في الواجهة

تطورات الوضع الليبي وآثاره المحتملة على الجزائر وتونس

تطورات الوضع الليبي وآثاره المحتملة على الجزائر وتونس

 محاضرة

 

 

 

ليبيا تتعرض لتوترات صعبة أزمة سياسية واقتصادية تولدت من خلالها أزمة أمنية عصية، وذلك منذ سقوط النظام السابق إلى يومنا هذا عصية على إيجاد حلول ناجحة بسبب تشعبها. التأخر في التسوية السياسية أدى إلى فراغ مؤسساتي استفادت منه الجماعات الإرهابية المتشددة والتي أصبحت تهدد حتى دول الجوار. غياب المؤسسات، اختلاف الرؤى، والاقتتال الدائر بين الإخوة الليبيين، وفرة الأسلحة والذخائر بمختلف الأنواع والأعيرة جعل من ليبيا أرضا خصبة لاستقطاب المتطرفين للتدريب والتسليح والقتال في كل من العراق وسوريا وليبيا، ثم اتخاذ من درنه كنقطة لاستقبال الوافدين الجدد وإرسال المتدربين باتجاه الشرق الأوسط.. ومن هذه المدينة تم الإعلان عن ولاء شباب مجاهدي درنه للبغدادي الذي أعطى موافقته على بيعتهم إياه شهر فيفري الماضي، بإعلانه عن ميلاد الخلافة في شمال إفريقيا.هذه المدينة أصبحت نقطة انطلاق لتنظيم الدولة للتوسع في ليبيا وفق استراتيجية محكمة سطرها التنظيم لنفسه. تنظيم الدولة عكف على بناء استراتيجية بعيدة المدى خاصة بليبيا وبقية دول شمال إفريقيا، وتشمل: 1. الحضور المادي والإعلامي. 2. التجنيد عبر شبكة الانترنت. 3. الترويج لصالح توسع داعش في ليبيا وباقي دول شمال إفريقيا. 4. استقطاب عناصر من أنصار الشريعة. 5. الأنشطة المتنوعة في ليبيا (هدم التماثيل والأضرحة، حرق علب السجائر). 6. نشاط دعوي ومساعدات إنسانية. 7. الابتعاد عن بث الأعمال المشينة والمسيئة له واللاإنسانية التي يقوم في ليبيا من قتل وحرق وذبح وتهجير.. إلخ يسعى التنظيم إلى وضع أسس كبرى في ليبيا، ويحرص على تحقيقها، وتتمثل في التوسع على المستوى الاستراتيجي في ليبيا. بدأ التنظيم في تنفيذ هذه الاستراتيجية منذ تعيين البغدادي للوالي العراقي على رأس التنظيم في عاصمته المركزية درنه. فبدأ يزحف في اتجاه المناطق الثلاث (برقة، طرابلس وفزان)، ثم التوجه نحو الغرب للاقتراب من سرت، حيث احتل مدينة النوفلية التي تبعد عن سرت بحوالي 100 كلم شرقا، ثم مدينة سرت والقاعدة الجوية العسكري القرضابية، التي تبعد حوالي 20 كلم عن سرت، وبها طائرات حربية جاهزة للاستخدام، وقريبة من الهلال النفطي الذي يضم مؤسسات وحقولا وموانئ نفطية رئيسية.. والآن يتوجه نحو مدينة هون عاصمة الجفرة ذات الأهمية الاستراتيجية الاقتصادية والعسكرية، حيث بها حقل مبروك النفطي وقاعدة جوية استراتيجية هامة.. وإذا ما سيطر التنظيم على هذه المدينة يسهل سقوط مصراته وسبها بحكم تواجد هذه المدينة على محور رئيسي لوجيستي بين سبها ومصراته.. هذه الأخيرة يمكن وصفها بأنها تدير شؤونها بمثابة المدينة الدولة ذات الموقع الاسراتيجي والاقتصادي الهام، بها عدة مصانع كالحديد والصلب والاسمنت وغيرها.. كما تعتبر من الناحية العسكرية ذات أهمية بالغة.. فالسيطرة عليها من قبل تنظيم الدولة يفتح له الطريق للوصول إلى طرابلس بسهولة. ومنه، يمكن الاستنتاج أن تنظيم الدولة يبحث عما يلي: 1. المنشآت الاقتصادية والنفطية. 2. المنشآت العسكرية الهامة. 3. المنشآت البحرية (الموانئ). 4. المدن الكبرى ذات الأهمية الاستراتيجية. 