تحقيقات

عبر ناغورني كاراباخ… كلاب الحرب هل تعود؟ جاكوب ناغل وجوزف سيهانوفر وفريدون أوغلو في لندن؟

 

هل ما يجري على طول خطوط علاقات أرمينيا أذربيجان صراع عرقي اثني؟ وهل هو شكل من أشكال صراع الأدمغة الروسية الأمريكية عبر الوكلاء؟ أم نحن بصدد مشهد يتجدد في عودة كلاب الحرب في القوقاز من جديد، بسبب مفاعيل وتفاعلات المسألة السورية ومضائقها الضيقة، وتعقيداتها ومنحنياتها ورسوماتها البيانية صعوداً ونزولاً، بفعل تصاعدات في لغة الميدان العسكري لصالح النسق السياسي السوري وحلفائه، حيث ستزداد حمولات وفد الدولة الوطنية السورية الى جنيف بمشهده الثالث ان عقد هذا الشهر أو الذي يليه، صرفاً على طاولة السياسة؟ أم أنّه تعدّى هذه المرحلة ليصبح فرصة دورية ومروحة واسعة لتصفية الحسابات الأقليمية والدولية التي لم تتسع لها ساحات منطقتنا العربية، وباقي ساحات الشرق الأوسط؟ وهل سيمتد النزاع الى اقليم ناختشيفان ذو الأغلبية الأذرية والذي تم ضمه الى الحدود الأدارية لأرمينيا رغماً عن سكّانه، كما تم ضم اقليم ناغورني كاراباخ الى الحدود الأدارية لأذربيجان رغماً عن رغبة سكّانه الأرمن أيضاً، حيث الضمين كانا في حقبة جوزيف ستالين السوفياتي؟.

وهل ثمة من يكره الضم ووضعيات الكاماسوترا السياسية ذات الضم المتبادل ولباقي الأقاليم الستة الخاضعة لسيطرة الأرمن العسكرية؟ أم أنّه  امتداد للحرب على سورية وفي سورية، والصراع الأوكراني الأوكراني الداخلي، وتموضعات جورجيا في هياكل الناتو العسكرية ووجهه المدني الأتحاد الأوروبي، والذي صار مهدّداً في بقائه واستمراره ووحدته، بسبب الأرهاب الذي دعمه بطريقة أو بأخرى في المنطقة والداخل السوري، صيانةً لهياكل أمن ثكنة المرتزقة اسرائيل الصهيونية المتطرفة، القلعة مغلقة التفكير، كما وصفها الملك عبدالله الثاني ذات مساء عربي صاخب؟ وهل ما يجري هو مؤشر لحرب بالوكالة على طول خطوط العلاقات الروسية التركية المتأزّمة، ومنذ الأسقاط التركي لطائرة السوخوي العسكرية الروسية الهجومية في المجال الجوي السوري في العام 2015 م؟ وهل ثمة يد تركية في تجدد الأشتباكات حيث تركيا تساند باكو ضد أرمينيا؟ وهل هو وجه جديد محدّث من وجوه الصراع الروسي الأيراني من جهة، والتركي الأمريكي الأوروبي من جهة أخرى، عبر تمنطقه كحرب حدود ونفوذ، وخاصةً ازاء مخزونات بحر قزوين؟ وهل هو بحر أم بحيرة مغلقة أي قزوين أو بحر الخزر وحسب التسمية الأيرانية؟.

راجع تحليلنا على غوغل الذي نشر في السابق:(عيون الغاز والطاقة في القرار 2268 والقاضي بوقف الأعمال العدائية، شهوة شبقة للسيطرة على الاحتياطي الإستراتيجي للطاقة)فلا اطار قانوني حتّى اللحظة لقزوين، فعلى ضوء هذا الأطار سيصار الى تقسيم ثرواته بين الدول الخمس المطله عليه(روسيّا، أذربيجان، ايران، تركمنستان وطاجيكستان)وتركيا دولة ترانزيت للغاز(مرور)باتجاه أوروبا، وقد تتحول الى دولة ترانزيت غازي ثرية جداً بسبب ذلك.

الروس يدعمون أرمينيا بالرغم من أنّها وسيط في أزمة الأقليم، وتحتفظ بقاعدة عسكرية في مدينة غيومري الأرمنية وفي العاصمة الأرمنية نفسها بريفان، وتساهم في دعم الأقتصاد الأرمني، بجانب ايران والتي تدعم أرمينيا، حيث الأخيرة سوقاً مهماً للسلع الأيرانية ولقطاع النفط الأيراني الذي يصدر لها النفط الخام، وتنشىء ايران الآن خطّاً غازيّاً يربط بين أرمينيا وطهران.

الأوروبيون والأمريكان هم بجانب باكو بالرغم أنّهم وسطاء أيضاً، بحيث الرؤية الأمريكية للحل تتمثل في: تعترف باكو باستقلال الأقليم وبسيادة أرمينيا على ممر لاتشين المؤدي الى الأقليم، مقابل منح باكو منطقة مغري الفاصلة بين الأراضي الأذرية واقليم ناختشيغان التابع لباكو، والواقع داخل الأراضي الأذرية، مع منح أرمينيا حق الممر عبر هذه المنطقة في اتجاه الحدود مع ايران، وهذا ما رفضته أرمينيا بدعم روسي كونها تصب في صالح أذربيجان، وتمنع أرمينيا من السيطرة على طول الحدود مع ايران، حيث تمثل لها شرياناً حيويّاً لا بديل عنه.

