلمون أن التمييز بين الماضي والحاضر والمستقبل ليس شيء آخر سوى وهم متأصل فينا”. وبالرغم من هذا التشخيص من قبل هذا العقل العبقري فلايوجد ما يوضح أو يشرح لنا حقيقة أن الزمن بالنسبة لنا نحن الناس العاديين ” يجري” أو ” يمضي” وهو أمر بديهي بالنسبة للشخص فأفكارنا وأقوالنا موجودة في الزمن وبنية لغتنا تنطوي على جوهرية عامل الزمن وضرورته فالشيء بالنسبة لنا إما ” كان” أو هو ” كائن الآن ” أو ” سيكون” . يمكننا تخيل عالم بدون ألوان أو بدون مادة بل وربما بدون مكان ولكن من الصعب جداً تخيل عالم بدون زمن. ولقد أشار الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر إلى أننا ” نسكن الزمن” . هل يمكن أن يكون جريان الزمن الذي قصده هيدغر وقدمه كأولوية، يكون غائباً في الوصف الجوهري للعالم؟ بعض الفلاسفة، ومنهم أتباع هيدغر، استنتجوا أن الفيزياء عاجزة عن وصف الجوانب والملامح الأكثر جوهرية للواقع وجردوها من هذه القابلية، بصفتها طريقة معرفة خادعة. ولكن مع مرور الوقت أدركنا أن توقعاتنا الآنية وحدسنا كانا غير دقيقين ولو بقينا معتمدين عليهما لبقينا إلى اليوم نعتقد أن الأرض مسطحة وأن الشمس هي التي تدور حولها . فحدسنا ناجم عن تجربتنا المحدودة . ولو نظرنا إلى أبعد قليلاً لاكتشفنا أن العالم ليس هو كما يبدو لنا ظاهرياً . فالأرض كروية وأن الناس التي تعيش في استراليا أقدامها إلى الأعلى ورؤوسها إلى الأسفل بالنسبة لنا، وهم لايشعرون بذلك . فليس من الحكمة الركون للحدس الآني أكثر من النتائج الناجمة عن الاختبار الجماعي والعقلاني الدقيق والذكي . فمن أين جاءنا هذا الإحساس بمرور وجريان الزمن؟ قدم لنا العلم بداية لتقفي الأثر بغية التوصل لإجابات علمية مقنعة وذلك عن طريق الربط بين ” الزمن والحرارة” حيث لا يحدث اختلاف وتميز بين الماضي والمستقبل إلا في حالة وجود تدفق حراري، وذلك بسبب أن الحرارة مرتبطة بالاحتمالات في الفيزياء وهذه مرتبطة هي الأخرى بدورها بحقيقة أن تفاعلاتنا مع باقي مكونات العالم لا تميز التفاصيل الدقيقة للواقع، الذي هو أعقد بكثير مما يبدو لنا في الظاهر.

فجريان الزمن أمر فيزيائي ولكن ليس في إطار الوصف الدقيق لحالة الأشياء، بل في الإطار الإحصائي والترموديناميك، أي الديناميك الحراري. وبالتالي فإن الترموديناميك هو المفتاح للغز الزمن. فالحاضر لا يوجد على نحو موضوعي بقدر عدم وجود ” هنا” موضوعي. فالتفاعلات، على المستوى الميكروسكوبي، للعالم تؤدي إلى انبثاق ظواهر زمنية لنظام ما ” نحن على سبيل المثال”، لا تتفاعل إلا مع” ربوات” أومع كم من المتغيرات.

فذاكرتنا ووعينا يتم تطويرهما على هذه الظواهر الإحصائية. وبالنسبة لذهنية متقدة تنظر عميقاً وترى مجمل الأحداث والظواهر، لا يوجد زمن ” يجري” وإن الكون ليس سوى كتلة واحدة من الماضي والحاضر والمستقبل في آن واحد. ولكن هذه النظرة الثاقبة التي ترى كل شيء في نفس الوقت هل هي ممنوعة،كما يعلمنا الميكانيك الكمومي أو الكوانتي، حيث ليس عبر التفاعلات تتجلى الأشياء؟ فنحن الكائنات الذكية الواعية والمفكرة نسكن الزمن لأننا نرى فقط صورة ملطفة للعالم. ومن ضبابية رؤيتنا للعالم يأتي إحساسنا بمرور وجريان الزمن ليس إلا. وماذا بعد؟ لم تتضح الفكرة كما ينبغي.

