رأي

استراليا: الفساد والمحميات السياسية

 

الفساد ظاهرة عالمية ووطنية ولست هنا بوارد الكتابة عن “اوراق بانما” التي سربت وطبعاً لغاية في نفس يعقوب الذي سرًب، إنما الفساد الذي اودّ الحديث عنه هو الفساد الذي يتحدث عنه قادة البلاد سواء كان رئيس الوزراء مالكوم تيرنبول أو زعيم المعارضة بيل شورتن. عندما فاز الإئتلاف (الأحرار – الوطني) في إنتخابات عام 2013 شكّل رئيس الوزراء السابق طوني أبوت الهيئة الملكية للتحقيق في قضايا الفساد بقطاع نقابات العمال والتي أفرجت عن تقريرها قبل نهاية العام الماضي ووجدت أن هناك عمليات إبتزار واستغلال واستقواء وغيرها من الممارسات غير القانونية، وقد حاولت الحكومة النيل من المعارضة وزعيمها بسبب ماضيه في نقابات العمال، وكان شورتن قد مثل أمام اللجنة التي برّأته من أيه تهمة، ولم تكتفِ الحكومة بذلك لا بل تريد إعادة إحياء مفوضية التعمير والبناء التي تشرف على قطاع البناء في استراليا والتي كان قد شكّلها رئيس الوزراء الأسبق جان هاورد وتخلّصت منها حكومة العمال برئاسة جوليا غيلارد.

رئيس الوزراء لم يكتفِ بمحاولة إعادة العمل بالمفوضية، لا بل إنه ذهب إلى أبعد من ذلك، مهدداً بحل البرلمان بمجلسيه والذهاب إلى إنتخابات مبكرة في حال عدم إقرار مجلس الشيوخ مشروع الحكومة المتعلق بإقرار المفوضية. وكان رئيس الوزراء قد دعى مجلسي النواب والشيوخ للأنعقاد في 18 نيسان الحالي وقبل نهاية عطلة الخريف البرلمانية.

وفي كلمة له أمام المجلس التنفيذي لبنك ويستباك في ذكرى تأسيسه التاسعة والتسعين بعد المئة  وبّخ رئيس الوزراء قطاع المصارف والمؤسسات المالية بصورة مباشرة، متهماً إياها بخيانة ثقة أبناء المجتمع وقال: “إن سمعة البنوك الحسنة في خطر وذلك بسبب الفضائح التي ظهرت في هذا القطاع”، ودعى مدراء المصارف الكبرى للتصدي لهذه الظاهرة وإظهار قيادة حقيقيه.

ذّكر رئيس الوزراء المصارف بالمساعدات التي قدمتها الحكومة الفيدرالية لها أثناء الأزمة المالية العالمية (2008-2009) من أجل استمرار تلك المصارف في عملها، وأضاف لكن الحقيقة أن المصارف وبخلاف الدعم الذي قُدّم لها لم تعامل زبائنها كما يجب، ودعاها بأن تقرن القول بالفعل وخدمة مصلحة الزبائن لتظهر قيم الثقة والنزاهة.

وكانت سلسلة من الفضائح ضربت قطاع الخدمات المالية والمصرفية مؤخراً، وكانت آخر تلك الفضائح إتهام المفوضية الأسترالية للإستثمار الآمن المعروفة ب (آسيك) مصرف ويستباك بتزوير الفوائد المصرفية الداخلية، حيث تقوم المفوضية بمقاضات المصرف، وهناك فضائح أخرى طالت مصرف الكومنولث ومصرف أستراليا ونيوزيلاند (اي ان زد ) ومصرف ماكواري والمصرف الوطني الأسترالي (ان اي بي) الذين اتهموا بإساءة معاملة الزبائن وزيادة كلفة الخدمات من اجل زيادة الارباح. وكانت شركة التأمين كوم انشورنس التابعة لمصرف الكومنولث قد رفضت دفع تعويضات لمستحيقها الذين تقدموا بطلبات للحصول على تعويضات تغطيها بوليصات التأمين التي يحملونها، وما تزال شركة سفن اليفن تواجه إمكانية دفع عشرات ملايين الدولار بعد فشلها في دفع رواتب موظفيها حسب القوانين المرعية في البلاد.

