ثقافة

زاوية الهامل .. قلعة للحفاظ على الهوية وكتابة التاريخ

 

من المعالم الحضارية والصروح الثقافية التي تزخر بها بلادنا، والتي يحق لنا أن نفتخر بها ؛ زاوية الهامـل، وهي من المؤسسات العلمية التي أنشئت في منتصف القرن التاسع عشر، وأدت دورا هاما وأساسيا في المحافظة على أصالة وقيم اهالي المنطقة الدينية والروحية والثقافية تقع هذه الزاوية العلمية على بعد حوالي 250كم جنوب الجزائر العاصمة، إلى الجنوب الغربي من مدينة بوسعادة المدينة السياحية المعروفة.

الزاوية ..التاريخ فى سطور:

تشير الروايات المتداولة إلى أن فكرة تأسيس زاوية الهامل أملاها الأمير عبد القادر على المؤسسس سيدى محمد بن أبى القاسم ، في لقاء جمعهما في صحراء لمعيدات عام 1844، وتوطدت علاقة عائلة ابن محي الدين بالشيخ محمد بن أبى القاسم وتوثقت بعد نفيه إلى بلاد الشام في شكل تبادل للرسائل وتواصلت العلاقة حتى بعد وفاة الأمير مع ولده الأمير الهاشمي الذي اختار التوجه إلى بوسعادة في أوت 1895 وأقام فيها حتى وفاته فى 18/04/1900ودفن بها . ولقد بلغت شهرة الزاوية ومعهدها شهرة واسعة وتوافد عليها الطلبة من كل أنحاء الوطن. وحققت في زمن قصير الزاوية الرحمانية صيتا واسعا .
وبعد وفاة الشيخ المؤسس تولت ابنته لالة زينب مشيخة الزاوية وأبلت بلاءا حسنا حتى قالت عنها الرحالة (ايزابيل ايبرهاردت) ” هذه المرأة التي تلعب دورا إسلاميا عظيما هي الفريدة في الغرب الاسلامى ..”
ويقول جاك بيرك في رسالة وجهها الى احد شيوخ الزاوية وهو الشيخ مصطفى القاسمى في سبتمبر 1965..إن تاريخ زاوية الهامل يهم تاريخ المغرب بأسره من حيث المجهود الذي بذلته بكل عزم حتى في زمن الاستعمار .
وارتاد معهدها في سنوات الاستقلال الأولى أكثر من ألف طالب وتجاوز العدد 1500طالب بداية السبعينات كما ارتفعت نسبة النجاح في البكالوريا إلى 90 بالمائة .
ومن ابرز خريجي المعهد والزاوية، الشيخ محمد بن عبد الرحمن الديسى والشيخ محمد العاصمى ( مفتى الحنفية بالعاصمة ) والشيخ محمد بن آبى القاسم الحفناوى صاحب كتاب “تعريف الخلف برجال السلف”قائلا عنها “إن زاوية الهامل لا تطأطئ رأسها للزيتونة ولا للقرويين”. ووصفها الأستاذ أحمد توفيق المدني في كتابه حياة كفاح بأنها : “معقل العروبة والإسلام”، ومن الذين لاتزال اعمالهم تعتبر مراجع مهمة فى التعليم والتدريس والإفتاء الشيخ عبد السلام التازى الذي تولى التدريس بجامعة القرويين بالمغرب والشيخ بن المفتى الذي تولى القضاء بقفصة بتونس والشيخ عبد الحميد بن سماية والشيخ حمدان الونيسى أستاذ الشيخ ابن باديس ..

مكتبة الزاوية ..كنز ثمين يحتاج الى عناية:

تضم مكتبة الزاوية مجموعة من المخطوطات ، تقدر بحوالي ألف مجلد نشرت فهرسة لاثنين وخمسين عنوانا منها بعناية المستشرق “رينيه باسييه” عام 1897،واعد العاملون فيها فهرسة شملت 300 عنوان، نشرت على مستوى المكتبات عام 1998فى مختلف الميادين كالفقه والحديث والتاريخ والسيرة النبوية والتصوف، كما تضم المكتبة فضلا عن المخطوطات مجموعة من المطبوعات النادرة ، منها ماطبع باليد كالتي نشرت في الهند والمغرب الأقصى ومنها ماكان بالحرف المطبعي كمنشورات المطبعة السلطانية بفرنسا ومطبعة بولاق بمصر وكان شيوخ الزاوية قد تكفلوا بطبع ونشر الكثير من هذه الجواهر الثمينة ، ككتاب المنح الربانية للقسنطينى والزهر الباسم للقاسمى ومنار الإشراف للخنقى طبع سنة 1914وترتيب المدارك للقاضي عياض المغرب 1952 وتحتاج الزاوية الى عناية كبيرة واهتمام وتدعيم مالى من اجل التكفل بها وتطوير وسائل الحفاظ على الكنز الذى تضمه بين دفاتها

نظام التدريس بالزاوية:

لطلبة الزاوية نظام داخلى يحكمهم يسمى (السفارة) ويخضع الطلبة فيه الى ترتيب يوجب عليهم التقيد به، ويترتب الطلبة حسب حفظهم ، ويتولى اصحاب المستوى الاول مساعدة الشيخ فى القراءة والتجويد والتصحيح ، ويتعين على الطلبة عقد حلقات الحفظ عقب كل صلاة صبح ويتلون حزبا ثم بين العشائين والعصر يتلون ثلاثة أحزاب .وياتى في ترتيب الطلبة النظارون وهم الذين ختموا القرءان أكثر من ثلاث مرات ، والسابقون هم أصحاب الشرح والغالب عليهم أن يكونوا ممن ختم الكتاب موضوع الدرس اكثر من مرة ، وقد يأذن الشيخ للمتفوقين منهم بتقرير الدرس للمبتدئين ،.يليهم الحجارون ، وهم أصحاب المتون، وهم المبتدئين في قراءة الكتاب محل الدرس ، اما العلوم التي كانت تدرس بالزاوية فالمبتدئون يحفظون المرشد المعين المشهور بمتن ابن عاشر ثم متن الاجرومية فى اللغة ويقرؤون في التوحيد أم البراهين للامام السنوسى وفى المستوى الثاني فيدرسون متن رسالة ابى زيد القيرواني في الفقه المالكي ثم جوهر التوحيد لإبراهيم اللقانى وفى المستوى الثالث يتفرغ الطلبة لدراسة مختصر الشيخ خليل بن إسحاق الجندي فى الفقه المالكي وفى التصوف تقرا المنظومة الرحمانية وشرحها لباش تارزى والوصية الجلية للشيخ البكرى والحكم العطائية .

أدت الزاوية دورا رائدا في مختلف مراحل الجهاد ضد الوجود الاستعماري وكانت احد معاقل الحركة الوطنية ثم مركزا من مراكز الإسناد للثورة التحريرية ، اختارها رجال زوايا المغرب العربي، في مطلع الثلاثينات من القرن الماضي مقرا لجامعة زوايا شمال إفريقيا ، وانتخب شيخ الزاوية آنذاك رئيسا للجامعة ، وعندما تأسست رابطة الزوايا الرحمانية في 3/08/1989 اختار رجالها زاوية الهامل مقرا للرابطة وانتخبوا شيخها رئيسا لها .
سعودي عامر