قام العالم الفيزيائي البريطاني الفذ ستيفن هاوكينغ بحسابات مضنية وصعبة ومعقدة في هذا المجال مستنداً إلى معطيات ومعادلات ورياضيات الميكانيك الكمومي أو الكوانتي ونجح في أن يظهر يثبت لنا أن الثقوب السوداء دائماً ” ساخنة” وتبث حرارة على غرار مدفأة البيت الحرارية هذا هو المؤشر الأول للمكان أو الفضاء الساخن رغم أنه لايوجد شخص راقب أو رصد هذه الحرارة لأنها ضعيفة جداً في الثقوب السوداء الحقيقية التي نرصدها في الفضاء بيد أن حسابات هاوكينغ مقنعة جداً، وتمت مراجعتها وتدقيقها عدة مرات وبمختلف السبل حتى صارت حرارة الثقوب السوداء حقيقة علمية معترف بها من قبل العلماء. والحال أن حرارة الثقوب السوداء ما هي إلا تأثير كمومي أو كوانتي effet quantique على شيء أو على الثقب الأسود الذي هو ذو طبيعة ثقالية . إن الكمومات أو الكوانتات الفردية للفضاء، أي الحبيبات الأولية للمكان أو الفضاء اللامتناهية في الصغر، أو ” ذرات الفضاء أو المكان” التي، بترددها، تقوم بتسخين واجهة الثقب الأسود. وهذه الظاهرة تتضمن في آن واحد الميكانيك الساكن الإحصائي والنسبية العامة وعلم الحرارة. وإذا بدأنا نفهم شيئاً ما بخصوص الثقالة الكمومية أو الكوانتية التي تجمع بين عدة قطع من اللغز فإننا لا نمتلك بعد أية مسودة لنظرية قادرة على الربط بين القطع الثلاث لمعرفتنا الجوهرية عن العالم ألا وهي الكم أو الكوانتا، والثقالة أو الجاذبية، والترموديناميك، ومازلنا لا نفهم كيف ولماذا تحدث هذه الظاهرة . فحرارة الثقب الأسود قد تكون حجر الأساس لصياغة نهائية من ثلاث مكونات كونية جوهرية وهي: الكونتا أو الكم والجاذبية أو الثقالة والترموديناميك بانتظار فك شفرتها أو ترميزها لكي تخبرنا عن حقيقة جريان الزمن وكيف ولماذا.

بعد هذه المقدمة يتعين علينا الآن إلقاء نظرة أولية عن حقيقة الكون المرئي ومفهوم تعدد الأكوان:

بنيت المقاربة البشرية للوجود على الهرم المعرفي الذي يستند على ثلاث دعامات منذ ظهور الوعي البشري إلى يوم الناس هذا. وهذه الدعامات هي العلم والفلسفة والثيولوجيا، ولكل منها تفرعاتها. فالفلسفة هي التأمل والتساؤل حول المسائل الوجودية والغوص في المطارحات الفكرية على مر التاريخ ولها رجالاتها وتاريخها ومدارسها الفلسفية للوصول إلى حقيقة ما، والثيولوجيا نعني بها كافة الأديان السماوية والوضعية والمعتقدات الواقعية والماورائية أو الغيبية، وهي الأخرى لها تاريخها وأساطيرها وأبطالها وأنبياءها ورسلها ومؤسساتها التي حكمت وما تزال تحكم البشرية وتدعي أنها وحدها التي تملك الحقيقة المطلقة، وتمتلك سر الحياة والموت وما بعد الموت، لأنها مرتبطة بالسماء وبالخالق الأعظم، أما العلم فله فروعه المتعددة، كالرياضيات والبيولوجيا والكيمياء والفيزياء، وهذا الأخير، أي علم الفيزياء هو الذي سنركز عليه لأنه هو الأداة التي تعاطت مع المقاربة الكونية لدى البشر ودخلت في صراعات عنيفة مع الدعامتين الأخريين المشار إليهما أعلاه أي الفلسفة والثيولوجيا فيما يتعلق بمفهوم الوجود والكون.

 

فما هو الكون؟

تعني مفردة “الكون” (univers) كل ما هو موجود، فهي تشمل المكان والزمان الماديين، وهذا الأمر يفرض علينا سؤالًا مضمونه هل هناك شيء ما خارج الكون؟ أي هل يمكن أن يكون هناك أكثر من كون؟. من المؤكد أن كل كون آخر يجب أن يكون جزءًا من كل ما هو موجود أي جزء من كينونة مطلقة، وبالتالي، لا بد أن ينتمي إلى “الكون الأشمل أو المطلق.