أمّا الوجه المدني للناتو العسكري(الأتحاد الأوروبي)وضع رؤية تموضعت، في اعتراف الجميع بوحدة آراضي أذربيجان، مع اعطاء الأقليم شكلاً من أشكال الحكم الذاتي الموسّع، وأيضاً تم رفض هذه الخطّة الأوروبية.

الحدود التركية الأرمنية ما زالت شبه مغلقة بالرغم من بوادر تقارب بين البلدين ما قبل ما يسمى بالربيع العربي، عبر سياسة صفر مشاكل التي انتهجها احمد أوغلو وهو وزير خارجية، ويعتقد أنّ تجدّد الصراع هناك سوف يقود الى اختفاء تلك البوادر الطيبة بين تركيا وأرمينيا، والأخيرة أكثر حرصاً على مصالح موسكو في المنطقة وأسيا الوسطى من أذربيجان، بالرغم من علاقات جيدة تربط موسكو بباكو.

ثمة يد التركية في تجدد الصراع هنا، جاءت ردّاً على موسكو في تعزيز علاقاتها العسكرية مع أرمينيا منذ أكثر من عام مضى؟ وهل هي أيضاً ردّاً على تفعيل موسكو لمعاهدة قيادة الدفاع الجويّة المشتركة مع أرمينيا آواخر العام 2015 م، بعد الأسقاط التركي للطائرة السوخوي الروسية وقتل طيّاريّها؟ الفدرالية الروسيّة أرسلت قوّات محددة من الجيش الروسي رقم 58 المتمركز في شمال القوقاز، تشمل ألوية وأفواج عسكرية خاصة الى الحدود تضم 7000 آلاف جندي يتموضعون الآن على طول الحدود التركية الأرمنية، مع نشره لمنظومات دفاع جوي روسية من نوع اس 300 واس 400، بحيث تشكل هذه البطاريات مع مثيلاتها الروسية في القاعدة الروسية في حميميم السورية في اللاذقية تغطية رادارية وقتالية لحوالي 83 % من الأجواء التركية، مما يشكل ضغطاً عسكرياً كبيراً متفاقماً على تركيا والناتو نفسه، حيث تركيا تعاني من تبعات التدهور المستمر في علاقاتها مع روسيّا، والسؤال هنا أيضاً: هل كان هذا الموضوع محل نقاش بين تركيا واسرائيل في لندن يوم الخميس الماضي في 7 – 4 – 2016 م في الأجتماع المخصص لبحث اتفاق تطبيعي للعلاقات بين أنقرة وتل أبيب، بجانب بحث العملية الأرهابية الأخيرة في اسطنبول والتي استهدفت اسرائليين؟ بعبارة أخرى هل الأرهاب سيأخذ طابع سياسي في الداخل التركي لحظة تطبيع العلاقات مع ثكنة المرتزقة اسرائيل؟ وهذا ما يقلق مجتمعات المخابرات على طول خطوط العلاقات التركية الأسرائيلية، خاصةً بعد اصدار اسرائيل تحذيراً شديداً قبل ساعات لرعاياها، بمغادرة تركيا فوراً، خوفاً من استهدافات ارهابية بحقهم، نتيجة معلومات من محطة المخابرات الأمريكة في الداخل التركي.

وبفعل الدبلوماسية الروسية الجادة، والعقيدة العسكرية الجديدة للجيش الروسي، والفعل العسكري الروسي المتفاقم في سورية والمنطقة،  صار الأمريكي تكتيكيّاً يمتطي ظهر الديك الرومي بدلاً من ظهر الحصان، ازاء سورية وازاء بؤر التسخين الأمريكي البلدربيرغي الأخرى بفعل الحدث السوري ومفاعيله وتفاعلاته، وبفعل الأرهاب الذي صنعه الأنجلوسكسوني في الداخل العراقي والداخل السوري، والداخل الليبي والداخل المصري، بالتعاون مع جوقة حلفائه أدواته(الكومبارس الخاص به)في المنطقة من بعض عرب مخادع والعالم، ازاء أوكرانيا وجورجيا تحديداً مع اثاراته للنزاع من جديد في اقليم ناغورني كاراباخ مؤخراً بعد هدنة طويلة الأمد نسبيّاً من عام 1994 م، وفي ظل انشغالات العالم بالمسألة السورية وتداعياتها وعقابيلها، وخاصة بعد الفعل الروسي المتصاعد في المسألة السورية والأوكرانية، والتي خلطت كل أوراق الطرف الثالث ومن ارتبط به من العرب بالحدث السوري والحدث الأوكراني، خاصةً وأنّ موسكو تدرك الضعف الأمريكي السياسي وتعقيدات الموقف العسكري الأمريكي الولاياتي لحين بدايات العام 2017 م لحين قدوم رئيس جديد، فهي تريد(أي الفدرالية الروسية)استغلال وتوظيف وتوليف هذا الوهن السياسي العسكري الأمريكي(المؤقت)الى أبعد أبعد الحدود، لذلك وعبر الدبلوماسية الروسية والمخابراتية الأستخباراتية العسكرية الجادة وأثرها واضح في الميدان وعلى الميدان السوري، طرحت موسكو خطّة لحل جلّ المسألة السورية تمثلت في قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة من القرار 2253 وشقيقه 2254 والقرار 2268 الخاص بوقف الأعمال العدائية وقرارات أخرى ذات صلة قبل هذه القرارات، كما استطاعت الدبلوماسية الروسية الجادة والفاعلة من جعل الأمريكي يمتطي ظهر الديك الرومي بدلاً من امتطائه ظهر الحصان وان لحين، كما فعّلت دور الجنرالات الأمريكان الحقيقيين في وزارة الخزانة الأمريكية لا في البنتاغون والمجمّع الصناعي الحربي، فحلّت ثقافة الأرقام محل ثقافة القاذفات بسبب صعوبات في الأقتصاد الأمريكي . 