المعارضة الفيدرالية من جهتها وعلى خلفية تلك الفضائح في مؤسسات الخدمات المالية والمصارف والشركات الاخرى سارعت وعلى لسان زعيمها بيل شورتن وكريس بوين الناطق بإسم وزراة الخزينة في حكومة الظل إلى تبني إقامة هيئة تحقيق ملكية في الفساد في القطاع المالي والمصرفي خلال المئة يوم الأولى في حال فوزها في الإنتخابات الفيدرالية القادمة، وقال شورتن أن المعارضة على استعداد للتعاون مع الحكومة بشكل كامل في حال إقامة هيئة ملكية للتحقيق في الفساد في القطاع المالي والمصرفي. وحدد شورتن مدة  عمل عمل الهيئة  بعامين وميزانية قدرها 53 مليون دولار

وزير الخزينة الفيدرالي سكوت موريسن انتقد بعنف خطوة المعارضة، وقال أن هيئات الرقابة مثل المفوضية الأسترالية للإستثمار الآمن (آسيك) والبنك المركزي وغيرها من مؤسسات الرقابة تؤمن الإلتزام بالقوانين المرعية في القطاع المالي، وأضاف موريسن أن زعيم المعارضة يسيّس هذه القضية المهمة قبل الإنتخابات القادمة في محاولة منه للتهرب من فشله وتوجيه الأنظار إلى مكان آخر لأنه في الحقيقة يريد الدفاع عن الفساد في قطاع البناء.

من جهتها جمعية البنوك الأسترالية قالت بلسان ستيفن مانشنبيرغ أنها تعتقد أن هيئة ملكية للتحقيق في قطاع الخدمات المالية غير ضرورية وهدر لأموال دافعي الضرائب.

المعروف أن حزب العمال كان  قد اعتبر أن الهيئة الملكية لمكافحة الفساد في نقابات العمال هدر لأموال دافعي الضرائب، والجدير ذكره ان الحزب وفي وقت سابق صوت الى جانب الحكومة ضد مشروع لإقامة هيئة ملكية لمكافحة الفساد في قطاع المصارف كان قد تقدم به حزب الخضر.

الذي تقدّم يُظهر أن الكيدية السياسية هي التسمية الأفضل حيث أن كلا الحزبين لديه محمية يريد الدفاع عنها، فالمصارف تشكل المحمية السياسية لحزب الأحرار واتحاد  نقابات العمال تشكّل محمية سياسية لحزب العمال، وإن كلا الحزبين على الإستعداد للدفاع عن طفله المدلل على حساب المواطنين.

السؤال الذي يطرح نفسه، هل يجرؤ الحزبين على تسمية الأمور بأسمائها والتخلي عن الفاسدين في القطاع المصرفي وقطاع نقابات العمال، ووقف سياسة تقديم الخدمات السياسية مقابل التبرعات المالية السخية للحزبين؟!

إننا نرى انه من حق المواطنين على النخبة السياسية، ان ترتقي إلى مستوى مسؤولياتها والمبادرة لوضع حد لهذه الممارسات، كما تفعل في ممارستها السياسية، فإذا كانت هذه النخب تبادر ورداً على استطلاعات الرأي وتطيح برئيس وزراء  منتخب بسبب سوء إدائه أو إدائها كما حصل مع كيفن راد ثم جوليا غيلارد العماليين وطوني أبوت الأحراري، وذلك من أجل تصويب الخط والإداء السياسي للحكومة فلماذا الإزدواجية في المعايير؟

أخيراً، نشير الى انه وحسب صحيفة ذي سدني مورننغ هيرالد (الاثنين 11/4/2016 ص 4)الى ان رئيس الوزراء يتعرض لضغوط من اجل إقامة هيئة تحقيق مالية بقضايا الفساد في القطاع المصرفي حتى من داخل الائتلاف حيث اعلن النائب عن الحزب الوطني جورج كريستنسن عن دعمه لإقامة الهيئة واشار النائبين لوك هارتسايكر وكن اودوود عن استعدادهما لدعم فكرة إقامة الهيئة، وكان رئيس مجلس اتحاد نقابات العمال الأسترالية دايف اوليفر قد كتب الى رئيس الوزراء وحثه على إقامة هيئة تحقيق فدرالية مستقلة للتحقيق في فضائح الفساد التي ظهرت مؤخراً.

ومن الجدير ذكره ان مصرف (أي ان زد) كان اتهم المفوضية الأسترالية للأستثمار ألآمن (آسيك) بأنها لا تفهم كيف تعمل السوق المالية، مما دعى رئيس المفوضية غريغ مدكاف للرد على البنك وتذكيره انه عمل لمدة 30 عاماً ويعرف طريقة عمل المصارف وكيف تتحكم بالسوق. نود ان نعرف رأي وزير الخزينة سكوت موريسن برأي مصرف (أي ان زد) بالمفوضية !

 

عباس علي مراد