 

الكون الذي نعيش فيه هو الكون المرئي:

في البداية، لنلق نظرة على ما نعتبره “كوننا” وهو الكون المرئي الذي نعيش فيه وندرسه ونتعامل مع قوانينه المادية الجوهرية. يعتقد العلماء وباختصار شديد أن بداية كوننا المرئي كانت في “الانفجار العظيم” (Big Bang) وذلك قبل حوالي 13.8 مليار سنة. في ذلك الوقت، كان الكون يتمتع بدرجة حرارة وكثافة مرتفعتين للغاية، وعندما بدأ الكون يبرد بعد الانفجار العظيم، بدأت المادة بالتشكل، وانتهى بها المطاف أن تتجمع مكونةً الكواكب، والنجوم، والمجرات التي نراها اليوم.

لا يمكننا رؤية الكون المنظور والمرصود كله، وذلك لأن الضوء يستغرق وقتاً في سفره عبر الفضاء قادماً من المجرات أو النجوم البعيدة، بسرعة ثابتة هي 300000 كلم في الثانية، حتى إن بعض هذا الضوء لم يتسن له الوقت الكافي ليصل إلينا بعد. يتكوّن “الكون المرئي” من جميع مناطق الكون التي يمكن للضوء أن يصل منها، وذلك منذ حدوث الانفجار العظيم حتى اليوم. وهذا هو الجزء من الكون الذي يمكننا رؤيته بشكل أساسي إذا كانت لدينا المُعدّات المثالية اللازمة لرصد ذلك الضوء.

تبلغ المسافة بيننا وبين حافة الكون المرئي في هذه اللحظة حوالي 41.4 مليار سنة ضوئية. قد يبدو الأمر غريباً في البداية، فإذا كان عمر الكون 13.8 مليار سنة ضوئية، فيجب أن تكون المسافة الممتدة حتى حافة الكون المرئي هي نفسها المسافة التي يستطيع الضوء أن يقطعها خلال 13.8 مليار سنة (والتي تبلغ بالطبع 13.8 مليار سنة ضوئية). ولكن الحقيقة هي أن الكون في توسع، حيث تتحرك النجوم والمجرات مبتعدة عن بعضها البعض، وقد كان إدوين هابل (Edwin Hubble) أول من لاحظ هذا التوسع في عشرينيات القرن الماضي، كما أظهرت الأرصاد التي أجريت في تسعينيات القرن العشرين أن المعدل الذي يتوسع به الكون في تسارع، وبسبب هذا التوسع، فإن المسافة القصوى التي يمكن للضوء أن يكون قد قطعها منذ الانفجار العظيم تتجاوز 13.8 مليار سنة ضوئية، قدرتها الحسابات الفلكية بــ 41.4 مليار سنة ضوئية تقريباً.

ما الذي يوجد وراء حافة الكون المرئي؟ وماذا حدث قبل الانفجار العظيم؟. من المحتمل أن الكون كان موجوداً قبل الانفجار العظيم، وربما كان في حالة انكماش وقتئذٍ، بدلاً من حالة التوسع. كما أننا لا نعلم ما هو الشكل الكلي للكون.

قد يكون امتداد الكون غير نهائي، كما أنه قد يكون منتهياً، ولا تعني الحالة الأخيرة هذه أن للكون حافةً، فهذا سيكون غريباً؛ ﻷنه لو كانت هناك حافة، فيتوجب أن يوجد مكانٌ ما بعد هذه الحافة، وهذا المكان يجب أن يكون بالتأكيد جزءاً من الكون، لكن الأمر المحتمل هو إمكانية أن يكون الكون المرئي منتهي الامتداد دون أن تكون له حافة، ويشبه ذلك سطح الكرة الذي يمتلك مساحةً منتهيةً (يمكنك طلاؤها بكمية منتهية من الطلاء)، ولكنك لن تقع أبداً عن حافةٍ ما بينما تتجول على هذا السطح.

 

أكوان أخرى:

ماذا نعني إذاً بالأكوان “الأخرى”؟ هناك فكرتان رئيسيتان يجدر ذكرهما هنا. أولهما هي عن “الأكوان المتعددة” (multivers). ﻷسباب مختلفة، فإن من المنطقي أن نعتبر الكون مؤلفًا من مناطقَ مختلفة كلٌ منها معزول عن الآخر، ولكن تحكمها قوانين فيزيائية مختلفة، وفي هذه الحالة، يكون كوننا مجرد منطقة واحدة من هذه المناطق، وهو يكبر كما تكبر فقاعة في حوضٍ من فقاعات الصابون.

