المغرب الكبير

تعديل وزاري في ليبيا .. السراج يبحث عن الحل !

الأناضول
ــــــــــــــ
في وقت توقّع فيه متابعون تغييرا في تشكيلة المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الليبية، فاجأ رئيس الأخير، فائز السراج، قبل أيام، الجميع بتعديل حكومي قد يعطل تنفيذ اتفاق مجلسي “النواب” و”الأعلى للدولة” بهذا الخصوص.
فرغم الخلافات الحادة بين مجلس النواب في طبرق (شرق)، والمجلس الأعلى للدولة (هيئة نيابية استشارية) بالعاصمة طرابلس (غرب)، إلا أنهما توافقا، خلال اجتماعات متفرقة لممثلين عنهما، على إجراء تعديل على المجلس الرئاسي.
تعديل كان من المفترض أن يقلّص عدد أعضاء “الرئاسي” من 9 إلى 3 فقط (رئيس ونائبان)، يمثل كل واحد إقليما من الأقاليم الثلاثة: طرابلس غربا، وبرقة شرقا، وفزان جنوبا، وذلك رغم اعتراض البعض على فكرة المحاصصة الجهوية بدل التركيز على الكفاءات.
لكن، وفي خطوة استباقية غير متوقعة، أجرى السراج، الأحد الماضي، تعديلا حكوميا، شمل 3 أسماء مختارة بعناية لتولي حقائب وزارية حساسة، ترتبط بشكل مباشر بالأزمة الاقتصادية بالبلاد، وتردي الأوضاع الأمنية بطرابلس بشكل خاص.
عيّن السراج، كلا من فتحي باشاغا، وزيرًا للداخلية؛ وعلي العيساوي، وزيرًا للاقتصاد والصناعة؛ فيما أسند حقيبة المالية لـ”فرج عبد الرحمن عمر بومطاري”.
وعلى ما يبدو، فإن السراج، راعى في الأسماء التي اختارها عاملي المحاصصة والكفاءة، بالإضافة إلى عوامل أخرى تشكل خصوصية كل اسم عن الآخر، أبرزها:
** باشاغا.. خلفية عسكرية وحنكة سياسية
من الأسماء الثقيلة سياسيا وعسكريا، فهو ينحدر من مدينة مصراتة (200 كلم شرق طرابس)، التي تمتلك أكبر الكتائب عددا وعدة في الغرب الليبي، وشغل منصب مدرب طيار في الكلية العسكرية بالمدينة، قبل أن يختار مجال التجارة والأعمال.
وعند اندلاع الثورة ضد نظام معمر القذافي، في 2011، كان باشاغا، من أبرز قيادات المجلس العسكري مصراتة، الذي لعب دورا بارزا في سقوط النظام في طرابلس.
كما أن “لواء المحجوب” و”كتيبة الحلبوص” (الكتيبة 301 مشاة)، واللذان يعتبران من أكثر التشكيلات العسكرية تسليحا، محسوبان على فتحي باشاغا، حيث لعبا دورا ضمن قوات البنيان المرصوص، في طرد تنظيم “داعش” من مدينة سرت (450 كلم شرق طرابلس) وضواحيها، كما ساهما في تأمين طرابلس.

سياسيا، انتخب باشاغا، نائبا في مجلس النواب في 2014، لكنه كان من بين النواب المقاطعين لاجتماعاته، ووقف إلى جانب حكومة الإنقاذ في طرابلس.
وكان له دور في تحقيق الاتفاق السياسي الموقع في ديسمبر/ كانون أول 2015 بالصخيرات المغربية، وانحاز إلى حكومة الوفاق في صراعها مع حكومة الإنقاذ بطرابلس (2014-2017).
ويأتي اختيار باشاغا، لتولي حقيبة الداخلية، بهدف إعادة ضبط الأمن في طرابلس، خاصة وأنه شخص يستند إلى مكانته في مصراتة، هذه المدينة التي لها وزنها بالمنطقة الغربية.

