إقتصاد المغرب الكبير

تحليل بنية العلاقات الصينية – الأفريقية.. على هامش منتدى “بكين” 2018

د طارق ليساوي
ــــــــــ
في مقال لنا بعنوان «البلدان العربية و الإسلامية بين مطرقة “الأمركة” وسندان “الأصينة”، ومخاوف مهاتير ينبغي التعامل معها بجدية”، نشر قبل يومين، أشرنا فيه إلى أن مبادرة «الحزام و الطريق» ينبغي التعامل معها بحذر و بمنطق برغماتي، يخدم مصالح البلدان العربية والإسلامية، وأن يكون التعاون مع الصين منسجما مع منطق “رابح-رابح”، و ليس محاولة لاستبدال “الأمركة” بـ“الأصينة”..و مقالنا هذا استكمال لنفس المنحى التحليلي، لكن بوصلة التحليل ستركز على العلاقات الصينية – الافريقية، وذلك على ضوء القمة الافريقية-الصينية التي ستعقد يومي 3و4 سبتمبر الجاري في بكين، و سيحاول المقال تفكيك بنية هذه العلاقة و تحليل مسار تطورها، وإخضاع هذه العلاقة للبحث و التحليل، لاسيما في جانبها التجاري والتعاون الاقتصادي، والغرض الإجابة عن جملة من الأسئلة الملحة من قبيل ؛ هل العلاقات الافريقية الصينية علاقة أنداد أم علاقة تبعية للقوة الصينية الصاعدة؟ و هل النفوذ الصيني بالقارة السمراء غايته الإسهام في تنمية القارة و توسيع خيارات شعوبها؟ أم أنه موجة استغلال جديدة و أكثر نعومة للقارة؟
أولا- موجز عن تاريخ تطور العلاقات الصينية الأفريقية، حضور الصين في افريقيا ليس وليد اليوم، كما أن الحضور الأفريقي في الصين ليس بالجديد، فهناك تاريخ طويل من التواصل بين الصين وإفريقيا يعود إلى نحو أزيد من ألف سنة، وتعمق أكثر بعد الحرب العالمية الثانية وقيام جمهوريه الصين الشعبية في عهد “ماوتسي تونغ” ..
ففي سياق المد الثوري، و صراع الصين الشعبية مع الغرب والاتحاد السوفياتي السابق، و بحثا عن التأييد الدولي لانضمام الصين الشعبية لمجلس الأمن وحصولها على العضوية الدائمة بدلا من الصين الوطنية (تايوان)، عملت الصين على تعزيز نفوذها بإفريقيا للحصول على دعم الدول الأفريقية في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقد قدمت الصين الدعم المادي و السياسي للعديد من حركات التحرر الوطني بإفريقيا، وتعززت الأهداف المشتركة بين الصين و العديد من الدول الإفريقية في ظل حركة عدم الانحياز أثناء الحرب الباردة.
لكن علاقات الصين بالقارة السمراء عرفت منعطفا أخر بعد سياسة الانفتاح سنة 1978، إذ تم تغليب منطق المصالح على الأيديولوجيا، فمع بداية صعود الاقتصاد الصيني تزايدت أهمية إفريقيا كمصدر للمواد الأولية ومصدر للطاقة للاقتصاد الصيني، وسوق لتصريف السلع ورؤوس الأموال الصينية .. ونتيجة لذلك، أصبحت العلاقات الصينية الافريقية أكثر اتساعا وعمقا وأكثر تعقيدا، فقد تعددت مجالات وقطاعات التعاون … ولذلك فليس هناك مبالغة إذا تم وصف هذه العلاقات بأنها “شراكة استراتيجية”..
و مقالنا هذا ليس محاولة لتأريخ العلاقات الصينية الافريقية، فذلك أمر لا يكفيه مقال كهذا، و إنما سنركز على حقبة ما بعد 2000، فكما يقول المناطقة “المناسبة شرط” والمناسبة كما أسلفنا القمة المقرر انعقادها يومي 3و4 سبتمبر الجاري..
وقد تأسس منتدى التعاون الصيني- الافريقي في عام 2000، بمبادرة من الصين، وتبعا لذلك أخذت العلاقات الصينية- الافريقية بعدا جديدا، تمثل في التعاون الجماعي الافريقي مع الصين، بعد سنوات من العلاقات الثنائية بين الصين ودول افريقيا وتاريخ من النضال المشترك في فترة مقاومة الاستعمار والتحرر الوطني.