مقابل كلّ ذلك تتحدث المعلومات، عن وجود مخطط أميركي يسعى بشكل حثيث وخافت، من أجل استغلال واستثمار الظروف غير المستقرة السائدة في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام ومنطقة القوقاز الجنوبي بشكل خاص، لجهة نشر القوات الأميركية في المنطقة بهدف عسكرة الحدائق الخلفية للفدرالية الروسية، لجهة مناطق القوقاز الجنوبي وغيره من باقي المناطق ذات المجال الحيوي الروسي.

وعليه فأنّ جدول أعمال التحركات الأمريكية المعلنة وغير المعلنة، والتي تستهدف ايران(رغم البدء بتنفيذ الأتفاق النووي)كحلقة استراتيجية متصاعدة ومتفاقمة ضمن متتاليات هندسية، في الرؤية العميقة للمجمّع الصناعي الحربي الأمريكي وحكومته العميقة الخفية BUILDER BURG، يتكون من بنود تنطوي على نوايا ومساعي أميركية لجهة الحصول على موافقة أذربيجان وأرمينيا، على مشروع نشر القوات الأميركية في المناطق الأذربيجانية السبعة الواقعة تحت السيطرة العسكرية الأرمنية، هذا وما هو أكثر خطورة يتمثل في أن المناطق الأذربيجانية السبعة المسيطر عليها أرمنيّاً، تقع على طول خط الحدود الأذربيجانية – الإيرانية.

وهذا يعني بوضوح، أن نشر القوات الأميركية في هذا المناطق السبعة، أن القوات الأميركية أصبحت تتمركز على طول الحدود الإيرانية – الأذربيجانية، بشكل ينطوي على قدر كبير من الخطر بالنسبة للأمن القومي الأيراني، وسوف يتيح للقوات الأميركية التمركز على طول خط الحدود الأذربيجانية – الإيرانية، حيث الأخيرة تقع على مقربة من مناطق شمال ووسط إيران، وتوجد كل المنشآت الحيوية الإيرانية في المناطق الوسطى والشمالية، كما تتميز رقعة الأراضي الإيرانية الممتدة من خط الحدود الإيرانية – الأذربيجانية بالسكان ذوي الأصول الأذربيجانية، الذين ينخرطون(كما تقول المعلومات)في عداء عميق لنظام الثورة الإسلامية، إضافة إلى تميزهم بالنزعة القومية الاجتماعية الأذربيجانية، فهم يتحدثون باللغة الأذربيجانية ويدعمون الحركات الانفصالية التي تطالب بالانفصال عن إيران والانضمام إلى أذربيجان.

وتشير التوقعات إلى أن تمكّن واشنطن من نشر قواتها، في هذه المناطق الأذربيجانية الفائقة الحساسية بالنسبة لأمن إيران القومي، هو مسألة وقت ليس الاّ، خاصة بعد أن تم اضعاف النسق السياسي السوري عبر حدثه، والأحتفاظ به كخصم اقليمي ضعيف، فقد تم البدء بالتحضير للعمل بعمق في الداخل الأيراني(العراق بات أولوية أمن قومي أمريكي، وتنشيء واشنطن قاعدة عسكرية جديدة في نينوى، بجانب قواعدها العسكرية الأخرى والحجّة دائماً وأبداً داعش – دواعش ماما ودادا أمريكا)، وبوصف واعتبار ايران خاصرة الفدرالية الروسية الضعيفة بالمعنى الأستراتيجي. وتقول معلومات الخبراء أنّه ومن الممكن أن تحصل أميركا بكل سهولة على هذه المزايا الأنفة وأذربيجان حليفة لواشنطن دي سي، حتّى وإن كانت أرمينيا حليفة موسكو، فإنّها أرمينيا هذه تحتفظ بعلاقات وثيقة مع أركان الإدارة الأميركية، وعلى وجه الخصوص بسبب الاعتبارات المتعلقة بالتحالف الوثيق بين جماعات اللوبي الإسرائيلي، واللوبي الأرمني، إضافة إلى اللوبي الكردي عبر زعيمه قوباد جلال الطالباني زوج شيري كاراهام ذات القد الممشوق.

هذا وتسهب المعلومات، بأن تحركات واشنطن الرامية إلى نشر القوات الأميركية في الأقاليم الأذربيجانية السبعة المسيطر عليها أرمينيّاً، تتضمن الكثير والكثير من الحسابات المعقدة، فمع فرض موسكو للهدنة والتجميد النهائي غير المحدود لأزمة إقليم ناغورنو- كرباخ المتنازع عليه بين أرمينيا وأذربيجان، إضافة إلى الأقاليم الأذربيجانية الستة الأخرى، المحيطة بإقليم ناغورنو- كراباخ والتي تسيطر عليها حاليا القوات الأرمنية، الى إضعاف نفوذ الدبلوماسية الوقائية السريّة التركية الساعية إلى عقد صفقة أرمنية – أذربيجانية يتم بموجبها حل أزمة إقليم ناغورنو-كرباخ، أو على الأقل إخراج القوات الأرمنية من الأقاليم الأذربيجانية الأخرى، الى إضعاف العلاقات الأرمنية – الروسية، والعلاقات الأرمنية – التركية الضعيفة أصلا حيث الحدود ما زالت مغلقة بين البلدين، الى ردع إمكانيات حدوث أي تقارب إيراني – أذربيجاني حقيقي وفعلي، والى منع إمكانيات تطوير العلاقات الثنائية التركية الإيرانية والتي ضعفت بعد الحدث السوري، كما أنّه من شأن ذلك أن يقود، الى دفع أرمينيا المجاورة لإيران، وأيضا أذربيجان، لجهة توتير العلاقات الثنائية ليس مع إيران وحسب وإنما مع تركيا أيضا.

