رأي

الفساد عنوان الاستبداد

رشيد مصباح
ــــــــــــ
الأنظمة الاستبدادية ، تلك التي تخشى من الحرّيّة ولا تؤمن بالدّيمقراطيّة ، وتستمد شرعيّتها من الخارج وتستقوي به على من هو في الدّاخل ، وتتعامل مع المستعمر القديم بخوف وحذر ، تطلب منه الشّفاعة وترعى مصالحه ، وترسل إليه بالأموال حتّى يرضى . وأمّا الشّعوب ” المستنبتة ” ، فليس لديها ما تقدّمه ، سوى تاريخ نضالها الطّويل ، وتضحياتها الجسام ، و كفاحها المستمر . فعلى الشّعوب ” المستنبتة ” – كما يصفها ( عبد الرّحمان الكواكبي ) في كتابه ” ” طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد ” – ، أن لا تنتظر دعمًا ولا مساندة ولا شيئًا من عدوّها الكلاسيكي القديم ، والذي لا يهمّه في نهاية المطاف ، سوى أمنه واستقراره ومصالحه والخيرات التي يستنزفها من البلدان المستضعفة ، والتي تعتبر بالنّسبة إليه بمثابة ” الحديقة الخلفية ” ، يقضي حاجته فيها ، وله فيها مآرب أخرى .

حدث الانقلاب العسكري في الجزائر في منتصف الستّينيّات ، ولم نكن يومها ندرك معنى الانقلاب ولا مدى خطورة حكم العسكر ، والذي تسلّل من على ظهر دبّابة ليسيّر شؤون البلاد الدّخليّة بقوة النّار والحديد ، إلاّ بعدما كبرنا وصرنا نعيش آفاته السّلبيّة . ونرى اليوم بأم أعيننا كيف استشرى الفساد في جميع قطاعات الدّولة وأجهزتها المريضة ، حتّى إنّه وصل إلى كل الأفراد البسطاء تقريبًا، وتورّطوا معه في ” لعبة ” الفساد ، الرّشوة والمحسوبيّة والتلاعب بالمناصب والأموال والصّفقات … وصار الأمر كلّه كالأبجديات ، و كالفتنة التي لا ينجو من مخالبها أحد من المواطنين ، ولا قطاع واحد ، إلاّ دخلت عليه و أفسدته ، بما في ذلك قطاع الشّؤون الدّينيّة نفسه ، وبشهادة موظّفيه أنفسهم ؛ بعض الأئمّة استسلموا لــ” قواعد اللّعبة ” ولواقع الأمر ، ويرى البعض منهم أن الطّريق إليه صار سهلاً ميسّرًا ومعبّدًا . لذلك غاب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر من الخطب المنبريّة . وما حدث ولا يزال لحد الآن يسري ليلاً على معظم الطّالبات في الإقامات الجامعية ، والتي أصبحت عبارة عن أوكار للدّعارة ، لشيء فضيع . نفس الشيء يقال عن الفن الرّديء ، والثقافة المتميّعة ، وكذلك الأمر بالنسبة للتّاريخ الذي يتعرّض للتّحريف والتزييف ، وفي الأيّام الأخيرة فقط ، جاء الدّور على المقاومة ، ويحاول الطّابور الخامس أن يقدّم خدمة مجّانيّة للمستعمر القديم ، نكاية بالمقاومة الكبيرة ، وبتاريخ الأمّة العظيم ؛ فتمّ إسناد دور البطل ( أحمد باي ) للمثّل الفرنسي( دوبارديو ) المتابع بقضائح جنسيّة ، وأما عن السّيناريو الذي لم يطّلع عليه عامّة الجزائريين فقد كان يجسّد حرفيًّا كل ما رواه الضّابط الفرنسي والكاتب المترجم ( شارل فيرو ) في كتابه ” زيارة لقصر قسنطينة ” ، والذي أُسندت إليه مهمّة تشويه الحقائق في الجزائر تمهيدًا لغزوها ، وهي عبارة عن قصص من نسج خيال المؤلّف وعلى طريقة ” ألف ليلة وليلة ” بمشيناتها وسلبياتها ولياليها الحمراء ” التّسرّي ” و” ملكات اليمين “. كذلك الأمر بالنسبة لوزير الصحّة الذي يزعم أن الرّئيس ، الذي لم يتكلّم مع شعبه منذ سنوات عجاف ، يتكلّم معه يوميًّا ليستفسر عن حالة المواطنين ويطمئن عليهم ، وخاصة منهم ضحايا مرضى ” الكوليرا ” ، عالم عجيب والله ، الوزير الأستاذ الدكتور الكبير يمارس الكذب و” الضّحك على الذّكون ” . نفس الأخبار الكاذبة تقول إنّ الرّئيس الذي لا نعلم عنه سوى المرض الذي أقعده سنوات متتاليات والزيارات المتكرّرة للمستشفيات بعيدًا عن الوطن ، يتكلّم مع الأجانب ويحاور وفودهم المشكّلة من بعض الزّعماء والرؤساء والدبلوماسيين الكبار ، ويحاورهم حول قضايا إقليميّة وإستراتيجيّة وأخرى ذات الإهتمام الواسع … هكذا تعودتنا ليل نهار على الزيف والكذب ، وفي كل الأخبار تقريبًا . لكن الأجيال ، من جيل ” المينستريم ” إلى جيل ” الفيسبوك ” و” الانستغرام ” ، يدركون جيّدًا أن المسؤولين من أعلى إلى أسفل مستوى في الهرم ، ومن أصحاب الفخامات و المهام القذرة ، يمارسون عليهم الزّيف والكذب ، لذلك لا يجب أن نستغرب الاستقالة من الحياةالسيّاسيّة ، ولا من الهتافات الغريبة التي نسمعها في مدرّجات الملاعب الرّيّاضية . كما لا يجب أن نستهبل من يرمون بأجسادهم إلى أمواج البحر العاتية هروبا من الواقع الأليم . وهؤلاء لديهم قلوب ضعيفة لا تحتمل الزّيف والكذب .