و شهدت العلاقات الصينية-الأفريقية، عددا من المحطات الهامة، أبرزها وثيقة تأسيس المنتدى في عام 2000، والوثيقة التي أصدرتها الحكومة الصينية في يناير 2006، والتي حددت فيها مبادئ وأهداف ومعالم سياستها تجاه افريقيا، ثم قمة بكين لمنتدى التعاون الصيني- الافريقى عام 2006 التي أعلنت خلالها الصين عن حزمة من الإجراءات لتعزيز التعاون مع افريقيا ومن ذلك: 1- زيادة المعونات المقدمة للدول الافريقية 2- إقامة صندوق لتشجيع الشركات الصينية على الاستثمار في افريقيا 3- إلغاء الديون عن بعض الدول الافريقية 4- إقامة منطقة تعاون اقتصادي وتجاري 5- تعزيز التعاون في مجالات تدريب الموارد البشرية والزراعة والصحة والتعليم…
وجاءت قمة “جوهانسبورج” في ديسمبر 2015، لتعزز هذا التوجه فخلال هذه القمة أعلن الرئيس الصيني “شى جين بينج” عن أكبر حزمة دعم مالى لافريقيا مقدمة من الصين، و شملت حوالي ستين مليار دولار لمشروعات التنمية، وإلغاء بعض الديون ودعم الزراعة وفق خطة مدتها ثلاث سنوات.
ثانيا- منتدى بكين تأكيد على أهمية افريقيا في السياسة الخارجية للصين ؛ في سياق الإعداد لمنتدى “بكين” صرح وزير الخارجية الصيني “وانج يي” في مقال له منشور بصحيفة “الشعب اليومية” في نسختها الصادرة باللغة الإنجليزية، جاء فيه “إن القمة المقرر انعقادها يومي 3 و4 سبتمبر الجاري في بكين ستكون حدثا تاريخيا للصين وافريقيا لتعميق الصداقة التقليدية وتعزيز التعاون الاستراتيجي بينهما..” وأضاف “أن الرئيس الصيني اختار افريقيا مرتين لتكون الوجهة الأولى لزياراته الأجنبية عندما تولى منصبه وعندما أعيد انتخابه رئيسا للصين، مما يشير إلى أن تعزيز التعاون الودي الصيني-الافريقي كان خيارا استراتيجيا لا يتزعزع للدبلوماسية الصينية..”
وإذا كانت التجارة أحد أهم مؤشرات تطور ومتانة العلاقات بين أي طرفين دوليين، فإن نمو حجم التبادل التجاري بين الجانبين الصيني والافريقي خير دليل على نوعية العلاقات الصينية- الافريقية، فقد انتقل حجم التبادل التجاري بين الطرفين من عشرة مليارات دولار عام 2000، ليصل إلى أزيد من مائة وسبعين مليار دولار عام 2017، و موزعة على النحو الأتي : صادرات صينية إلى افريقيا قيمتها حوالى 95 مليار دولار ، مقابل صادرات افريقية إلى الصين قيمتها أكثر من 75 مليار دولار أمريكي، مع تراجع الفائض التجاري للصين بنسبة 45% تقريبا مقارنة مع عام 2016، و عموما فإن الفائض التجاري لصالح الصين وذلك مصدر قلق…
وأهمية قمة بكين لهذه السنة تؤرخ للذكرى السنوية الخامسة لإنطلاق مبادرة «الحزام والطريق» و التي تتبناها الصين وشاركت فيها دول افريقية عديدة، و أيضا بعد قمة دول BRICS فى جنوب افريقيا و التي عقدت تحت عنوان “بريكس في افريقيا.. التعاون من أجل المشاركة في النمو الشامل وتقاسم الرخاء في الثورة الصناعية الرابعة”، فهل فعلا النفوذ الصيني بالقارة هو في صالح شعوب القارة السمراء وأداة لتوسيع خيارات الشعوب الافريقية أم أنه موجة جديدة من استغلال و استنزاف ثروات القارة؟
ثالثا- مكاسب ومثالب التغلغل الصيني بالقارة السمراء ؛ من دون شك أن التغلغل الصيني في افريقيا أثار اهتماما دوليا خلال السنوات الماضية، خاصة أن هذا الوجود يغلب عليه الطابع الاقتصادي بدرجة أساسية، وتحتل فيه القضايا السياسة والأيديولوجيا أهمية ثانوية أو بالأحرى يصعب تتبع خيوطها على الأقل في الوقت الراهن، فالصين ليس لديها طموحات سياسية ذات أهمية فى أفريقيا، فهي تتعاون مع مختلف الأنظمة السياسية والاجتماعية في القارة السمراء، وتقدم معونات غير مشروطة لكافة دول القارة، و تتمحور مشروعاتها في القارة على مشاريع البنية الأساسية مثل الطرق والسكك الحديدية ومحطات الطاقة والمياه، وغيرها من المشروعات التي يستفيد منها عامة الناس…