إنّ وجود القوات الأميركية في الأقاليم الأذربيجانية السبعة المسيطر عليها أرمينياً كمجال حيوي لأقليم كاراباخ، سوف يتيح لواشنطن دي سي تنسيق عمليات الحرب السريّة ضد بلدان منطقة القوقاز الجنوبي، وعلى الأغلب أن يتضمن ذلك المزيد من العمليات العسكرية – المخابراتية السريّة، حيث تتموضع وتتمثل الأخيرة في سلّة الأهداف التالية:- 

من رعاية ودعم الحركات الانفصالية الإيرانية ذات الطابع القومي الاجتماعي الأذربيجاني، ودفعها لتفعيل أنشطتها ضد إيران على غرار جماعة جند الله الإيرانية الناشطة في منطقة سيستان – بلوشيستان، وجماعة حزب الحياة الحرة(بيجاك)الكردية الإيرانية والناشطة في منطقة كردستان الإيرانية – مناطق شمال غرب ايران، وجماعة حركة مجاهدي خلق الناشطة بالانطلاق من الأراضي العراقية، حيث يصار الى اعادة انتاجها من جديد واستنساخها لتعمل من آراضي عربية أخرى ذات قرب جغرافي من ايران الجارة المسلمة، بوصف هذه الحركة وغيرها من الحركات الأيرانية المعارضة – الأرهابية أدوات بيد وكالة المخابرات المركزية الأميركية، وحكومة المجمّع الصناعي الحربي الأمريكي الخفية BUILDER BURG، ذات الجنين الماسوني لحكومة أممية تعمل بالخفاء .

صحيح أنّ السياسة تعني فن الممكن، لكنها الآن ونحن نعيش في الألفية الثالثة للميلاد، تعني  بالمعنى الأدق هي فن إعادة إنتاج الضرورة بمفهومها الشامل، ضرورة أمنية وسياسية واقتصادية واجتماعية وحتّى الثقافية الفكرية، بعبارة أخرى السياسة هي منتج أمني وسياسيي واقتصادي واجتماعي وثقافي فكري ولم تعد فقط فن الممكن.

والرهان في علم الرياضيات المعاصرة أيّاً كان هو مجرد احتمال فقط، والاحتمال في علم السياسة سواءً كانت سياسة النخب أو السياسة “الشعبوية” هو ليس يقيناً.

لقد راهنت النخب السياسية الجورجية الحاكمة وحزب الحركة المتحدة بقيادة ميخائيل سافاشغيلي، المحامي وحامل الجنسية الأميركية وزعيم الثورة الملونة والتي عرفت باسم الثورة “الوردية” أو القرمزيّة، راهنوا على مفاعيل ارتباطهم بمحور تل أبيب واشنطن وبعض العرب في القوقاز لضرب الفدرالية الروسية ومفاصل مؤسساتها وما زالوا حتّى اللحظة، كعمل أمني بالوكالة عن مجتمع المخابرات الأمريكي ونظيره الغربي والأسرائيلي الصهيوني من جهة، ومع دول الإتحاد الأوروبي وحلف الناتو من أجل تقدّم وتنمية دولتهم جورجيا من جهة أخرى، من خلال العمل على استقطاب الرأي العام الجورجي المعادي والمناهض للحقبة السوفيتية السابقة وللفدرالية الروسية بزعامة الرئيس والزعيم الأممي فلادمير بوتين ثعلب المخابرات الروسية، كي تحصل هذه النخب الجورجية وطبقة رجال الأعمال على المساعدات والدعم الغربي اللاّمتناهي لبناء دولة جورجية على الطراز الأوروبي الحديث، خارجةً من جلدتها الجورجية التاريخية وضاربةً بعرض الحائط ودون أن تلتفت إلى جوارها الروسي، وقد أوغلت هذه النخب في رهانها ومعها حواضنها في مجتمعها السياسية، على هذا المحور الخارجي، محور واشنطن تل أبيب بآثاره بعض العرب على الداخل الجورجي بشكل خاص، وعلى الداخل القوقازي الشامل بشكل عام ومهدّدةً جوارها الروسي والقوقازي، والرهان كما أسلفنا هو احتمال، والاحتمال في السياسة ليس يقيناً.

أمّا عن الدور الجورجي السلبي في الحدث السوري فحدّث بلا حرج، حيث تقول المعلومات أنّ جورجيا تمارس سياسة مزدوجة حيال المكوّن الشركسي لديمغرافية شعبها، والمكوّن الشركسي لشعوب القوقاز، حيث هي تدعم حقوق الشعب الشركسي في القوقاز لتقرير مصيره في أماكن تواجده ونيل حقوقه الشرعية من زاوية تبليسي، وفي ذات الوقت والسياق العام تقوم، بإرسال مجموعات شركسية جورجية وغير جورجية مسلّحة إلى سورية، لتقاتل بجانب المجموعات الإرهابية الوهابية المسلّحة وغيرها من المجموعات المسلحة الأخرى، ضدّ النسق السياسي السوري وحكومته الشرعية، وذلك بالتنسيق والتعاون مع المخابرات التركية والأمريكية والفرنسية والبريطانية، والأطراف العربية المعروف دورها الفوق سلبي بما يجري في سورية.