أما الفكرة الأخرى فهي عن “الأكوان المتوازية” (univers parallèle)، وهي مستوحاة من نظرية ميكانيكا الكم. وتقترح هذه النظرية ببساطة أن الأشياء قد تكون في حالتين وفي مكانين أو أكثر في نفس الوقت، فعلى سبيل المثال، يمكن أن يكون الإلكترون في أماكن متعددة في نفس الوقت، ويمكن أن تكون الذرة المشعّة متخامدة وغير متخامدة في نفس الوقت. والسؤال المطروح في هذه الحالة، لماذا لا نرى هذه التراكب في حياتنا أبدًا؟

قد يكون من الممكن الإجابة على هذا السؤال بالشكل الآتي: كلما تم رصد واحدة من هذه المنظومات الكونية المتراكبة على بعضها البعض من قبل شخصٍ ما، أو ربما أداة رصد ما، فإن الكون ينقسم إلى فروع متعددة. تكون المنظومة الكونية الموجودةُ في كل فرع موجودةً في إحدى الحالات التي كانت متواجدةً مع بعضها بشكل متزامن. ويحتوي كل فرع منها على الواقع كاملًا، ويمكن اعتباره بشكلٍ ما على أنه كون مستقل بذاته. وهو أمر يصعب إدراكه

 

كيف سيعرف البشر إن كانوا يعيشون في أكوانٍ متعددة؟

يدّعي بعض الفيزيائيين النظريين بوجود فكرة الأكوان المتعددة، التي تفترض وجود نسخ متطابقة تقريباً عن الكون المعروف والموجود. لكن إذا كانت مثل هذه الأكوان المتعددة موجودة، فكيف سيعرف البشر بوجودها، وماذا ستعني لنا وللإنسانية؟

وفقاً لـلعالم Brian Greene، وهو فيزيائي نظري ومؤلف من جامعة كولومبيا في نيويورك، فقد يكون هناك طريقة من أجل معرفة إن كان الكون المرئي هو واحدا من أكوان متعددة.

يقول Greene في إحدى مقابلاته الصحفية ‘‘إن افتراض صحة بعض النسخ من الأكوان المتعددة قد تكون صحيحة وأكثر عرضةً للتأكيد‘‘. ويواصل حديثه قائلاً من الممكن مستقبلاً اكتشاف كون متعدد كما أنه من الممكن أن يُوجد الكون المرئي فوق غشاءٍ عملاق ثلاثي الأبعاد، بينما تقول نظرية الأوتار بأنّ الكون مؤلف في مكوناته الأولية، من أوتار أحادية البعد، وهي النظرية التي اُقترحت فكرة الأكوان المتعددة بالاعتماد عليها.

يقول Greene عن عالم كهذا: ‘‘إذا كان الكون هندسياً على شكل رغيف خبز، فإنَّ كل شيء نعرفه عنه يقع في جانبٍ واحد‘‘. فوفقاً لـ Greene، فإنه يمكن تصور أن حطاما ناتجا عن تصادمات أدى إلى هجرة جانبنا إلى كونٍ أوسع ليترك ورائه بصمات طاقة مفقودة، يمكن لمسرعات الجسيمات مثل المصادم الهادروني الكبير في سيرن أن يكون قادراً على كشفها.

تقترح بعض نظريات التضخم-و هي الفكرة التي تقول بأن الكون توسع بشكلٍ سريع جداً خلال الأجزاء الأولى من الثانية التي تلت الانفجار العظيم- نوعاً آخر من الأكوان المتعددة. إذ يُمكن أن يكون الانفجار العظيم واحداً من بين العديد من الانفجارات العظيمة، التي أدى كل منها إلى ولادة كونه الخاص –أي أن كوننا مجرد فقاعة كونية ضمن بحرٍ من فقاعاتٍ أخرى، كما ذكرت قبل قليل.

في مثل هذا السيناريو، قد يتصادم الكون المعروف مع كونٍ آخر، مما يمكن أن يترك وراءه بصمةً في الخلفية الكونية الميكروية، وهي الإشارة الأولى التي تركها خلفه الانفجار العظيم وفقاً لـ Greene.

يؤكد Greene بأنّ كل هذه الأفكار تستمر بالتضارب بشكلٍ كبير، ويقول: ‘‘إن لهذه هذه الأفكار ما يدعمها مما يجعلنا نفكر فيها بجدية، إلا أنها بعيدة عن الحقيقة العلمية المثبتة الآن‘‘.

