المغرب الكبير

في تونس، تقرير للحريات أم إنسلاخ ومحاكاة؟

يقول عبدالرحمان إبن خلدون “إن المغلوب مولع بمحاكاة الغالب، فالهزيمة توحي إليه أن مشابهة الغالب قوة يدفع بها مهانة الضعف، ويوشك أن يندمج المغلوب في بنية القوي المتسلط عليه ويفنى فيه عادة وعملا ولغة وأدبا إن لم تعصمه من هذا الفناء عصمة من بقايا الحيوية كمنت فيه” والحيوية التي أشار إليها إبن خلدون هي حضارة الضعيف التي إن تمترس فيها وإستمسك بها حفظته من الإنصهار في حضارة الغالب، والمحاكاة أو التقليد الآلي للقوي هي أولى الخطوات على درب التسليم والفناء. فإن أحسنا الظن اليوم بدعاة الحداثة في أوطاننا فسنقول إن هالة ثقافة الغرب هي ما يدفعهم نحو التقليد الذي لا تمييز فيه ولا إختيار، وإن عدنا إلى سنوات الإحتلال المباشر فسنقول إنهم جزء من المشروع الكولينيالي الساعي إلى الإدماج القسري لشعبنا في حضارة القوي رغبة منه في ضمان ديمومة نهب الثروات والخيرات وضرب الوحدة الثقافية والعرقية والدينية الجامعة للأقطار العربية.
تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة الصادر مؤخرا نراه يحيي آمال القوى الكولينيالية “والفرنسية تحديدا” في القضاء على “حيوية” الشعب العربي في تونس متمثلة في لغته ودينه وقد راهن باعثوه على إفتتان المغلوب بمظاهر القوة في الحضارة الأوروبية متعمدين في مشروعهم الإقتباس من الغرب فقط ما يتعارض مع قيمنا الدينية والأخلاقية والسلوكية وترك أسباب تلك القوة من تحيين المناهج التعليمية وتقديس العمل وفرض السيادة الكاملة على ثروات البلاد والتوزيع العادل للثروة على مختلف الجهات. المساواة المنشودة التي نادت بها حناجر المتظاهرين ذات ثورة موءودة ليست في أحكام الميراث فالسواد الأعظم من هذا الشعب لن يجد ما يورثه لأهله غير مطالب الدائنين ولكنها المساواة في فرص العمل بين أبناء الأسر الحاكمة وأبناء الطبقة الكادحة، المساواة بين الجهات في توفير المستشفيات والمدارس والطرق، المساواة في الحقوق بين المرأة الريفية العاملة المستعبدة من قبل أصحاب الثروات وبين المرأة المتمدنة، لو تناول التقرير حالات التمييز الطبقي والجهوي لقلنا إنه خرج من رحم الثورة لكنه أمسك عنها وتناول حرية الإلحاد والمجاهرة بما ينافي الدين والحياء وشرعنة شبكات التنصير سعيا من باعثيه إلى إحياء المؤتمر الأفخارستي والفيدرالية الإشتراكية زمن الإحتلال الفرنسي.
يدرك الغرب كما يدرك بيض الجراد الذي خلفه وراءه أن إندحاره من هذه الأرض ما كان ليتم رغم التفاوت الهائل في ميزان القوى لصالحه لولا ثبات الأهالي على الهوية العربية الإسلامية في وجه موجات التنصير والفرنسة، ومع حفاظ اللغة على ديمومتها مستمدة قوتها ومناعتها من القرآن الكريم كان لابد من سياسة طويلة الأجل بأياد محلية تأتي على مكامن القوة لهذا الشعب وتضمن للإستعمار في ثوبه الجديد مصالحه وهيمنته. أدرك الإحتلال أن المقاومة في تونس تستمد عنفوانها من الثقافة العربية والإسلامية وأن سياسة الدمج محكوم عليها بالفشل ما