وكما هو معلوم ومعروف للجميع، أنّ المكوّن الشركسي السوري يشكل قوام نوعي ولا بأس به ضمن هيكلية الجيش العربي السوري وقوامه العام، وفي الأجهزة الأستخبارية السورية المختلفة، وأنّ هؤلاء الشركس السوريون هم مع دولتهم سورية وحكومتها الشرعية، ويقاتلون بقوّة وشراسة الجماعات الإرهابية الوهابية المسلحة وغير الوهابية أيضاً، وبالتالي فانّ وجود جماعات شركسية جورجية وقوقازية مسلّحه، تم إدخالها إلى الداخل السوري عبر المخابرات الجورجية، وبمعرفة وتعاون مع المخابرات التركية والأمريكية والفرنسية والبريطانية وغيرها، يمكن اعتباره نوع عميق من الفتنة بين المكون الشركسي السوري الذي يقف مع دولته سورية في مواجهة الإرهاب المدخل، والمكون الشركسي الجورجي القوقازي والمتواجد في قوام الجماعات المسلّحة، الذي يقاتل بجانب عصابة داعش السوداء وبجانب جبهة النصرة وتفرعاتها في الداخل السوري وأماكن تواجدها في بعض دول الجوار السوري. 

جورجيا ونخبها المختلفة ونظام حكمها عملت وتعمل على عقد اتفاقيات التعاون العسكري الأمني مع الكيان الصهيوني، وقد شاهدنا الأسلحة الإسرائيلية لدى القوّات العسكرية الجورجية في الحرب الروسية الجورجية الأخيرة، وأنّ معظم الأسلحة الأميركية المتطورة الموجودة لدى “إسرائيل”، صار بعضها متاحاً للاستخدام في جورجيا بفعل التزام “إسرائيل ” ببذل المزيد من الجهود في تدريب وتأهيل وتسليح القوّات الجورجية، كما عملت جورجيا على عاتقها، ملف تقديم التسهيلات المختلفة للقوّات الأميركية، وتبذل جهود غير عادية لتجعل من جورجيا “مصنع ومعمل” لأعداد التقارير السياسية والأمنية الإستراتيجية، وتقديم نسخ من الثورات الملونة إلى الحدائق الخلفية للفدرالية الروسية، بما في ذلك روسيا نفسها وعبر محاولات نقل نسخ ما يسمى بالربيع العربي إن لجهة الداخل الروسي(المتفولذ)وان لجهة الخارج الروسي المجال الحيوي، بمساعدة السي أي إيه والأم أي سكس، ومجتمع المخابرات الإسرائيلية، والمخابرات الفرنسية، والمخابرات الكندية والمخابرات التركية.

النخب غير الوطنية والمتأمركة والمتأسرله في جورجيا بجانب أذربيجان جعلت منها قاعدة متقدمة للعمليات السريّة للسي أي إيه ولجهاز الموساد، في مناطق القوقاز الجنوبي والشمالي على حد سواء وفي جل دول آسيا الوسطى، مهدّدةً أمن واستقرار القوقاز الكبير، وأمن واستقرار روسيا الفدرالية ومجالها الحيوي وهو جزء من أمنها القومي.

توليفة الحكم في النظام الجورجي بنسخته “الورديّة القرمزيّة” تعمل على عقد اتفاقيات تعاون استراتيجي مع واشنطن، كي يؤدي ذلك إلى إقامة علاقات خاصة أميركية جورجية على غرار العلاقات الخاصة الأميركية الأسرائلية الصهيونية، كي تتمكن تبليسي بأن تجعل من جورجيا ” إسرائيل القوقاز الكبير”!.

السؤال الذي يدغدغ خلايا العقل ويحثّها على الأعمال والإجابة الآن هو: ما بعد دعم ادارة باراك أوباما لكييف بشكل مطلق في محاولة لي ذراع الدولة الفدرالية الروسية بزعامة الزعيم بوتين وتفاقم النزاع الأوكراني الداخلي، ما هي استثمارات البلدربيرغ الأمريكي وناطقه الرسمي الإدارة الأميركية، ان كانت جمهورية وان كانت ديمقراطية، للسنتين القادمتين في النخب السياسية والأقتصادية والمخابراتية في باكو، وتنسيقاتها مع مكتب الموساد الأسرائيلي هناك، بجانب الأستثمارات في توليفة الحكم في جورجيا، بعد اعلان أوباما لأستراتيجيته الجديدة قبل عام وأزيد والتي اعتبر فيها روسيّا عدواً؟! وهي بالمناسبة استراتيجية ثابتة لأي ادارة ولاياتية متحدة أمريكية، كونها نواة رؤية البلدربيرغ الأمريكي جنين الحكومة الأممية، وما هو موقف الاتحاد الأوروبي أيضاً الوجه المدني للناتو في العالم؟.

تتحدث المعلومات والتقارير السياسية والأمنية الإستراتيجية، أنّ الرد الأميركي الديمقراطي كان واضحاً، حيث واشنطن لا تسعى إلى توثيق علاقاتها الإستراتيجية مع موسكو، كون أميركا تدرك بشكل جيد وجدي وكبير، أنّ علاقاتها مع جورجيا كمسمار جحا في القوقاز لجهة موسكو، أكثر أهمية لمصالحها من علاقاتها مع نظام الرئيس الروسي، وهذا يشي بالمعنى السياسي والمخابراتي من الزاوية الأميركية، بأنّه على جورجيا أن تسعى لتسميم الأجواء مع جارتها الكبيرة روسيا الفدرالية، وتم البدء أولاً(بشكل يمهد لجورجيا)عبر تركيا في تحريك النزاع الأذربيجاني الأرميني، حيث كان المخترق للهدنة الطويلة هي باكو، وتم الهجوم ليلاً على الفصائل المسلحة الأرمنية في الأقليم المتنازع عليه، وجاء هذا الخرق بعد عودة فخامة الرئيس التركي من واشنطن وحضوره  قمة الأمن النووي العالمي.