يقول Greene بأنه إذا وُجدت الأكوان المتعددة، فإنه يمكن أن تؤدي إلى بعض العواقب الغريبة. فعالم مكون من عدد لانهائي من الأكوان سيؤكد افتراضياً أن الشروط الموجودة في كونٍ ما ستتكرر في آخر. وبصيغة أخرى، فإنه في الغالب سيكون هناك نسخة أخرى منك تقوم بحضور هذه المحاضرة التي يلقيها نسخة أخرى مني!

في مثل هذه الأكوان المتعددة، قد تقرر قراءة كتاب في كون ولا تقرأه في آخر. فماذا سيعني هذا الأمر بالنسبة للإرادة الحرة؟

ربما هي نقطة خلافية. إذ يعتقد Greene:‘‘ أن الإرادة الحرة تحطمت قبل نظرية الأكوان المتعددة بكثير‘‘.

وفقاً لـ Greene تصف المعادلات العلمية الجسيمات التي تُكون المادة، بما في ذلك الإنسان. في الوقت الذي تظهر فيه بنى معقدة أكثر، ولا تمتلك علاقة بجسيم مفرد –على سبيل المثال: درجة الحرارة – فإن كل شيء لا يزال يتمتع بـ “دعم فيزيائي ميكروي أساسي”.

 

رحلة الكون المرئي من الفرادة الأساسية إلى حجمه الحالي:

اتضح للعلماء من خلال دراسة وتحليل وتطبيق معادلات النسبية العامة أن الكون في حالة اتساع وإن قياس أو حساب هذا التوسع يتم من خلال تجربة بسيطة تتلخص في مراقبة طيف الضوء الذي تبثه النجوم وغازات المجرات البعيدة. فلقد لاحظ العلماء أن طول الموجة المرصودة للضوء أكبر من طول موجة الضوء المبثوث عند انطلاقه من المصدر، أي النجوم والمجرات، وهو ينزاح نحو اللون الأحمر بسبب التوسع وهو ما يعرف فيزيائيا بــ redshift   أو تأثير دوبلر ويرمز له بــ (z) وإن هذا الاختلاف في أطوال الموجات الذي يعطيه المعيار أو الثابت (z) هو الذي يعلمنا بالعلاقة بين معدل أو ثابت المستوى   paramètre d’échelle   للكون المرئي الآن وماكان عليه الكون في لحظة انطلاق الضوء منه.

وما نشاهده ما هو إلا تفاعل الفوتونات الضوئية التي تبثها المجرة مع حقل أو مجال الثقالة أو الجاذبية الكونية. فلو كان الــ redshift أو (z) صغيراً يمكننا القول أن المقصود هنا هو تأثير دوبلر effet Doppler المألوف في حياتنا اليومية من خلال تلقينا لنوعية الأصوات الصادرة عن القطارات أو السيارات في حالة اقترابها منا أو ابتعادها عنا وهي الظاهرة التي تحدث مع كل أنواع الموجات الصوتية منها أو الضوئية، فكل مجرة أو أي كائن فيها، يرى أن باقي المجرات تبتعد عنه أو تقترب منه حسب الطيف الضوئي الذي يتلقاه منها. فنحن لسنا في مركز الكون بل احد المراكز التي لا تعد ولا تحصى للكون المرئي لأن كل نقطة فيه تبدو كما لو كانت هي المركز للتوسع.

كان العالم هابل Hubble هو الذي اكتشف التوسع الكوني ووضع له قانوناً مع العالم Humason   هيوماسون في نهاية سنة 1920 والذي تختصره المعادلة التالية v=Ho.D   وبموجبه تحدد قياسات المسافات والسرعات وبالتالي بموجبه فإن كل نقطة هي مركز للتوسع. وبتطبيق معادلات فريدمان ـ لوميتر بهذا الخصوص والمتعلقة بتطبيقات معادلات آينشتين ذاتها يثبت لنا أن المادة تكبح توسع الكون بينما الطاقة السوداء أو الداكنة أو المعتمة هي التي تسهم في توسعه.