وعلاوة على ذلك، يُعرف عن باشاغا ميله للحوار، وتأييده للمصالحة بين مصراتة وبلدة الزنتان (تحالفت في وقت سابق من خليفة حفتر)، في مارس/آذار الماضي، أبرز مثال على ذلك.

** العيساوي.. “كفاءة ملغومة”
يعتبر من الشخصيات الأكاديمية والدبلوماسية في عهد القذافي، لكنه تحول إلى الرجل الثاني في اللجنة التنفيذية التابعة للمجلس الانتقالي (نائب رئيس وزراء حكومة الثورة).
ويحمل العيساوي (مواليد 1966) دكتوراه في الخصخصة من أكاديمية الدراسات الاقتصادية في رومانيا، وهو سفير ليبيا في الهند عام 2010، قبل أن يستقيل من منصبه بعد اندلاع الثورة، وتولى وزارة الخارجية في المكتب التنفيذي بالمجلس الوطني للانتقالي، في ذات العام، وعمل على حشد الاعتراف الدولي بالمجلس.
لكن اختيار العيساوي، وزيرا للاقتصاد والصناعة، قد يلغم المجلس الرئاسي، في وقت مازالت تهمة المشاركة في تصفية اللواء عبد الفتاح يونس، رئيس أركان جيش التحرير الوطني، تلاحقه.
ورغم أن الرجل من مواليد مدينة بنغازي، عاصمة الشرق الليبي، إلا أن “العبيدات”، أكبر قبيلة في إقليم برقة، مازالت تعتبره مسؤولا عن مقتل أبرز أبنائها خلال الثورة، وهو ما ينفيه العيساوي.
وصدرت عدة مواقف من شرق ليبيا تعترض على تعيين العيساوي، في وزارة الاقتصاد والصناعة، رغم أنه شغل نفس المنصب في عهد القذافي، وحقق نجاحات حينها، حسب مراقبين، إلا أن الخبرة قد لا تكفي في ليبيا إن لم يحظ بدعم قبائل برقة وأعيان المنطقة الشرقية.

** بومطاري.. خيار “تكنوقراطي” أم “نفطي”؟
رجل غير معروف سياسيا في ليبيا، لكن يمكن تصنيفه ضمن الشخصيات التكنوقراطية الشابة، إذ يحمل ماجستير في إدارة الأعمال من جامعة “بنتلي – ماساتشوستس” الأمريكية في 2014، إضافة إلى ماجستير في المحاسبة من جامعة بنغازي.
وفي 2012، شغل بومطاري، منصب نائب مدير إدارة المراجعة بالمصرف التجاري الوطني، ومناصب أخرى بمحفظة ليبيا إفريقيا للاستثمار (2009- 2010).

وبومطاري، من مواليد منطقة الكفرة (جنوب شرق)، التي لم تكن طرفا مباشرا في الصراع بين الغرب والشرق، كما أن “الكفرة” مرتبطة بالكفاح المسلح الذي قاده الشيخ عمر المختار ضد الاحتلال الإيطالي، وعائلة بومطاري لم تبخل على ليبيا بالأبطال الذي قاتلوا ضد الاحتلال، وهذا ما يبدو أنه ساهم بشكل أو بآخر، في حصوله على المنصب الجديد.

كما أن الرجل ينتمي إلى قبيلة “الزوي”، التي تنتشر بمناطق واسعة من الصحراء الليبية الشرقية، والمنطقة غنية بحقول النفط وآبار الغاز، مما يعطي أهمية استراتيجية لهذه القبيلة على الصعيدين الاقتصادي والأمني، خصوصا على الحدود.

** “النواب” مُصرّ
على عكس ما تشتهيه سفن السراج، لم يحقق التعديل الحكومي تراجعا في مواقف مجلس النواب الذي أصدر، الإثنين، بيانا اعتبر فيه التعديل “باطلا”، معتبرا أن فيه “مخالفة للاتفاق السياسي”.

