رأي

إخلاء سيناء لتنفيذ مشروع هرتزل

 

الدعوات التي ظهرت في مصر مؤخرا لإخلاء شمال سيناء من السكان بزعم القضاء على الإرهاب تأتي في إطار تنفيذ مشروع تيودور هرتزل الذي جمده الإنجليز عام 1903، وهو تهيئة سيناء بدون سكان ليأخذها اليهود كمستوطنة تضاف إلى فلسطين المحتلة، وهو هدف استراتيجي قديم لإقامة إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل، ويتلاقى مع استراتيجيات الدول الغربية التي تعمل على توسيع الحاجز بين الجانب الإسلامي في آسيا والجانب الإسلامي في أفريقيا.

هذه الدعوة التي تم ترويجها على مواقع التواصل الاجتماعي بشكل منظم، تضاف إلى إجراءات أخرى تؤكد أن المخطط الصهيوني لابتلاع سيناء يسير بنجاح رغم ما يبدو من فوضى وصراعات، فهناك عقل صهيوني يخطط، وينفذ ما يريد، ويوظف كل الخلافات والصراعات المحلية لإنجازالتصورات التي وضعت على الخرائط منذ أكثر من قرن وتحقيقها.

الترويج لإخلاء سيناء من سكانها يعد الخطوة الثالثة والأخطر، بعد تنفيذ أهم خطوتين في حلم الأب الروحي للصهيونية، أولهما وضع الخط الإداري الذي قرره هرتزل جنوبا لفصل المستوطنة المخطط لها عن المثلث الجنوبي الذي يسيطر عليه رهبان دير سانت كاترين التابعين لليونان والمدعومين من الكنيسة المسكوبية الروسية، وثانيهما وضع البنية الأساسية لتوصيل مياه النيل إلى سيناء عبر سحارة سرابيوم بالإسماعيلية وعدم الاكتفاء بترعة السلام، في وقت ينتظر فيه سكان الوادي جفاف النيل بسبب السد الأإيوبي الذي تموله الشركات الصهيونية العالمية.

تفاصيل مشروع تيودور هرتزل لاستيطان سيناء وردت في مذكراته المعروفة باسم” يوميات هرتزل” وقد ترجم وثائق المشروع الأستاذ كامل زهيري في كتابه المهم ” النيل في خطر” وتناولها العالم المصري الدكتور جمال حمدان في كتابه “سيناء في الإستراتيجية والسياسة والجغرافيا” وأشار إليها محمد حسنين هيكل في كتابه “المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل”، وصدرت ترجمات مختصرة للمذكرات يمكن الرجوع إليها للإحاطة بالتفاصيل الكاملة.

مشروع هرتزل لابتلاع سيناء

بسبب رفض السلطان عبد الحميد بيع فلسطين لليهود كوطن قومي، بحث الصهاينة عن وطن بديل، فقرر هرتزل استيطان سيناء كوطن مؤقت، يستوعب المهاجرين اليهود لحين تبدل الظروف في فلسطين، فتفاوض هو والثري اليهودي روتشيلد سرا مع الحكومة البريطانية، لتأجير سيناء لمدة 99 عاما، فحصل على موافقة مبدئية وطلبوا منه التفاهم مع كرومر الحاكم الإنجليزي لمصر.

وبالاتفاق مع وزير المستعمرات البريطاني جوزيف تشمبرلين والمعتمد البريطاني اللورد كرومر ورئيس الوزراء المصري بطرس غالي أرسل هرتزل بعثة صهيونية إلى مصر تتكون من زعماء الحركة الصهيونية وخبراء يهود برئاسة الصحفي الصهيوني جاكوب جرينبرج، وانطلقت البعثة لمعاينة سيناء في 11 فبراير/شباط وانتهت في 25 مارس/آذار 1903، ودرست كل شيء وأصدرت تقريرا ملخصه الآتي:

أولا: حدود المستعمرة تبدأ من فلسطين شرقا إلى القناة وخليج السويس غربا، ومن شاطئ البحر الأبيض شمالا، إلى خط عرض 29 جنوبا في نهاية مساقط مياه وادي العريش ومرتفعات التيه، وهذا الخط يمتد من أبو زنيمة على خليج السويس إلى نويبع على خليج العقبة.