فعلاقة الصين بافريقيا تتسم بجملة خصائص أهمها:
1- أن الصين تنتهج سياسة برغماتية تغلب المصالح على قضايا السياسة و الأيديولوجيا، لذلك فإن الأنظمة السياسية الأفريقية، التي لا تستطيع الحصول على دعم من البلدان الغربية ، التي توظف شعارات حقوق الإنسان و الدمقرطة، تجد هذه الأنظمة في الصين شريكا دوليا يستجيب لاحتياجاتها دون شروط سياسية متصلة بحقوق الإنسان أو الديمقراطية، ومن ثم فإن الصين عندما تكثف تعاونها وعلاقاتها مع افريقيا، تريد تحقيق مصالح جوهرية ومكاسب حقيقية لها، ولكن في ذات الوقت تحقيق مصالح ومكاسب للطرف الآخر بتعظيم الاستفادة من إمكانيات كل طرف، فالصين تتمتع بمزايا نسبية في مجال التقنيات ورأس المال والخبرات الفنية، وفي حين تتمتع افريقيا بتفوق في الموارد الطبيعية وإمكانات التنمية والأسواق.
2- على الرغم من أن البعد السياسي يصعب تتبعه في علاقة الصين بافريقيا، إلا أن تعاظم قوة الصين يعنى توسع مجالها الحيوي ونفوذها الاستراتيجي ليشمل نطاقات أبعد من محيطها الآسيوى وتعتبر افريقيا وفق العقيدة العسكرية للجيش الصيني وللدبلوماسية الصينية مجالا حيويا للصين ، فالصين أصبح لها استعداد للتدخل إذا تم المس بإمدادات الطاقة والمواد الأولية التي مصدرها القارة… غير أن تاريخ العلاقات الصينية- الافريقية، قديما وحديثا، لم يعرف أي خلافات جوهرية وليس للصين تاريخ استعماري في افريقيا، ومن ثم فإن علاقات الطرفين تخلو من الحساسية والمخاوف والشكوك على خلاف ما حدث مع قوى أوروبية أخرى و حتى أمريكا التي تدخلت عسكريا في أكثر من بلد افريقي…
3-هناك قدر من التكامل بين أفريقيا و الصين، فهذه الأخيرة في حاجة إلى الموارد الأولية المتوفرة في افريقيا وفى مقدمتها النفط، وتريد مجالا أكثر ربحية وجدوى لاستثمار فوائضها المالية الضخمة، وأسواق ناشئة لتصريف منتجاتها التي أصبحت تعاني من المزيد من المضايقات في الأسواق التقليدية للصين وتحديدا الاتحاد الأوروبي والسوق الأمريكي…
لكن مع أن هذه العلاقات الصينية الافريقية، تحقق قدرا من المنفعة لبلدان القارة، إلا أن مكاسب الصين تبقى أكبر وأكثر نفعا للدخل الصيني، فالشركات الصينية المدعومة من الحكومة أصبحت تسيطر على مصادر الطاقة و المواد الأولية في القارة بشكل متنامٍ، كما أن تبني الصين لسياسة غض الطرف عن الفساد، وغياب الحوكمة، و الشفافية في عقد الصفقات العمومية بالقارة ، يعمق من الفساد وهو ما ينذر بمزيد من هذر موارد القارة السمراء..
لكن علينا أن نقر بأن شعوب القارة السمراء أصبحت أكثر يقظة، والعديد من هذه البلدان أصبحت تلتحق بركب الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، وتوسيع خيارات الشعوب وإشراكها في وضع السياسات العمومية، و اختيار منفذيها، وخير مثال ما حدث في بلدان ك كـ»رواندا”» و» أنغولا» و»ليبيريا» واللائحة طويلة… لكن للأسف لازالت أغلب البلدان العربية والإسلامية بالقارة السمراء، بعيدة عن موجة الديمقراطية و الحرية وتوسيع مشاركة الشعوب، و بالتالي استمرار استنزاف الثروات بمباركة من الأنظمة السياسية الفاسدة، و بتواطؤ مع القوى الأجنبية بما فيها الصين، فهذه الأخيرة لن تكون “ملكية أكثر من الملك” …و الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

كلمات دلالية