رأي

القضاء والإعلام في إسرائيل في خدمة اليمين

 

 

تدلّ القرارات التي تتخذها المحاكم، وأنماط التغطية التي تتبعها وسائل الإعلام في إسرائيل، على أن مراعاة مواقف اليمين الحاكم باتت مركباً رئيسياً من الاعتبارات التي تقف وراء تلك القرارات وهذه الأنماط من التغطية. وتؤكد الوقائع أن الجهاز القضائي في إسرائيل، بات يتعامل بجدية مع تهديد الائتلاف الحاكم بتقليص قدرة المحاكم، تحديداً المحكمة العليا، على منعه من تطبيق منطلقاته الأيديولوجية ورؤيته الأمنية، عبر تدخلاتها.

 

فقد عدلت المحكمة العليا الأسبوع الماضي، أحكاماً أصدرتها المحكمة اللوائية في القدس المحتلة، على ستة فلسطينيين اتُهموا بإلقاء حجارة على أهداف إسرائيلية، فحكمت على كل واحد منهم سبع سنوات، أي أنها أضافت أربع سنوات إلى الحكم السابق، الذي كان ثلاث سنوات. ويُعدّ هذا الأمر غير مسبوق بالنسبة للأحكام التي تصدر بحق راشقي الحجارة من الفلسطينيين.

 

في هذا السياق، تشير الصحافية جيلي غينات، إلى أن “المحكمة العليا، قامت في خطوة نادرة، بإصدار الحد الأقصى من الحكم بالسجن، الذي يسمح به قانون قام الائتلاف الحاكم بتمريره في البرلمان أخيراً”. وفي مقال نشرته يوم الخميس، تنوّه غينات إلى أن “المفارقة تكمن في أن القانون قد صدر بعد اعتقال المتهمين الفلسطينيين وصدور الحكم الأولي بحقهم، وهو ما يدل على حرص المحكمة العليا على مواءمة قراراتها مع التوجهات المتشددة لوزيرة القضاء إيليت شاكيد، القيادية في حزب البيت اليهودي المتطرف”.

 

كما تتعدد الشواهد التي تؤكد أن الجهاز القضائي يوائم قراراته مع التوجهات اليمينية للحكم، فجميع قرارات تدمير منازل عائلات المقاومين الفلسطينيين حصلت على غطاء قضائي من المحكمة العليا، على الرغم من تعارضها مع أبسط مقتضيات العدل، إذ لا يمكن معاقبة عائلة بكاملها بسبب فعل أحد أفرادها.

 

وترد المحكمة العليا معظم الالتماسات التي تقدم ضد قرارات الجيش مصادرة أراضي الفلسطينيين بغرض تدشين شوارع لخدمة المستوطنين، على الرغم من أن سلطات الجيش الإسرائيلي تحظر على الفلسطينيين استخدام هذه الشوارع. وقد أقدمت المحكمة العليا أخيراً على قرار بالغ الخطورة، يسمح لسلطات الاحتلال بتطبيق قانون “أملاك الغائبين” على العقارات الفلسطينية في القدس، وذلك من أجل إضفاء شرعية على تسريع وتيرة تهويد المدينة.

 

وهناك ما يدل على أن الحملة التي شنّها أقطاب اليمين بعيد الإعلان عن تشكيل الحكومة الحالية على المحكمة، قد آتت ثمارها. فقد أعلن وزراء ونواب في الائتلاف الحاكم، أنهم لن يسمحوا للمحكمة العليا بالتدخل في القرارات التي تتخذها الحكومة، بوصف الحكومة منتخبة من الشعب”.

 

وقد دعا النائب عن حزب “البيت اليهودي” موتيف يوغاف إلى اقتحام المحكمة العليا بالدبابات وتدميرها. وتعكف الوزيرة شاكيد والوزيران الليكوديان أوفير أوكينوس ويريف ليفين، على صياغة مشروع قانون يقلص من قدرة المحكمة العليا على التدخل في القرارات التي تصدرها الحكومة، مع العلم أن هذه المحكمة تمثل دور المحكمة الدستورية ودور محكمة استئناف عليا. لكن اليمين لا يقف عند هذا الحدث، حيث إنه عازم على إدخال تغييرات جوهرية على تركيبة القضاء في إسرائيل.

 

وقد وصل الأمر لدرجة أن رئيس لجنة القانون في الكنيست نيسان سلوميانسكي، الذي ينتمي لحزب “البيت اليهودي”، قد أعدّ مشروع قانون ينص على تأسيس معهد متخصص يقدم استشارات للقضاة في إسرائيل، تساعدهم على إصدار قرارات تأخذ بعين الاعتبار الأحكام الواردة في الكتب اليهودية المقدسة، على أن تكون هذه التوصيات ملزمة. أما محاولات وسائل الإعلام استرضاء اليمين الإسرائيلي فهي أكثر فجاجة ووضوحاً.

 

فقد بثت قناة التلفزة الثانية، الأكثر مشاهدة، فيديو حول أنشطة منظمة “يكسرون الصمت”، التي تراقب سلوك الجيش الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين، ادّعت أن ما ورد في الفيديو يدل على أن القائمين على المنظمة يطلبون من عناصرها الحصول على معلومات سرية عن أنشطة الجيش في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وقد تبين أن القناة قد اعتمدت على فيديو سلمته إياها منظمة “إلى هنا” اليمينية المتطرفة، التي تدعم من دون تردد الاعتداءات الإجرامية ضد الفلسطينيين.

 

وعلى الرغم من أن كثرا في إسرائيل قد حذروا من أن الفيديو قد تعرض لإعادة التحرير والمنتجة بحيث يفضي إلى تجريم “يكسرون الصمت”، إلا أن القناة واصلت بثه واستضافت الكثيرين للتعليق عليه. وكانت النتيجة أن قيادات اليسار نافست قيادات اليمين في وسم “يكسرون صمت” بـ “الخيانة”.

 

في الوقت ذاته، تعمد وسائل الإعلام إلى الاستعانة بخدمات من تصفهم بـ “خبراء” للتعليق على عمليات المقاومة في الضفة الغربية، على الرغم من أن هؤلاء “الخبراء” يتبنّون مواقف يمينية متطرفة. على سبيل المثال تعكف وسائل الإعلام الإسرائيلية على استضافة آفي ديختر، للتعليق على هذه الأحداث في الضفة، بصفته رئيساً سابقاً لجهاز الاستخبارات الداخلية “الشاباك”، من دون أن تأخذ بعين الاعتبار أن ديختر هو حالياً نائب عن حزب الليكود، ويقدم تحليله للأحداث وفق منطلقاته الأيديولوجية، في حين أن هناك عددا كبيرا من قادة “الشاباك” السابقين لا يمارسون العمل السياسي، ويتم تجاهلهم.