كشفت لنا الكوسمولوجيا الحديثة العلاقة العضوية المترابطة بين الزمان والمكان والتي حددها آينشتين بمفهوم الزمكان، أن الضوء يسير بسرعة محددة وثابتة هي 300000 كلم في الثانية وهي أقصى سرعة يمكن إن تبلغها المادة في تنقلها وترحالها مما يعني أننا كلما نظرنا في البعد العميق للكون المرئي كلما رأينا ماضي هذا الكون. إن محدودية سرعة الضوء تمنعنا من الوصول إلى الفضاءات البعيدة للكون المرئي في حين تسمح لنا بمعرفة الماضي السحيق للكون المرئي وهي مفارقة جميلة فلو سار الضوء بسرعة لا متناهية فسوف لن يكون بوسعنا أن نشاهد على نحو مباشر ماضي الكون، إلى جانب ما يمكن أن تقوم به السرعة اللامتناهية للضوء من تأثيرات وتبعات وعواقب على باقي قوانين الفيزياء.

وبفضل هذه الهندسة المكانية للكون المرئي، فإننا كلما نظرنا للمجرات البعيدة جداً والواقعة على تخوم الكون المرئي، كلما اقتربنا من ماضي الكون وعلى نحو أدق، كلما اتجهنا نحو لحظة الفرادة الأولية الأساسية أو التأسيسية singularité initiale في اللحظة صفر t=0 وهذا الحد هو المعروف فيزيائيا بالأفق الكوني L’horizon cosmique، كلما اقتربنا من لغز الأصل، الذي لم يفك رموزه أحد بعد. ومن المؤكد أن ما وراء هذا الأفق الكوني هناك مجرات لامتناهية العدد لكنها عصية على المشاهدة والرصد لأن الضوء الصدر عنها ليس لديه الوقت الكافي لكي يصل إلينا، بل وربما توجد أكوان أخرى على غرار كوننا المرئي أو تختلف عنه. وفي كل الأحوال مهما توغلنا في الماضي الكوني فلن نصل أبداً مع الإشعاعات الكهرومغناطيسية لكي نشاهد اللحظة صفر t=0 لأننا سنصطدم بالحاجز الذي يفصل بين اللحظة التي أصبح فيها الكون شفافاً واللحظة التي كان فيها معتما وغاية في الكثافة والسخونة والعماء أو الشواش بحيث لايمكن لأي ضوء أن ينفذ منه.

وهكذا نستطيع القول أن الكون محدود بالنسبة لنا وإن حدوده لا تتعدى الخمسة عشر مليار سنة وهي التي تضعه في إطار وصف هندسي مكاني وكذلك في ظرف تاريخي محصور بين نقطتين هما: الأولى وتتعلق بأصله في لحظة الصفر t=0 المعروفة بالفرادة الكونية singularité cosmologique   والثانية وتتعلق بمصيره ومستقبله . وهناك بالطبع ماقبل الفرادة أي قبل البغ بانغ أي الانفجار العظيم، وما بعد الحد النهائي للمستقبل المفترض للكون وهي مفاهيم تعالجها الفيزياء الحديثة الثورية التي تتجاوز نسبية آينشتين وميكانيك الكموم الكوانتوم، ويسميها بعض العلماء بالميتافيزيقيا العلمية. ولكي نصف الكون في حالته البدئية لا بد من اللجوء إلى قوانين نيوتن وآينشتين في الثقالة أو الجاذبية الكونية والحال أنها تغدو معطلة، هي وباقي القوانين الفيزيائية الجوهرية الثلاثة الأخرى، في لحظة الصفر أو الفرادة، وبالتالي سنحتاج لنظرية جديدة في الثقالة الكمومية أو نظرية كوانتية أو كمومية للجاذبية أو الثقالة théorie quantique de la gravitation والتي لم نتوصل إليها بعد.

تبدأ معلوماتنا العلمية الدقيقة عن الكون المرئي بعد زمن بلانك وهو 10-43 من الثانية بعد لحظة الفرادة الأولية والأساسية والتي تدور حولها تساؤلات عويصة وعلامات استفهام كثيرة. ثم يجري الزمن وتأتي لحظة التضخم المفاجيء في 10 -35 من الثانية بعد البغ بانغ، الانفجار العظيم، وفي الدقيقة الثالثة من عمر الكون المرئي تنتج التفاعلات النووية الأولية ويتكون الدوتريوم والهليوم 3 والهليوم 4 والليثيوم 7 وذلك من بروتونات ونيوترونات موجود في ذلك الحساء الساخن. وفي الــ 3000 الثلاثة آلاف سنة التالية لم تعد الإشعاعات هي الطاغية على كثافة طاقة الكون بل المادة التي تتحرك بسرعة أقل بكثير من سرعة الضوء. وفي الــ 300000 الثلاثمائة سنة التالية من عمر الكون أصبح الكون شفافاً بعد أن كان معتماً. وكان شعاع الخلفية الكونية الماكروية المنتشر le fond diffus cosmique هو آخر ضوء غير مرئي يبثه الكون بعد ولادته مباشرة بعد ان اجتزنا مرحلة يسميها العلماء العمر المعتم أو الداكن للكون بدون أية إشعاعات أو نور أو ضوء، وبعدها تحدث عملية القدح للكون عند انهيار الغاز الكوني على نفسه مؤدياً إلى ولادة أول النجوم بعد بضعة عشرات الملايين من السنين من حدوث الانفجار العظيم البغ بانغ. ومن ثم تشكلت المجرات من تجمعات النجوم والكوازارات أو السدم أو حشود المجرات والحشود الفائقة من المجرات amas et super-amas des galaxies حتى وقتنا الحاضر.

