أحوال عربية

تقرير بالروسية: العراق على اعتاب ثورة !

د. فالح الحمـراني
ــــــــــــــــ
بهذا العنوان نشرت وكالة أنباء نوفستي الروسية في 31 آب مقالاً واسعاً عن التطورات الأخيرة في العراق. وقال التقرير الذي نشر في القسم الاقتصادي للوكالة الشهيرة: إن الآمال انعقدت على أن احتياطات النفط الكبرى التي تم الكشف عنها بعد انهيار النظام الديكتاتوري ستكون وسيلة لإطلاق الطاقات الاقتصادية، وتحويل جنوب العراق الى قلعة اقتصادية. وأضاف التقرير: “بيد أن العراقيين لم يتسلموا عملياً أي منافع من عوائد صناعات النفط الوطنية التي تقدر بالكثير من المليارات، والتي يتدفق الجزء الأعظم منها في جيوب الساسة المتورطين بالفساد”.
وخلص التقرير بالقول: إن الديمقراطية العراقية مثل انهار البلاد وقنواتها المتعفنة، اصبحت ضحية لدائرة لا نهاية لها من الفساد. وأصبحت كلمات، البرلمان، والديمقراطية مرادفة للفساد الحكومي. وقال: إن الكثير من المتظاهرين يطالبون بإقامة نظام رئاسي ووقف عمل البرلمان. وأضاف “بكلمة واحدة أن المتظاهرين يريدون ثورة، لأنهم لم يعودوا يثقوا بأن النظام قادر على تجديد نفسه”.
ونقل تقرير الوكالة الروسية عن وسائل إعلام غربية إشارتها الى أن هذا اصبح سبباً لصعود موجة الاحتجاجات التي اجتاحت جنوب البلاد في الأشهر الأخيرة. وقالت إن الاحتجاجات نشأت على أرضية استشراء الفساد الحكومي، والبطالة وسوء الخدمات الحكومية، وانقطاع الكهرباء بصورة دورية، فضلاً عن نقص مياه الشرب.
وقال إن ما فاقم الفاجعة التي لحقت بالبيئة الطبيعية (الايكولوجيا) هو استشراء الفساد وانعدام حسن تدبير الإدارات المحلية والحكومة المركزية، التي تهيمن عليها الأحزاب الدينية المهوسة بالسرقات، فضلاً عن الجفاف ومدّ المياه المالحة من الخليج العربي التي تقضي على جزء كبير من بساتين النخيل وجفاف أنهار وقنوات المياه العذبة المحلية وتراكم النفايات.
ومن الأسباب التي ساعدت في تأزم الوضع، كما يرى التقرير، إن شركات النفط التي كان عليها توظيف عمال من السكان المحليين، وصبّ الاستثمارات في التطوير، وجدت نفسها مضطرة لتوظيف اولئك الأشخاص الذين يرتبطون بعلاقات بالشيوخ والأحزاب الإسلامية. ولهذا فإن السكان المحليين لم يحصلوا على متاع من ثروة البلاد النفطية.
وأشار الى أن درجة الحرارة في هذا العام طفرت في تموز الى أعلى من 50 درجة وتعطلت محطات الكهرباء عدّة مرات، وارتفعت حرارة أنابيب المياه وغدت المياه مالحة مثل مياه البحر.
ومضى التقرير بالقول على خلفية هذا الوضع جرت الاحتجاجات. وتجمع اكثر من 20 شخصاً أمام باب إحدى شركات النفط وقطعوا الطريق القريبة من قراهم. واحتجوا تحت لهيب شمس العراق وشجبوا ممارسات شركات النفط والساسة.
وفي وصفه لمعالجة الجهات الحكومية، لأول فعالية احتجاجات جماهيرية، أشار الى أن وحدات من الشرطة واجهت المحتجين، فضلاً عن دفع المدرعات ووحدات عسكرية لحماية حقول النفط. وحاصرت هذه القوات المتظاهرين الذين التجأوا الى رمي الحجار. وردّ الجنود بإطلاق النار على المتظاهرين. وجرح ثلاثة من المحتجين في غضون نصف ساعة من المواجهة. وراح الناس في القرى يتصلون بعضهم بالبعض وبأقاربهم طلباً للمساعدة والدعم. وبالمحصلة ارتفع عدد المتظاهرين الى عدة مئات.
وفي اليوم التالي شهدت البصرة تظاهرة احتجاج كبرى انتقلت بعد أيام الى مدن الجنوب الأخرى، حيث خرج آلاف الأشخاص. ودعت بعض الشعارات الى تحسين إمدادات الكهراء والتزود بالماء، وطالبت بتوفير فرص عمل للعاطلين. بيد أن الجميع وقف ضد الفساد الحكومي وانعدام حسن تدبير الاحزاب السياسية الحاكمة.
وقال إن الجماهير المحتجة صبّت جام غضبها على ايران. منوهاً بأن الكثير من العراقيين يرون أن إيران تحمي الأحزاب السياسية العراقية المتورطة في الفساد. وفي معرض سرده للتطورات واصطفاف القوى السياسية بعد سقوط الديكتاتورية خلص الى أنه وفي مرحلة ما بعد إلحاق الهزيمة بداعش، فإن الغالبية الشيعية التي أراقت الدماء دفاعاً عن البلاد ضد داعش، والتي باتت تشكّك بشرعية السلطة هي الآن مصدر الخطر على النظام القائم. لاسيما وأن الحكومة ردّت على الاحتجاجات بالعنف وقتلت ما لايقل عن 11 شخصاً من المحتجين. في غضون الأسابيع القليلة الماضية، تسلم عدد من الذين شاركوا في الاحتجاجات تهديدات من قبل قوى الأمن. واختطف رجال مسلحون ليلاً 7 منهم. ونقل عن أحد مسؤول حكومي اعرابه عن الأسف على هؤلاء المحتجين مستبعداً أن يكون بمقدورهم تحقيق اهدافهم، موضحاً بأن لدى هذه الأحزاب لجاناً اقتصادية تتسلّم حصتها من عقد حكومي، وإن العسكر يحمون مصالحهم، وأضاف “أعرف أنهم متورطون بالفساد لأني أحد أعمدة هذا الفساد”. وعرض المسؤول عدّة اشكال من ممارسة الفساد والتلاعب بممتلكات الدولة ومقدرات المواطنين.
وقال إن رئيس الحكومة حيدر العبادي، أقال عدداً من مسؤولي وزارة الكهرباء كمحاولة أخيرة لقمع الغضب الشعبي بسبب انقطاع الكهرباء المزمن. ومع ذلك لم تهدأ الاحتجاجات، ففي 14 آب، قتلت الشرطة شخصاً وتوفي آخر في وقت لاحق اثناء وجوده في الحجز، وبعد يومين، أضرم المتظاهرون النار في مبنى مجلس مدينة القرنة ردّاً على الوفيات بين المحتجين، وتشهد مدينة البصرة كل يوم جمعة مسيرات احتجاج غاضبة.