في حين نرى أنّ الاتحاد الأوروبي تكتيكيّاً لا استراتيجيّاً بعكس واشنطن، حيث أنّه أوصل معظم رسائله إلى تبليسي، بضرورة دخولها في علاقات عملية وحقيقية وجادة لتأمين المصالح الجورجية الروسية الى حد ما، وأن تجعل مسافة معقولة من جلّ المواقف الأمريكية ازاء روسيّا، وعلى النظام في جورجيا أن يسعى إلى إعادة ترتيب علاقاته الإقليمية والدولية بشكل أكثر واقعية وإقناع، وأن تبتعد عن التماهي والتساوق مع الرؤى الأمريكية في سورية وتركيا وجلّ مناطق الشرق الأوسط والشرق الأدنى، وأن تجري مقاربات جديدة لجلّ علاقاتها مع “اسرائيل”.

هناك تباينات الى حد ما بين إدارة باراك أوباما والاتحاد الأوروبي ظهرت بشكل واضح، بسبب تفاقم النزاع الأوكراني الأوكراني الداخلي وتوجيهه لأستنزاف الفدرالية الروسية، وتفجير أوروبا القارة العجوز من الداخل، لذلك الأتحاد الأوروبي أرسل رسائله الى جورجيا بضرورة نهج سياسة جديدة تعطي الأولوية للتفاهم مع موسكو، وتخلّى عملياً الاتحاد الأوروبي عن النخب في جورجيا والى درجة معقولة والاكتفاء الآن بالنصح فقط كل ذلك باطار سلّة التكتيك الآني، لحين نضوج اللحظة الدولية.

وعلى هامش مفاعيل موقف الإدارة الأميركية الديمقراطية الحالية، وموقف الاتحاد الأوروبي الجديد من النخب الحاكمة في جورجيا، نرى أنّ “إسرائيل” ما زالت تقدّم الدعم السري لها ولأذربيجان، فكما كان في الحرب الجورجية عام 2008 م، بحيث صادرت القوّات الروسية عتاد اسرائيلي الصنع من الجيش الجورجي من بينها طائرات بدون طيّار وصواريخ مضادة للدروع، وعليه فانّ الدفاعات الجويّة الأرمنية أسقطت طائرة أذرية بدون طيار أثناء الأشتباكات الحديثة من نوع(THUNDER- B)اسرائيلية الصنع. ومرةً ثانيةً وثالثةً ورابعةً، هل عادت كلاب الحرب في القوقاز من جديد بسبب الحرب على سورية وفي سورية؟ حيث أساسها حرب طاقة ومصالح اقتصادية بجانب أنّها أساس محور المقاومة، وديكتاتورية الجغرافية السورية وثروات الغاز على الساحل السوري واللبناني والفلسطيني المحتل، تجعل لعاب الآخر يسيل على شدقيه، من هنا نلحظ في الأفق أنّ ايران استثمرت بشكل جيد في دبلوماسية الطاقة، عبر خطوط الغاز الأسلامي، الممتدة من طهران الى العراق(تم الأنتهاء منها)الى سورية(توقف العمل بها بسبب الحدث السوري). 

كما أنّ الدعم الأسرائيلي والدور في أسيا الوسطى والأستثمار في يهود أسيا الوسطى، من شأنه أن يتيح للكيان الصهيوني الاحتفاظ بهذه النخب الحاكمة في تبليسي وباكو، لأستخدامها كأدوات لتحويل التحولات الجديدة في الساحة الدولية من الحدث السوري الى الحدث الأوكراني الى نتائج على أرض الواقع، من شأنها أن تؤدي إلى تعميق تمسك إدارة أوباما الحالية وأي ادارة قادمة بعد عام في الولايات المتحدة الأمريكية بتوجهاتها الجديدة والمتجددة في مناطق القوقاز الشمالي والجنوبي، وبالتالي الارتداد(بمعنى العودة بالممارسة)إلى توجهات إدارتي بوش الأبن العسكرية والمحافظين الجدد بنسخهم الجديدة، بما يتيح ويفسح المجال لتوظيف وتوليف واستغلال النخب الجورجية والأذربيجانية سواءً كانت في الحكم أو المعارضة في القوقاز الكبير، وحيال الفدرالية الروسية ومجالها الحيوي وأمنها القومي، فالذي أطلق كلاب الحرب في القوقاز الكبير في الماضي القريب هو الرئيس السابق بوش وإدارتيه الدمويتين.

إنّ معطيات توازن القوى، تشي إلى توجهات وبوادر حدوث المزيد من الأستقطابات، فمن اختلالات التوازنات الخارجية الإقليمية والدولية، في صالح النخب الجورجية الحاكمة ونظام الحكم في باكو وتوليفته، لجهة توترات علاقات موسكو واشنطن حتّى الآن، ولجهة مساعي الاتحاد الأوروبي الهادفة، إلى عدم السقوط في العداء مع موسكو، إن عبر الساحة الجورجية، وان عبر الحدث السوري، وان عبر الحدث الأوكراني، وان عبر اقليم ناغورني كاراباخ، بالإضافة إلى اختلالات التوازنات الداخلية في جورجيا وفي أذربيجان ولغير صالح بعض النخب الحاكمة في تبليسي وباكو.

