أحوال عربية

الاستقطاب الامريكي – الايراني في العراق.. مؤشراته وابعاده

سيف ابراهيم
ــــــــــــــ

بعدما تم تجاوز مرحلة الدعوة لتأجيل الانتخابات البرلمانية العراقية 2018، بحجة الظروف الصعبة التي يمر بها البلد، وبعد اجراءها والطعن بها واعادة العد والفرز يدويا، كان الشعب يمنّي النفس بإشراقة امل وانبعاث الحياة من جديد بعد سنوات الطائفية، القاعدة واخرها داعش ! كانت البدايات تنذر بخير، خاصة وان هناك توجهات لدى بعض الكتل والاحزاب الى المضي قدما في ايجاد معارضة حقيقية تراقب وتقوّم عمل الحكومة، فيما اذا لم تستطع هذه الاحزاب هي من تشكل الحكومة وهي بذلك ستكون اشبه بحكومة الظل .

ان هذا التصور كان ليخلق انعطافة تاريخية في طبيعة النظام السياسي المعاصر للعراق، ويجعل عجلة الديمقراطية تسير بالطريق الصحيح بعد انحرافها على مدى 15 سنة، ونكون بذلك امام حكومة مسؤولة ومعارضة قوية، تصحح تشوهات اثّرت حتى على نسيج المجتمع وفككته. لكن، ما ان توجهت بعض الكتل لتشكيل جبهة الكتلة الاكبر، وحيّدت اطراف اخرى معينة، حتى دبَّ الخلاف وانحسرت الشعارات وبان وجه الشراكة والمحاصصة والتوافقية القبيح من جديد، فلن يتم تقبل الذهاب الى المعارضة حتى من الاحزاب التي حصلت على مقعد واحد، واصبحت تزاحم الكتل الكبيرة في بورصة الانضمام لايّها من اجل ترجيح الكفة !

ان هذا التناحر بين الكتل والاحزاب من اجل الظفر بتشكيل الحكومة وارغام الاخرين على الذهاب الى المعارضة، هو ليس من اجل قطف ثمار السلطة فقط، بل هو ايضا انما يعبر عن طبيعة الصراع الامريكي – الايراني المحتدم ولكن بأدوات عراقية، فذهاب اي طرف لتشكيل الحكومة دون الطرف الاخر، انما يعني انتصار احد المحاور الخارجية على الثاني، وهذا ما لن يحدث ولن ترضى به مطلقا اي من الدولتين (امريكا وايران)، لذلك فان مسالة امكانية الذهاب للمعارضة انما هي ممكنة فقط من قبل (سائرون) والتي تؤمن بقدرتها على التأثير حتى بوجودها في جبهة المعارضة مع انها الكتلة الاكبر، اضافة الى انها غير مدعومة خارجيا من جميع الاطراف .

هذا يعني ان جبهتي الصراع الاخرى التي تسعى لتشكيل الحكومة والتي تعبّر كل منها عن توجهات دولة بعينها، لن يقبل اي منهما بالذهاب للمعارضة، وترك الساحة امام الطرف الاخر للوصول الى السلطة والتعبير عن وجهة نظر الدولة الخارجية الداعمة له والراضخ لها ! فلو استطاع محور النصر بقيادة العبادي تكوين الكتلة الاكبر وتشكيل الحكومة بعيدا عن الفتح، هذا يعني ان ايران التي تختنق الان جرّاء انسحاب ترامب من الاتفاق النووي، ستحتضر ويصعب عليها التنفس بعد الان من خلال رئتها الغربية، فتنحسر على مستوى الداخل اقتصاديا، وينقطع وصالها مع دول محور المقاومة ( سوريا ) تحديدا، ويخف الى حد كبير تأثيرها السياسي على العراق، ويتم تقزيم والسيطرة على الفصائل المسلحة، حتى ترويضها والقضاء عليها وسحب السلاح من يدها، وهذا هو الخسران الاعظم لإيران وبمثابة رصاصة الرحمة على النظام الاسلامي فيها .

لذلك ستعمد ايران وبشتى الوسائل والطرق الى وضع المعوقات والمعرقلات وعظيم المشكلات بوجه هذا المحور الذي سيؤذن بخرابها واندحارها وانحسار مشروع تصدير الثورة ان رأى النور، فرأينا ردة الفعل الاولى كانت قد انطلقت من خلال الامين العام لمنظمة بدر هادي العامري والتي صرّح فيها بأن الحكومة التي تتشكل بعيدا عن الفتح ستفشل خلال شهرين، بل ذهب الى ابعد من ذلك عندما وصفها بالعميلة وهذا تصعيد خطير ويحمل في طياته تهديد ووعيد لمن يعمد الى حكومة، هو ليس فيها طرفا بأنها ستكون مستهدفة ولن تستطع الصمود لأربع سنوات، تبع هذا التصريح، بيان صادر عن مجموعة من الفصائل المسلحة التي ايضا تتوعد وتهدد بإسقاط اي حكومة ستأتي من طرف المحور الامريكي على حسب وصفهم ووجهت الانذار بالتحديد للقائمين على حزب الدعوة وهو انذار شديد اللهجة وتصعيد ينذر بإقتتال داخلي فيما لو اقدم العبادي في خطواته وقراراته التي تقليم اظافر هذه الفصائل، والتي يسعى من خلالها وفقا لرؤيتهم الى كسب ود امريكا والظفر برئاسة الوزراء لولاية ثانية .

