ثقافة رأي

الحب في زمن الكوليرا

رشيد مصباح

***

تبدأ المسؤوليّة من الفرد البسيط لتنتهي بالأمّة والمجتمع ، فالفرد مسؤول عن نفسه وعمّن هو دونه ، ثم يتدرّج شيئًا فشيئًا إلى أن يصل أعلى المراتب ، فيغدو حاكما . والمسؤولية ؛ نضال وكفاح مستمر ، وهي ” تكليف لا تشريف ” كما هو معروف عند الجميع . وأمانة في رقابنا ، وقد طلبها ( أبا ذر ) قبل هذا ، فردّ عليه الحبيب الذي لا ينطق عن الهوى : ” إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها ” . وتتطلّب المسئوليّة مقدارًا كبيرًا من التضحيّة والبذل والعطاء . لكنّها في زمن كهذا ، و لجهلهم بها و بخطورتها عليهم وعلى مستقبل الأجيال من بعدهم ، وفي ظلّ ثقافة اللاّحساب و اللاّعقاب وظهور ما يُسمّى بالابتزاز المقنّن والمقدّس ، صاروا يتلهّفون و يتزاحمون عليها ، ويطلبونها بأيّ ثمن . ربما لأنّها أصبحت مصدرًا سائغا لائغا لهم ولتحقيق رغباتهم الكامنة في بلوغ ذروة النّشوة والعيش في رفاهيّة وبذخ .

في المجتمعات التي تحترم القانون ، وترفع شعاره عاليًّا ، القانون فوق الجميع ، لا استثناء لأحد فيه ، وكل النّاس سواسية ، وكل فرد مسئول عن أفعاله ، مهما كانت رتبته . والمسئول في هذه المجتمعات المحترمة معرّض في أيّ لحظة للمساءلة و للانتقادات ، تُنثر على دربه الأشواك ، كما يقال ، ما دامه في المسؤولية حتّى يتخلّى عنها . فإذا ما خلع بذلته الرّسميّة أمسى كأيّ واحد من الأفراد .

والشّعوب الخانعة ، تلك التي ، ” لا تقرأ وإذا قرأت لا تستوعب وإذا استوعبت لا تنفّذ ” ، تمتهن الرّكوع والسّجود خشية من الحاكم ، المستبد بها لا مخافة من الله الواحد الأحد ، تضع صورته أمامها حتّى لا يغيبها سوى الموت عنها ، وهو بمرتبة
النّبي المعصوم ، و الإله المنزّه الذي ” لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ” . في مجتمع كمجتمعنا ، افتتن أغلب النّاس بالسّلطان و ذلّوا له ، وتزاحموا على بيبانه ، طلبا لودّه ، وطمعًا في الحصول على الرّزق ، يكذب عليهم أو يسجنهم ويقتلهم ، فهم باقون على العهد ، يقدّمون البراء والولاء دون مقابل . لأنّه يملك عصا ، وأبوابه كلّها مفتوحة للكسب والعطاء ” اللاّ مشروع “.

الكوليرا، هذا الوباء الخطير الذي ظهر مؤخّرا ، رغم محاولة طيّه ونسيانه وجعله في غياهب الزّمن ، والذي تسبّب في الرّعب لمواطنين لم يكن باستطاعتهم التزوّد بمياه صالحة للشّرب ، ورغم ذلك لم يجرؤ أحد ، سواء من المسؤولين المعنيّين أو سفهائهم المتملّقين ، على تقديم ولو مجرّد اعتذار واحد لأسر المتضرّرين المتضمّرة .

تذكّرت مقولة بالمناسبة وهي : “إن هذا الحب في كل زمان وفي كل مكان، ولكنه يشتدّ كثافة كلما اقترب من الموت” ، والتي لخّص بها الكاتب العبقري ( ماركيز ) روايته ” الحب في زمن الكوليرا ” ، فأردت أن أُجعل منها عنوانًا لحالنا مع المتملّقين الذين لم يعد يهمّهم سوى رضا السّلطة وما يحصلون عليه من أجر ، حتّى وإن كانت مواقفهم البائسة تنمّ عن فشل أخلاقيّ ذريع ، ومن خلال محاولتهم التستّر على ما يجري من أحداث ، هزّت مشاعرنا ، أيدينا على قلوبنا وعيوننا على أبنائنا الذين فقدوا الأمل في كل شيء ، في العمل والزّواج و المستقبل والوطن ، ونحن في زمن التّكنولوجيا التي تجاوزت سرعتها حدود الخيال ، لا يزال هناك من يُمارس عليهم السّحر والدّجل ، استخفافًا بعقولهم وضمائرهم البريئة . ومهما يكن ، فإنّ هؤلاء المتملّقين لن يستطيعوا إخفاء شيئًا في هذا العصر، عصر الأقمار الصّناعية التي لا يغيب عنها شيء ، و( ناسا ) التي أطلقت مهمّة ” لمس الشّمس ” لتؤكّد حقيقة أن : ” الشّمـس لا يُغطـيها غربال ” و ” الحقيقة لا يطمسها كذب المحتال ” كما يقول المثل .