وبالنتيجة لا تفاهممات قوقازية بين موسكو و واشنطن على المدى المتوسط والبعيد، ولا صفقة حقيقية تشمل مصير نظام النخب الحاكمة في تبليسي الموالية في جلّها للغرب، في بيئة قوقازية ملتهبة تسعى اليها واشنطن عبر الحدث الأوكراني لا تشجع أن يكون كذلك، وأيضاً لا تفاهم حول ملف منظمة حلف “غوام” ومهامها الأمنية العسكرية حيث تشارك فيها إسرائيل بالوكالة عن واشنطن، وملف نشر شبكة الدفاع الصاروخي، وملف توسيع حلف الناتو، ولا تفاهم روسي أمريكي حول ملف اتفاقية التعاون الأمني العسكري الجورجي الإسرائيلي، والتفاهمات العسكرية والمخابراتية غير المعلنة والمرتفعة الشدة على طول خطوط علاقات باكو تل أبيب، حيث توالت الأنباء أنّ تركيا واسرائيل على وشك اتمام اتفاق لتطبيع العلاقات بينهما والمتأزّمة من عام 2010م بسبب الهجوم الأرهابي على سفينة مرمرة في بحر غزّة  بعد جولة مفاوضات شبه نهائيه تمت في 7 – 4 – 2016 م في لندن، بحيث ترأس الجانب الأسرائيلي الصهيوني الموفد الخاص لبنيامين نتنياهو جوزف سيهانوفر، بجانب الرئيس بالوكالة لما يسمى بمجلس الأمن القومي الأسرائيلي الصهيوني الجنرال جاكوب ناغل، وترأس الجانب التركي نائب وزير الدولة التركي للشؤون الخارجية فريدون سيرينلي أوغلو، بجانب ضباط من جهاز المخابرات التركي الذي يرأسه هاكان فيدان، وجهاز استخبارات الجيش التركي ممثلاً بمساعد رئيس هيئة أركان الجيش التركي لشؤون الأستخبارات، والسؤال هنا الذي يلح بعمق في العقل هو: هل تم بحث أزمة اقليم ناغورني كاراباخ وضرورة ابقاء النار مشتعلة فيه؟ وهل تم بحث أيضاً الفرض الروسي للهدنة؟ وهل شارك رئيس المخابرات الأذربيجاني في اللقاء بجانب استخبارات الجيش الأذري؟ وهل تم بحث نتائج اجتماعات وزراء خارجية كل من روسيّا وباكو وطهران في أذربيجان، والذي تم في نفس وقت اجتماع الوفدين التركي والأسرائيلي في لندن؟.

وبالرغم من قراءة موسكو الدقيقة للموقف الدولي من النخب الحاكمة في جورجيا، والموقف التركي الداعم لتوليفة الحكم في أذربيجان، هناك مبادرات روسية ذات تعاون حقيقي مع بروكسل(الاتحاد الأوروبي)، وهي رسائل ذات مضمون تتمثل في ابتعاد الإتحاد الأوروبي، عن أيّة محاولات لاحقة لاستخدام جورجيا وأوكرانيا وموضوعة اقليم كاراباخ المتنازع عليه، كيد طولى أخرى بلون برتقالي أو وردي، أو ما شابه من ألوان الطيف السبعة، لاستهداف أمن واستقرار روسيا الفدرالية أو حدائقها الخلفية في أسيا الوسطى وفي القوقاز الجنوبي والشمالي، أو لإثارة القلاقل والفوضى الخلاّقة في أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا الشركسية وأجاريا وغيرها من مناطق المجال الحيوي الروسي، والتي هي جزء كما أسلفنا من الأمن القومي الروسي بامتياز.

وتأسيساً على مجمل الموقف الأمريكي الجديد والمتجدد في العالم، لم تعد إدارة أوباما تعارض ضم جورجيا إلى حلف الناتو، في حين تعارض بقوّة أنقرة(فهل توافق الآن تركيا على الضم الجورجي للناتو بعد سوء العلاقات مع موسكو بسبب الحدث السوري واسقاط الطائرة العسكرية الروسية العام الماضي؟)، وتمّ حث الإتحاد الأوروبي أمريكيّاً لجهة سعيه لضم جورجيا إلى عضويته أيضاً والدفع لأعطاء أوكرانيا، وضعاً خاصاً ضمن مؤسسات الأتحاد الأوروبي، وهذا ما صار يعارضه الأخير أي الأتحاد نفسه، وبشكل خاص معارضة ألمانية بامتياز(نلحظ تفاهمات بين المخابرات الألمانية والروسية)، مع تفهّم فرنسي يصل درجة المعارضة أيضاً، لأنّه أوكرانيا قويّة يعني أوكرانيا تفجّر أوروبا، وبمثابة حصان طروادة الأمريكي في القارة العجوز ومن نوع عسكري بامتياز.

وثمة محفزات أخرى، قادت الى ما قادت اليه حتّى اللحظة في ناغورني كاراباخ، منها قيام أذربيجان بتعويض تركيا كمية الغاز المحجوبة من روسيّا عن تركيا، وتخفيض السعر الى نسبة 40%، واستياء لأيران من باكو بسبب دعمها للجبهة الشعبية لتحرير أذربيجان الجنوبية، بحيث تعتبر هذه الجبهة أنّه ثمة آراضي أذرية موجودة داخل الأراضي الأيرانية، وحتّى رئيس تلك الجبهة السيد قدرت حسن غولييف، طالب باجراء مراجعات قانونية لمعاهدتي غوليستان وتركمانشاي الموقعتين بين روسيّا وبلاد فارس في عام 1813 م وعام 1828 م، حيث أنّ اذربيجان خسرت مناطق واسعة ذهبت السيطرة فيها الى كل من موسكو وطهران.

