رأي

ويسألونك عن دبلوماسية تكريس لغة الحوار ..!!

عماره بن عبد الله
______________

مما لاشك فيه أنه عندما تتصفح بعض (نعم بعض أو أقل من ذلك .. ! ) صفحات السجل الدبلوماسي للجزائر، لا يمكن إلا أن تشعر بالاعتزاز والفخر وحتى الاندهاش بما قام به مجموعة من المناضلين على المستوى الخارجي إقليميا ودوليا، في مهمة تكاد تكون مستحيلة عندما يقرأ المرء بهدوء مسيرة هؤلاء المناضلين، الذين آمنوا بعدالة قضية شعبهم الذي كان يخوض في الداخل، ثورة عارمة بإمكانات بسيطة من أجل هدف مركزي، وهو استعادة السيادة الوطنية وتحقيق الاستقلال الوطني.
نعم من تلكم كانت البدايات… أين تجسدت وصقلت المعاني والميزات، التي ظلت لصيقة منذ الثورة التحريرية وفي جزائر الاستقلال بالسياسة الخارجية، من خلال الثبات على مبادئ رسمت هاته السياسة على مدار عقود خلت على غرار عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وحق الشعوب في تقرير مصيرها، فضلا عن رفض استعمال القوة أو التهديد بها لحل الأزمات والنزاعات الدولية مع اعتماد الحلول السياسية والطرق الدبلوماسية، زيادة على التأكيد على مبدأ التعاون الدولي بصورة أكثر عدلا وتكافؤا، وهذا ما جعلها تحضى باحترام دولي نتيجة دعمها المتواصل، لعديد القضايا في العالم وتمسكها بمبادئها الثابتة الداعية لضرورة حل النزاعات، بالطرق الدبلوماسية بعيدا عن التدخلات العسكرية.
أحيت الجزائر بداية هذا الأسبوع، ذكرى انضمامها إلى الهيئة الاممية عام 1962، وهو ما يعرف باليوم الوطني للدبلوماسية الجزائرية المصادف للثامن من شهر أكتوبر من كل سنة، في ظل مكاسب محققة وإنجازات لا ينكرها إلا جاحد، ولعل أبرزها تثبيت أن الحل الوحيد للنزاعات والأزمات لن يكون إلا داخليا بتبني الحوار والطرق الدبلوماسية، فضلا عن تلك التجربة الرائدة في مجال مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، وهذا ما يترجم ذلك الخطاب الشهير والاول الذي قدمه فخامة رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة ، عندما ركز على أهدافه الثلاثة أولها إطفاء نار الفتنة التي كانت تعيشها البلاد، وثانيها ترتيب بيت الجزائر من خلال إصلاحات سياسية واقتصادية عميقة ،وثالثها رجوع الجزائر إلى مكانتها بين الأمم، وهذا الذي شهده العدو قبل الصديق، ولعل من جعل تلك القوى الدولية التي غلبت لغة السلاح لحسابات تخصها (في مالي وليبيا ..مثلا) تعترف لاحقا بصحة ومصداقية المقاربة الجزائرية وتعاطي دبلوماسيتها مع الأزمات الدولية، باعتماد الحلول السياسية كخيار وحيد، وتأكد لها أهمية دور الجزائر في معالجة الكثير من القضايا مثل الأزمات التي تمر بها بعض الدول المجاورة، وتحذيرها المسبق من مغبة التدخلات العسكرية الأجنبية، وما ينجر عنها من كوارث وإرهاب وانتشار مذهل للأسلحة والمخدرات والجرائم العابرة للقارات، وهو أمر أصبح ظاهرا للجميع الآن، لكن مهندس المقاربات الناجعة ومهندس السلم والمصالحة، كان قد أدركه واستشرف مخاطره في وقت مبكر وحذر من تداعياته، وهذا ما اعترف به المجتمع الدولي الذي أشاد في أكثر من مناسبة بدور الجزائر في دعم الاستقرار والأمن الإقليميين.
وعليه … فيمكن التأكيد على أن التوفيق بين المصلحة الوطنية ومبادئ السياسة الخارجية والضغوطات الدولية الكبيرة في عالم مضطرب ليس بالأمر الهين لأنه يحتاج إلى خبرة كبيرة وحكمة متبصرة جسدها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في توجيه الدبلوماسية للتعامل مع التحولات والأزمات المعقدة التي تعرفها منطقتنا والعالم والتي تعود إلى جملة مركبة من الأسباب الداخلية والأبعاد الإقليمية والدولية، ومن هنا فالجزائر تعمل من مبدأ ترتيب الأولويات لحماية سيادتها وتكريس استقرارها في محيط ملتهب وهو ما يتطلب إمكانات كبيرة للقيام بما يلزم لتأمين حدودها وسلامة ترابها والسعي لإعادة الأمن والاستقرار في دول الجوار المتأزمة، وهنا لا بد من توجيه تحية تقدير وتبجيل الى قوات الجيش الوطني الشعبي سليل جيش التحرير الوطني وكل أسلاك الامن على المجهودات الجبارة التي تبذل على مدار الساعة حفاظا على الجزائر وطنا وشعبا لا سيما من تداعيات الأزمات المعروفة المحيطة ببلادنا لتبقى عزيزة شامخة وآمنة مستقرة.