ثانيا: مطلوب توصيل مياه النيل إلى سيناء من الإسماعيلية

ثالثا: التأكيد على قلة عدد سكان سيناء للإيحاء بأنها أرض بلا صاحب.

وتقدم هرتزل بمشروع الاتفاقية التي أراد بها التعاقد مع الحكومة المصرية للحصول على امتياز الاستيطان في شبه جزيرة سيناء وكان ملخصها كالتالي:

أولا: تمنح الحكومة المصرية هرتزل أو الشركة التي يؤسسها الحق في استعمار المستوطنة بعقد امتياز لمدة 99 عاما.

ثانيا: تتعهد الحكومة المصرية بتوصل المياه إلى سيناء.

ثالثا: بالنسبة للمثلث الجنوبي لا تتصرف فيه الحكومة إلا بالتشاور مع الإدارة الصهيونية للمستوطنة.

وربط كرومر موافقته برد وكيل نظارة الأشغال السير ويليام جارستن، الذي جاء رده في 5 مايو/أيار 1903 بالرفض بناء على الآتي:

1- صعوبة نقل المياة من خلال 8 أنابيب قطر كل منها متران في هذا الوقت لأسباب فنية.

2- التأثير السلبي للمشروع على مشروعات الزراعة المصرية بالوادي، خاصة محصول القطن الحيوي للصناعة الإنجليزية.

تعلل كرومر بمذكرة جارستن لكن هناك أسبابا أخرى جعلت الإنجليز يجمدون المشروع، منها الاستعداد للحرب العالمية الأولى والتوافق بين إنجلترا وفرنسا على تقسيم تركة الدولة العثمانية ومنها فلسطين.

سر خط عرض 29

الذي لفت أنظارنا إلى إحياء مشروع هرتزل هو الإصرار على وضع خط تقسيم إداري على ذات الخط الذي قرره مشروع هرتزل وهو خط العرض 29، من خلال مشروع التقسيم الإداري الجديد للمحافظات المصرية الذي أعلنه عبدالفتاح السيسي أثناء ترشحه لانتخابات الرئاسة، ففي هذا التقسيم الإداري تقرر اختراع محافظة جديدة باسم وسط سيناء بغير ضرورة أو أسباب مقنعة، وعدم الاكتفاء بالتقسيم الحالي الذي يقسم سيناء إلى شمال وجنوب، وقد كتبنا من قبل حول المثلث الجنوبي الذي يخضع لسيطرة دير سانت كاترين والذي لم يعد للدولة المصرية أي سيطرة فعلية عليه غير مساحات محدودة في الشريط الساحلي.

ومع صعوبة التنفيذ الكامل لمشروع المحافظات لأسباب مالية وإدارية أعلنت الحكومة عن تنفيذ 3 محافظات فقط وهي وسط سيناء والعلمين والواحات، وهي الهدف الأساسي من المشروع كله، وقد أوضحنا خطورة هذا التقسيم، وأنه تنفيذ لمخطط برنارد لويس لتقسيم مصر، ولكن ما يجري في سيناء من تطورات سريعة ومتلاحقة أبعد مما كنا نتصور، وهو تنفيذ حلم هرتزل الذي لم يمت بموته.

ومع إعادة قراءة الاستراتيجيات الغربية والصهيونية في سيناء تبين لنا أن تقسيم سيناء وفق خط عرض 29 يبدو أنه يحظى بتوافق دولي لتقسيم شبه الجزيرة بين رهبان اليونان المدعومين من روسيا، لإقامة فاتيكان للأرثوذكس في المثلث الجنوبي، وبين الصهاينة الذين يريدون السيطرة على معظم سيناء، تبدأ من صحراء التيه التي لها رمزية في التاريخ اليهودي، وباعتبارها جزء من مشروع إسرائيل الكبرى المزعوم.