علماء الفيزياء النظرية بحاجة لفرضية التضخم لتفسير حالة الاتساق والتناسب أو التجانس القصوى homogénéité وحالة تساوي الخواص في جميع الجهات isotropie وشبه التسطح في شكل الكون. ولقد اعتقد العلماء أننا نعيش في كون منظم ومنتظم نسبياً والتي قادت بعض التخلخلات واللاانتظام فيه إلى ولادة مجرات يمكننا رصدها. واقترض العلماء أن أي قطعة من الكون، لا على التحديد، متصلة سببياً بالكون البدئي الأولي Univers primordiale   حيث تكون كل الجسيمات الأولية فيها قد تبادلت المعلومات فيما بينها ومن ثم دخلت في حالة توسع مفاجيء وسريع هائل سمي بالتضخم حيث تمدد الكون بنسبة 1030، أي مائة مليار المليار المليار مرة في جزء من مليار من الثانية.

وكانت الانتفاخة الناجمة عن التضخم متجانسة لأن كل المناطق متصلة سببياً منذ البداية أما التخلخلات الميكروسكوبية في الكثافة الناتجة بفعل الظواهر الفيزيائية الكوانتية أو الكمومية المسماة التقلبات الكوانتية fluctuations quantiques، فقد تمددت إلى أحجام ماكروسكوبية وانهارت على نفسها تحت وطأة ثقالتها مؤدية إلى ولادة المجرات . فالتضخم يتيح في آن واحد، تفسير الانتظام الشامل للكون والخلل واللاانتظام الموضعي. ومن ثم أعقب التضخم حالة من التوسع المنتظم وغير المتسارع. بقي أن نعرف ما هي الآلية المسؤولة عن هذا التضخم الهائل والمفاجيء للكون البدئي. علماء الفلك وعلماء الكونيات وعلماء فيزياء الجسيمات يتحدثون عن ظاهرة سميت بــ ” الفراغ الزائف faux vide ” ناجمة عن وجود حقل مادي خاص جداً، من خصائصه أن لديه ضغط سلبي، فالمكان يدفع المكان وكلما دفع المكان المكان كلما تكون مكان أكبر أو المزيد من المكان لذلك كان التضخم. وبعد التضخم حصل فراغ حقيقي حيث كان الضغط إيجابياً لكنه مهمل وتم كبح التضخم بفعل تواجد المادة. لذلك أعتبر التضخم inflation مفهوم قبل أن يكون نظرية متكاملة ومتينة ولقد تم اختبار صحة هذا المفهوم بفضل المشاهدات الفلكية بواسطة التلسكوبات الفضائية المتقدمة من نوعية تلسكوب بلانك .