بقي التونسي عاضا بالنواجذ على دينه وهويته، ربما ينسى المثقف التونسي اليوم أحداث الزلاج يوم رفض أسلافنا مرور الترامواي عبر المقبرة سنة 1911 وربما سقطت من ذاكرته ملحمة التصدي لتجنيس التونسيين سنة 1923 بإعتبار كل من تخلى عن جنسيته التونسية لصالح الفرنسية قد إرتد عن دينه وأنه لا يرث من مسلم ولا تصلى عليه جنازة لا يحق لأهله دفنه في مقابر المسلمين. لكن المحتل لم ينس، وأدرك أن فشل سياسة الدمج لن تتم إلا عبر أجيال ومراحل تنفذها أياد عربية الوجه واليد واللسان يمكن وصفها في الجزائر بجيش فرنسا وفي تونس بمثقفيها. إن معارك التحرير في تونس وسائر الوطن العربي كانت في أحد فصولها ثقافية، ويوم إنتصر الإنتماء إلى الأمة بجناحيها العربي والإسلامي على محاولات الدمج كانت الثورات المسلحة قد إتخذت طابعا جهاديا وحضاريا غير قابل للكسر والهزيمة. والمقاومة بروح مسلمة وجسد عربي تبناها المسيحي في المشرق أمثال فارس خوري كما تبناها الامازيغي في المغرب إدراكا منهم أن الدين واللغة يشكلان حضارة هم أبناؤها وجزء فاعل فيها وأن مناعة الوطن رهين قوة الحضارة.
إننا نجد في كتب التاريخ المقاوم في المغرب والجزائر وتونس وغيرها قابضا على الإسلام والعروبة مستمدا عزمه وثباته منهما، ولعل المجال لن يكفي للمرور على أبطال المغرب العربي جميعا فنذكر في المغرب محمد المختار السوسي رجل اللغة والدين والجهاد ومحمد عبدالكريم الخطابي ملهم شي جيفارا وأحرار العالم وفي الجزائر العلامة إبن باديس ومن مدارسه برز العربي بن مهيدي وثلة من أبطال ثورة التحرير العظيمة الخالدة وفي تونس عبدالعزيز الثعالبي وفي ليبيا شيخ المجاهدين ومعلم القرآن عمر المختار وفي موريتانيا العالم الجليل ماء العينين، فضلا عن أبطال المشرق العربي. فالثبات في وجه السياسة الكولينيالية ما كان له أن يتم لولا حرص أسلافنا على حفظ الهوية من الإندثار.
المعركة التي يخوضها الغرب اليوم هي معركة هوية، يؤمن أنها صراع حضارات وأن قوة السلاح لا تكفي لضمان خضوع هذه الشعوب المتجذرة في هويتها ونؤمن نحن أن حضارته حتى القديمة منها كانت نتاج تمدد حضارتنا في الغرب والتي لولاها لما أدرك العلوم ولا الأديان. يؤمن أن الحدود الفاصلة بين الأقطار ستزول إن دام العامل الجامع لهذا الشعب وأن ضمان عدم العودة إلى خارطة ما قبل الموحدين في المغرب أو ما قبل سايكس بيكو في المشرق يستوجب الإنتقال من هوية جامعة إلى هويات متضاربة، سبيله في ذلك دعم ظهير بربري أو إنتاجه من العدم إن لزم الأمر وضرب اللغة العربية بتوحيد اللهجات الأمازيغية أو دعم اللهجات المحلية الهجينة والسعي لإخراج الإسلام من هذه الأرض إما بالتنصير فإن لم يفلح فبالإلحاد بدعوى الحداثة، وفي المشرق بدعم الصراع الطائفي والنزعات العرقية، ومن المفارقات أن يجتمع لخدمة هذه المشاريع الكولينيالية أبناء الثقافة الغربية من العرب مع المغالين في تطبيق الأحكام الدينية كأن دور الطرف الأخير تنفير المجتمع من الدين تمهيدا لمشاريع الطرف الأول.

سفيان بنحسن
تونس