سحارة سرابيوم وتوصيل مياة النيل

يأتي التسرع بتوصيل مياه النيل إلى سيناء من ذات المكان الذي طلبه هرتزل في ظروف غير منطقية ليؤكد أن هناك إصرارا على التنفيذ بأسرع ما يمكن. ففي أثناء شق تفريعة قناة السويس الجديدة كان هناك عملٌ دءوبٌ، يصل الليل بالنهار لسرعة الانتهاء من سحارة سرابيوم لنقل الماء من ترعة الإسماعيلية إلى شرق القناة، وتتكون السحارة من 4 مواسير قطر الواحدة متران، وكان من المفترض أن يبدأ ضخ الماء شهر مارس 2016 ثم تأجل إلى شهر أبريل ليتم افتتاحها ضمن مشروعات أخرى ليبدو الأمر وكأن هناك مشروعات تنموية، بينما في الحقيقة، لا يوجد أي تصور تنموي حقيقي معلن، ولا يوجد مشروع إنتاجي واحد يوفر الإقناع اللازم بضخ المياه في هذا التوقيت ونحن على أبواب العطش.

إن الإصرار على ضخ الماء لسيناء في الوقت الحالي يناقض الواقع؛ فنهر النيل سيجف عند اكتمال بناء السد الإثيوبي، ولن تصل مياه الفيضان السنوية التي تخزن في بحيرة ناصر، لأن التخزين سيكون في إثيوبيا، وهذا يعني أن السد العالي سيكون خارج الخدمة، ومعه البحيرة أيضا، وكان من المنطقي أن تبحث الحكومة في كيفية مواجهة الكارثة المتوقعة لا أن تتوسع في مشروعات لنقل المياه إلى الفراغ.

عندما وافق عبد الفتاح السيسي على بناء السد الإثيوبي الذي سيتسبب في تعطيش مصر والتسليم للإثيوبيين بلا مبرر، ثم تشييد بنية أساسية لنقل المياه إلى سيناء فهمنا أنه يريد التهيئة الشعبية لنقل المياه للكيان الصهيوني، وتنفيذ ما عجز الرئيس الأسبق أنور السادات عن تنفيذه عندما أعلن عن توصيل مياه النيل لصحراء النقب والقدس من خلال ترعة السلام، لكن مع الدعوة الأخيرة بإخلاء شمال سيناء من السكان التي ظهر منها توجيه مقصود ومنظم أن الأمر أبعد من هذا، وأن الماء ليس للمصريين، وإلا من أجل من يضخ الماء إذا كان السكان سيطردون؟!

تعديل القانون من أجل الأجانب

بعد إعادة تخطيط سيناء وتهيئتها وإخلاء السكان فإن عملية السيطرة اليهودية لن تتم بشكل مباشر، وليس بطريقة مكشوفة، وإنما عن طريق الاستثمار الأجنبي ودخول الشركات الصهيونية وبعض السماسرة والوكلاء العرب، لذا كان لازما تعديل قانون تنمية سيناء بما يساهم في فتح الباب أمام الشركات الأجنبية والمستثمرين الذين تم تجهيزهم للمهمة، فتم إدخال تعديلات غريبة وعجيبة على القانون.

في شهر أغسطس/آب 2015 أصدر عبد الفتاح السيسي بصفته رئيسا للجمهورية قرارا بقانون رقم 95 لسنة 2015 بتعديل بعض أحكام المرسوم بقانون رقم 14 لسنة 2012 الذي أصدره المجلس العسكري في عهد المشير طنطاوي بشأن التنمية المتكاملة في شبه جزيرة سيناء أهم ما فيه الآتي:

أولا: تمديد حق الانتفاع بالنسبة للأجانب من 50 عاما إلى 75 عاما مع حق الورثة في تجديد العقود بذات الشروط.