كما اتهم البيان السراج، بـ”الانفراد” في اتخاذ القرارات الهامة “دون الرجوع إلى بقية الأعضاء”، ما أدى إلى “انسحاب عدد كبير” منهم.
ومن بين 9 أعضاء في المجلس الرئاسي، قاطع عضوان جلسات المجلس، وهما علي القطراني وعمر الأسود، ثم استقال عضوان آخران (موسى الكوني وفتحي المجبري)، ولم يتبق من المجلس سوى 5 أعضاء.
وأشار مجلس النواب، إلى أن أكثر من 134 نائبا طلبوا “سحب الثقة من المجلس الرئاسي الحالي، والمطالبة بتشكيل مجلس رئاسي جديد من رئيس ونائبين”.
** “الأعلى للدولة”.. بين مفترق طرق
من جانبه، لم يصدر “الأعلى للدولة” أي بيان تعقيبا على التعديل الحكومي الأخير، رغم اجتماع وفد من أعضاء المجلس بالسراج، برئاسة النائب الأول لرئيس المجلس ناجي مختار، الثلاثاء، وتم خلاله بحث “مستجدات الموقف السياسي، وخطوات تنفيذ الترتيبات الأمنية، إضافة لمسارات تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي، والجهود المبذول لتوحيد مؤسسات الدولة”.

هذا الصمت يشي بنوع من الخلاف بين أعضائه، بالرغم أن تعديل المجلس الرئاسي قبل التعديل كان يبدو محسوما، إلا أن الأمور بدأت تتغير لصالح السراج، خاصة وأن شخصية مثل فتحي باشاغا تحظى باحترام شديد بالمنطقة الغربية، دون أن يعني ذلك التخلي عن فكرة تقليص عدد وصلاحيات أعضاء المجلس الرئاسي.

والخميس، أجل مجلس الدولة، الحسم في المقترح الذي تقدم به له مجلس النواب لإقرار التعديل في بنية المجلس الرئاسي، إلى الإثنين المقبل، بعد أن سبق وأن أجله الأربعاء الماضي.
وفي هذا الصدد، نقل موقع قناة “الرائد” المحلية عن عضو المجلس الأعلى للدولة، إدريس أبو فايد، قوله إن التعيينات الوزارية الجديدة التي أجراها الرئاسي “خطوةً جيدةً بالاتجاه الصحيح”.
واعتبر أبو فايد، أن “الرئاسي وُفّق في اختيار الشخصيات التي ستتولى المناصب الوزارية الجديدة”.
لكن أعضاء آخرين في مجلس الدولة لم يكن لهم نفس الرأي بخصوص هذا التعديل الوزاري.
ومؤخرا، طفت خلافات تقنية حول مقترح لتشكيل مجلس رئاسي جديد من ثلاثة أعضاء، يفترض أن يتقدم به مجلس النواب للمجلس الأعلى للدولة، الأمر الذي قد يجعل إجراء تغييرات في “الرئاسي” مسألة تحتاج المزيد من الوقت.
** الأمم المتحدة أول الداعمين
البعثة الأممية في ليبيا كانت أول الداعمين لحكومة الوفاق، حيث غرّدت عبر “تويتر”، بعد ساعات فقط من الإعلان عن التعديل، متمنّية النجاح للوزراء الجدد في حكومة الوفاق.
في المقابل، أعرب مجلس النواب، في بيانه السابق، عن استغرابه من “الترحيب السريع من البعثة الأممية بقرار التعديل الوزاري الجديد الذي قام به السراج منفردا مخالفة للاتفاق السياسي”.
وعموما، يمكن القول إن السراج، اختار باشاغا عن إقليم طرابلس، لإدارة الملف الأمني والمصالحات بين المدن والقبائل المتصارعة.
فيما اختار العيساوي، للاستفادة من خبرته في إدارة الملف الاقتصادي المتعثر، أما بومطاري، فقد يكون لاستمالة قبيلة “الزوي”، وضمان نفوذ المجلس الرئاسي على حقول النفط في الشرق، التي يسيطر عليها خلفية حفتر.
وفي كل الأحوال، ومع أنّ هذه التعديلات قد تمنح المجلس الرئاسي فسحة إضافية من الوقت، لكنها ستضاعف من ضغوط مجلس النواب في طبرق وقبائل الشرق، خاصة “العبيدات”، على فريق السراج.