سؤال يطرح نفسه هنا: هل سيصار مستقبلاً اذا ما عاد واشتعل الصراع هناك بشكل أعمق بين بريفان وباكو، الى استقدام مرتزقة بين الطرفين؟ ان تم ذلك سيكون له تأثير على الأستقرار في أسيا الوسطى، ويبدو أن مجتمعات المخابرات الدولية والتي تتصارع وتتنافس على أسيا الوسطى وثرواتها بما فيها المخابرات الصينية، قد تظهّر(بضم الأول)صراعها في ساحات أخرى في العالم، ان في بحر الصين الجنوبي، وان في شبه الجزيرة الكورية، وان في جزر الكوريل، وان في ألاسكا وتعقيدات المنطقة القاريّة وجلّ الجرف القاري الغني بالغاز والنفط والذهب ومعادن ثمينة أخرى، والصراع الأمريكي الروسي عليه وفيه. 

انّ الأسلام السياسي في تركيا دفع ثمناً عظيماً، فتم اعدام عدنان مندريس رئيس الوزراء التركي وبعض وزرائه عقب سنتين من انقلاب عسكري، ويبدو المشهد السوري الآن والمشهد التركي الداخلي لا يلعبان لصالح الثنائي الرئيس أردوغان ورئيس الوزراء احمد داوود أوغلو، بحيث تحولت بعض الساحات التركية الداخلية الى ساحات حرب حقيقية بسبب اليسار التركي المتطرف والمتحالف مع PKK، ترافق كل ذلك مع تسريبات أمريكية حول نية الجيش التركي، والذي يقع تحت المظلة البريطانية الأنقلاب على الرئيس أردوغان.

وعليه تم خرق الهدنة في حلب بقرار أمريكي، وبالتعاون بين تركيا والسعودية وقطر، لغايات خلط الأوراق وامتد الأمر نحو اقليم ناغورني كاراباخ، انّها عملية خلط ورق مدروس في مولينيكس خلاّط، قد يقود الى حرب اقليمية كبرى في المنطقة وعلى المنطقة. اسرائيل الصهيونية تنظر الى الصراع في كاراباخ على أنّه فرصة عسكرية وتجارية، وليس من مصلحتها وقف اطلاق النار(اجتماع لندن بين تركيا واسرائيل في 7 – 4 – 2016 قد يكون بحث ذلك)ومكاتب الموساد منتشرة في أذربيجان وبالقرب من ايران، كما ترغب اسرائيل في تصدير غازها ونفطها بما فيه غاز غزّة المحتلة بعد تعثر الأتفاق مع الأردن حتّى اللحظة، الى باكو عبر الخطوط التي تربط ميناء جيهان التركي بباكو.

الرئيس السابق لأذربيجان والد الرئيس الحالي قال ذات يوم وليله: أمّة واحدة في دولتين في توصيفه العلاقات التركية الأذربيجانية، اذاً ثمة مخططات تركية أوروبية ومحاولات سابقة لكسر الأحتكار الروسي لبيع الغاز لآوروبا، عبر مد الأنابيب من أذربيجان الى تركيا ومنها الى أوروبا، وهي بلا شك لم تنجح لأسباب عديدة ليس هنا الآن مجال ذكرها، في هذه القراءة السياسية والأقتصادية الأستراتيجية لما يجري في كاراباخ، لكن المشروع لم يلغى وتم تجميده مؤقتاً لحين مواتات ظروف دولية واقليمية مغايرة للحالية.

وقد يكون الهدف من اشعال الصراع هناك في كاراباخ من جديد لأغراق موسكو في حرب جديدة، تستنزف طاقتها وتخفف الضغط عن سورية، حيث يعتقد أردوغان وأوغلو أن موسكو سوف تسحب جلّ جيشها من سورية، على اعتبار أنّ الصراع الجديد صار على عتبات بيتها على حدودها المباشرة، كما هو الحال في شرق أوكرانيا.

وقد تكون تركيا بحاجة الى صراع آخر جديد يجذب ارهابي القاعدة وداعش الفارين من القتال مع الجيش السوري والروسي وحلفائهم، حتّى لا يتحولوا الى قتال مجموعاتها المسلّحة في الداخل السوري، أو أن يرتدوا بعمق الى الداخل التركي، وأفضل خصمين لتركيا عميقين يصلان درجة العدو هما: الروسي والأرمني، لذا نرى فرضاً روسيّاً قويّاً للهدنة في كاراباخ، فهم أي الروس يدركون أنّ الحسابات في التاريخ والجغرافيا والأقتصاد في القوقاز الكبير، وما زالت هذه الحسابات تلعب لصالح الروس، انّها لغة الجغرافيا والمناخ، والتي تشكل لعنة الجغرافيا ولعنة المناخ والتاريخ على الاخر الخصم.

الروس لم يغادروا من شرق أوكرانيا ما زالوا هناك، والروس ثبّتوا خزّانات الوقود في بطن الأرض في قاعدة حميميم ومطار التيفور والشعيرات وغيرها، وبالتالي هذا مؤشر على بقائهم بالمعنى الأستراتيجي، ويتصف بالديمومة، وجون كيري وزير الخارجية الأمريكية ذو الشعر الكثيف يقول: مشكلتنا مع الأسد ليست شخصية بل هو جاذب للأرهاب(أي الرئيس الشرعي الأسد البشّار بشّار)، يا لصفاقته السياسية هذا الكيري جون، أي يا لوقاحته!!!.