ثانيا: من حق رئيس الجمهورية تخطي القانون والتعاقد مع من يشاء من الأجانب وأن يعطي من يريد مشروعات وأراض، بل ومدن كاملة في أي مكان في سيناء!

ورغم أن القانون ينص على أنه ” لا يجوز أن تزيد نسبة الأوراق المالية ورأس المال أو الأسهم للشركات والمنشآت والمشروعات لغير المصريين على نسبة 45% فإن المادة الرابعة نصت على أنه يجوز بقرار من رئيس الجمهورية لأسباب يقدرها الاستثناء من نسبة مشاركة المصريين في الشركات الأجنبية التي تقوم بتنفيذ مشروعات تنمية متكاملة في المنطقة كمحاور للتنمية بوجه عام في مختلف الأنشطة وبشرط تعهد هذه الشركات بالالتزام بعدم إجراء أي تغيير في أسماء الشركاء أو نسب المساهمة أو النظام الأساسي لها حتى انقضاء كيانها القانوني.

ونص هذا القرار بقانون على حق الرئيس في إعطاء مدن كاملة ومناطق شاطئية لشركات أجنبية دون الالتزام بالقانون؛ ففي المادة الخامسة نص على أنه يجوز بقرار من رئيس الجمهورية استثناء مدينة أو جزء منها والمناطق الشاطئية, وكذا مشروعات التنمية الخاصة بتنمية محور قناة السويس والمناطق الاقتصادية ذات الطبيعة الخاصة الواقعة بالمنطقة من الخضوع لأحكام هذا القرار بقانون.

وهذا القرار بقانون اقترب من مدة الـ 99 عاما التي كان يريدها هرتزل، مع الأخذ في الاعتبار أن الاستيطان لا يحتاج إلي هذه الفترات الطويلة، ولكن عملية ابتلاع سيناء وسط بيئة خطرة كسيناء يحتاج إلى وقت، ويقتضي تأمين المنطقة قبل ضخ الاستثمارات الموجهة.

***

لكن يبقى العنصر البشري هو التحدي الذي يعرقل مثل هذه المخططات الموضوعة على الخرائط، وهو الذي يعوق ويفسد ما يجري من إجراءات على الأرض، ولهذا فإن كل القوى الخارجية منعت تعمير سيناء خلال العقود السابقة حتى لا يتدفق سكان الوادي فيقضون على الأحلام الصهيونية، ومن أجل هذا تواصل الاستراتيجيات المعادية العمل لتهجير السكان قسريا أو بدفعهم للمغادرة، تحت مبررات متعددة، ومن المعروف أن التهجير سياسة استعمارية وصهيونية غريبة عن أمتنا وديننا.

وعندما نكتب عن الخطط والاستراتيجيات المعادية فإننا نستهدف تبصير المخلصين لوقف هذا الاستنزاف والدعوة لإجهاض المكر المعادي، وتعطيل العجلة التي تدور بسرعة الصاروخ لتنفيذ التخطيط الصهيوني، ونحن نظن أن كثيرين ممن يشاركون في تنفيذ المخطط المعادي عن جهل، ولا يدرون بحقيقة ما يتم، وهؤلاء نوضح لهم ما قد خفي عليهم لعلهم يوقفون هذه الماكينة التي قد تبدو عمياء، وهي في الحقيقة تسير في وجهة محددة ومخطط لها جيدا. 

ما يجري في سيناء يتوقف عليه مستقبل الأمة المصرية، ويحتاج إلى إدارة عاقلة، تعمل على وقف هذه الحرب الملعونة، وتتحرك وفق إستراتيجية مدروسة، قائمة على حقائق واقعية، بعيدا عن الاندفاع والخضوع للتحريض الصهيوني، الذي ينفخ في النار لاستمرار الاستنزاف إلى الأبد وذبح الذات حتى التلاشي.