إن التساؤلات بشأن الألغاز الكونية لا تنتهي، فالعلماء يركزون على الــ ” الكيف” ويتفادون الخوص في الــ ” لماذا” . فمن أين جاء الحساء الكوني الأولي ولماذا كان موجوداً؟ لا أحد يعرف. من الممكن افتراضياً أن الكون قبل التضخم نتج عن ترجرج أو تقلب الفراغ الكمومي أو الكوانتي fluctuations du vide quantique حيث أن نظرية الكموم أو الكوانتا تقوم على نظرية المصفوفات التي جوهرها الاحتمال وليس اليقين، ولكن يبقى السؤال من الذي أحدث هذا التقلب والترجرج الكوانتي ولماذا؟ في مستوى بلانك، حيث مازلنا نحتاج ونبحث عن نظرية كمومية أو كوانتية للثقالة أو الجاذبية، يدار الكون البدئي وفق قوانين الميكانيك الكمومي، ويمكن وصف تلك الحالة بأنها بمثابة رغوة أو مجاج للزمكان قبل تشكله المادي المعروف، وبفعل الظواهر الكمومية أو الكوانتية، تظهر أكوان طفولية حديثة الولادة تسمى البي بي أكوان bébé-Univers تنبثق من هذا المجاج وتبدأ مرحلة التوسع ومن ثم، بسبب غامض لدينا، يحدث لها تضخم مذهل ومفاجيء وفي لمح البصر. تساءل الفيلسوف الألماني الكبير لابنيزLeibniz :” لماذا يوجد شيء ما بدلاً من لا شيء؟” لم يتمكن أحد من الإجابة على سؤاله لأن اللاشيء غير قابل للتفكير ولا معنى له في حين إن الفراغ الكمومي أو الكوانتي ليس اللاشيء ولا العدم بل هو كينونة تسيرها القوانين الكمومية أو الكوانتية ويمكن تصوره أو التفكير فيه وهو غير مستقر ويمكن أن يؤدي إلى ولادة أكوان طفولية تواصل تطورها كأي كائن حي. من هنا أعتقد بعض العلماء أن ماضي وحاضر ومستقبل الكون المرئي ثبتت من خلال معرفة المعايير والثوابت الكوسمولوجية ولم يبق أمام علماء الفلك والكونيات سوى اكتشاف وقياس أو حساب تلك المعايير والثوابت والضوابط paramètres وبفضلها بوسعنا أن نعرف معلومات عامة عن محتوى الكون المرئي على مستوى اللامتناهي في الكبر. الحسابات الحديثة عن الكون تطرح علينا ثلاث تساؤلات أساسية: 1- أين هي البايرونات المادية الداكنة أو المعتمة أو السوداء، أو بعبارة أخرى المادة السوداء، إذ توجد كميات من المادة العادية أو الطبيعية المعروفة أكثر بكثير مما يوجد من نجوم منظورة ومرصودة من خلال ما تبثه لنا من ضوء؟ ماهي طبيعة أو ماهية المادة السوداء غير البايرونية حيث تبلغ النسبة الكلية 30% من الكثافة في حين أن المادة العادية لا تسهم سوى بنسبة 3% ؟ ربما المقصود بذلك ان هناك نوع من الجسيمات توقعتها أو تكهنت بها نظريات توحيد المادة، أي نوع من الجسيمات الأولية التي ظلت على شكل حفريات أو شاهد على المراحل الأولى من عمر الكون المرئي، والتي تشكل حالياً المادة الطاغية في الكون، وهناك حسابات أخرى تتعلق بالثابت الكوني الذي تخلى عنه آينشتين في بدايات القرن الماضي وأظهرت الحسابات الرياضية ضرورة وجوده لمعالجة معضلة التوسع الكوني حيث يعمل بطريقة الضغط السالب المعاكس للجاذبية أو الثقالة أي قوة نابذة وطاردة لا أحد يعرف مصدرها ولا طبيعتها أو ماهيتها أو خصائصها إلى جانب مشكلة حقيقة هيكيلية وهندسة وشكل الكون المرئي، ولماذا توجد أشكال محدودة جداً للمجرات مما يستوجب العودة إلى الوراء، إلى فترة تشكل المجرات وما قبلها.   فالعلماء يسبرون بشكل أعمق الحالة الغريبة للكون عند ولادته وتمكنوا، عن طريق جمع البيانات المأخوذة من اثنين من مسرعات الطاقة العالية، من استخلاص قياسات لخاصية استثنائية لأحد المراحل الغريبة في نشأة كوننا المرئي تعرف باسم البلازما (كوارك – غلوون) quark-gluon plasma. ولقد أظهرت النتائج سمات جديدة لهذا “السائل المثالي” فائق الحرارة، والذي سيوضح لنا حالة الكون المرئي المبكرة بعد حدوث الانفجار العظيم مباشرة عندما كان عمره جزء من مليون من الثانية فقط. ورد ذلك في مقال علمي بهذا الخصوص بعنوان   المادة الغريبة: نظرة عن قرب للسائل المثالي تلقي الضوء على ما حدث في جزء من مليون من الثانية من عمر الكون بعد الانفجار العظيم Matière exotique: Le regard profond sur la fluide parfait jette la lumière sur ce qui s’est passé en un fragment de seconde après le Big Bang. وسيظل العلماء يبحثون ويضعون الفرضيات والنظريات ويقومون بالمشاهدات وعمليات الرصد والتجارب المختبرية خاصة في مصادمات الجسيمات التي تحتاج إلى طاقات هائلة، للاقتراب من الظروف التي كانت سائدة عند لحظة الفرادة الكونية وقبل الولادة المفترضة للكون المرئي.

 

د. جواد بشارة