اما فيما لو استطاع محور الفتح بقيادة العامري تكوين الكتلة الاكبر، هذا يعني ان العراق سيصبح بالفعل هو الحديقة الخلفية لإيران وامتداد لإمبراطوريتا الفارسية كما قال احد المسؤولين الايرانيين، نرى حينها ان ايران لن تتأثر بقرارات ترامب بعد الان وستخرج من الازمة الاقتصادية بكل سهولة وستخسر الرهان امريكا بالقضاء على النظام الايراني داخليا بتأجيج الشارع ضده ودعم التظاهرات والاحتجاجات المناهضة، اضافة الى ذلك ستجد امريكا نفسها، غير مرحب بها في العراق وتكون قواعدها مستهدفة مما يضطرها الى الانسحاب بخذلان وانكسار، وهذا سيجعل الهلال الشيعي في اقوى مراحله واشدها قدرة، فيشتد الصراع من جديد في سوريا بقوة ويتعاظم في اليمن ويصل التأثير الى لبنان التي قد تشهد ساحتها صراعا اقليميا كما السابق في القرن الماضي ولكن بنكهة (ايرانية – سعودية)، كل هذه التبعات المتوقع حصولها فيما لو استطاع محور الفتح تشكيل الحكومة، تجعل امريكا وباستخدام مختلف الادوات ترغيبا وترهيبا لمنع وصول الفتح للسلطة حتى لو دعاها هذا الامر الى اطالة عمر الحكومة الحالية الى سنتين ومن ثم اجراء انتخابات جديدة في العام 2020 وهذا امر وارد الحدوث .

في ظل صراع هذين المحورين وعدم وصولهما الى حل وسط، سيدخل العراق في حالة من الفوضى وانعدام الامن والاستقرار، وليس ببعيد ان يدخل العراق في متاهة المجاعة وانعدام الامن الغذائي، ذلك ان الصراع اليوم هو في الساحة الشيعية تحديدا، ونحن نعلم ان الثقل الاعظم من ميزانية الدولة انما تعتمد على واردات النفط والذي يستخرج بمعظمه من هذه المحافظات، فما يحدث في البصرة من تظاهرات سلمية عفوية تطالب بالخدمات وتندد بالفساد، من قبل شباب واعٍ، يشغله ويتملكه حب الوطن والمحافظة عليه، نرى ان هناك فئة استغلت هذا الغضب الشعبي فعمدت الى التحطيم وحرق المباني وتدمير المنشآت والمؤسسات الحكومية، ان هذا الجمع المنحرف والمدفوع داخليا او خارجيا والذي استغل ثورة الشباب الغاضب، يسعى الى ايصال رسالة مفادها ان عدم قبول طرف سياسي معين في تكوين الكتلة الاكبر لتشكيل الحكومة، يعني ان الفوضى ستعم وقد تمتد الى ابعد من محافظة البصرة، وقد يصل الحال الى تهديد الشركات النفطية واغلاق الموانئ، والذي سيؤدي واقعا الى ايقاف تصدير النفط وتعطيل الملاحة، بمعنى ان العراق والذي يعتمد في اقتصاده الريعي على ما تنتجه ارض البصرة، سيعاني من انسداد شريانه الاقتصادي ولن تنفعه بعد ذلك القسطرة ! ممن يؤدي الى امكانية حدوث اقتتال داخلي ومرور العراق بمجاعة!! .

لذا، وبحكم قدرة طرفي الصراع على احداث تأثير فعلي وفاعل ومؤثر يصل الى حد دمار العراق من خلال الادوات التي يمتلكونها، فليس هناك من خيار اخر، سوى العودة الى المحاصصة والتوافقية بحيث تتكون الكتلة الاكبر من محوري (النصر والفتح) والتي من خلالهما يتم تشكيل الحكومة، وبهذا يبقى التوازن في السيطرة على تبعية العراق وانتقاص سيادته موزعا بين امريكا وايران، دون مقدرة اي من الطرفين على النجاح في لعبته الصفرية التي تعدم وجود الاخر !، وفي ظل امكانية حدوث هكذا خطوة تكرس الطائفية والمكوناتية من جديد، هذا يعني ان (سائرون) قد تركن الى المعارضة ايمانا منها بأن المشاركة في هكذا حكومة انما هو خيانة للشعب والوطن، بذلك يبقى بصيص الامل بتغيير ولو طفيف من خلال مراقبة المعارضة لأداء الحكومة القادمة .

سيف ابراهيم / باحث سياسي