5. الطرق الرئيسي الرابطة ين المدن الكبرى. II – التأثير على الجزائر وتونس: إن التنظيم الذي ظهر بصفة رسمية في ليبيا منذ أقل من 5 أشهر تمكن من الانتشار في عدة مناطق فيها، وقطع مسافات كبيرة جدا، ويسيطر على مناطق ذات أهمية استراتيجية اقتصادية وعسكرية، وله قدرة كبيرة على التنقل والقتال، واستطاع أن يجند أكثر من 3 آلاف متطرف أجنبي من 30 دولة، منهم 500 تونسي، ونفس العدد من المصريين،و200 جزائري، فهو فعلا يشكل تهديدا كبيرا على دول جوار ليبيا، وفي مقدمتها تونس والجزائر.. 1. تونس: تونس الشقيقة تكون المتضرر الأكبر من هذه الأزمة الأمنية، وتقدم داعش في اتجاه غرب ليبيا، وكذلك الاقتتال الدائر بين الفرقاء الليبيين، وسيطرة هذا الأخير على مدن ليبية قريبة من تونس، سيخلخل أمن واستقرار أمن تونس.. تداعيات الأزمة الليبية على تونس تكون على 3 أشكال: أ‌. عسكري ب‌. اقتصادي ت‌. اجتماعي تمدد الدولة في اتجاه الغرب، يعني تهديدا مباشرا لتونس، من حيث اختراق حدودها من قبل جهاديين منتمين للدولة، أضف إلى وجود عناصر أنصار الشريعة الموالية للقاعدة، وذراعها المسلح كتيبة عقبة بن نافع التي تحاول ضرب استقرار وأمن تونس.. وما يجعل تونس أن تكون في قلب المفكرة هو عودة المتطرفين الجهاديين التونسيين الموجودين في سوريا، والذي يقدر عددهم بين 3 آلاف إلى 4 آلاف مقاتل. وأولئك الموجودين في ليبيا والمقدر عددهم بين 1500 و2000 عنصر، بالإضافة إلى الخلايا النائمة داخل تونس، والتي يمكن تفعيلها في حالة زعزعة استقرار هذا البلد الشقيق. ناهيك عن مراقبة 500 كلم حدود برية بين تونس وليبيا، وهذا ليس بالأمر السهل بالنسبة للجيش التونسي. أما من ناحية التأثير الاقتصادي والاجتماعي، فهل تونس قادرة على استيعاب المهجرين الليبيين، والذين قد يصلون بالآلاف؟ دون أن ننسى أن حوالي 2 مليون ليبي قد استقروا في تونس منذ الإطاحة بالنظام السابق إلى يومنا هذا، وتعتبر هذه أعباء اجتماعية واقتصادية وأمنية على تونس. 2. الجزائر: الجزائر هي أيضا مستهدفة من قبل هذا التنظيم اليوم أكثر من ذي قبل، 982 كلم هي حدود برية مع ليبيا، من الصعب على أي جيش أن يؤمنها إلى حد الإقفال التام، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، عودة الداعشيين الجزائريين من سوريا وليبيا والمقدر عددهم بحوالي 600 جهادي، وانضمامهم لخلية جند الخلافة، ولا ننسى تجذر القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في الجزائر، مما سيزعزع استقرار الجزائر في مناطق محدودة من الوطن. ولكن، خبرة الجيش الجزائري، وامتلاكه لمعدات حربية جد متطورة، وخبرة أجهزتها الأمنية في متابعة محاربة الجماعات الإرهابية قد يصعب إلى حد بعيد اختراق الحدود الوطنية، والنتائج التي حققها الجيش الوطني الجزائري في الصحراء الكبرى من احتجاز كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر والمئات من الأجانب الذين حاولوا التسلل عبر الحدود الجزائرية الليبية باتجاه ليبيا لدليل على تفطن الجيش في أدائه واجباته الدستورية من حماية لحدود الجزائر، ولكن الإمكانية تبقى مطروحة، وحادثة تيقنتورين يوم 16/1/2013 لخير دليل. الخلاصة: إنه لواضح أن خطر تنظيم الدولة الإسلامية حقيقي على الدولتين الجارتين لليبيا، تونس والجزائر.. لذلك، لا مناص لهتين الدولتين من بذل الجهود العسكرية والأمنية المشتركة لمواجهة هذا التحدي، كتبادل المعلومات الأمنية، والتدريب المتواصل في مجال مكافحة الإرهاب، المشفوعة بإرادة سياسية حقيقية لدى قيادتي الدولتين.. وهذا هو السبيل الوحيد للحد من الخطر القادم من الشرق..