أحوال عربية

النزاع المسلح باليمن فى القانون الدولى الانسانى.. امكانية التحقيق والمحاكمة

ناجى احمد الصديق
ـــــــــــــــــ
دخل اليمن الذى ليس سعيدا فى اتون حرب مدمرة لم يلح لها ضوء فى اخر النفق حتى الان بالرغم من الجهود الدولية الكثيفة التى قادتها الامم المتحدة منذ بداية اندلاعها فى 2014م بل انه ليس من المؤمل فى المدى المنظور ان تتوقف تلك الحرب لجهة انه ليس من بين طرفى النزاع من يبدى مجرد استعداد للدخول فى مفاوضات جادة لحل هذا النزاع المدمر

ندخل الى دهاليز القانون الدولى الانسانى عبر اتفاقياته المتعددة لنتعرف الى اوجه ذلك النزاع الذى يبدو غزوا فى احيان وتدخلا مشروعا فى اراضى دولة اخرى فى احيانا اخرى وليس لنا الا الانصياع لما تقوله اتفاقيات القانون الدولى والقانون الدولى الانسانى فى شأن دخول التحالف الذى تقوده المملكة العربية السعودية كطرف اساسى فى النزاع المسلح فى اليمن

تبدو الحرب فى اليمن بين طرفبين رئيسيين هما جماعة انصار الله الحوثية من جانب والتحالف الذى تقوده المملكة العربية من جانب اخر ولعل الجانب العقائدى هو ما اشعل شرارة تلك الحرب واخذ يزكيها الى ان استعصى الفتق على الراتق، والجانب العقائدى الذى نعنيه هوالخلاف الكبير بين الشيعة وهم جماعة انصار الله الحوثية والسنة وهم بقية دول التحالف وفى مقدمتها المملكة العربية السعودية، ولان بدأ هذا الخلاف عقائدئا الا ان المصالح السياسية هى ما اوصلته الى هذه الدرجة من الخطورة، والمصالح السياسية فى عالم اليوم يتداخل فيها المحلى والاقليمى والدولى بصورة لا تستطيع فيها دولة واحدة اتخاذ قرارا منفردا .

تنقسم النزاعات المسلحة بحسب البروتوكول الاضافى الثانى الملحق باتفاقيات جنيف الاربع لسنة 1949م الى قسمين اولها النزاعات المسلحة الدولية وهى النزاعات المسلحة التى تنشأ بين دولتين مستقلتين وثانيهما هى النزاعات المسلحة غير الدولية وهى النزاعات المسلحة التى تنشأ بين طرفين داخل الدولة الواحدة ويعتبر القانون الدولى ان كلا من النزعات الدولية وغير الدولية داخلتان فى مظلة القانون الدولى الانسانى حيث يتم تطبيق قواعده عليها ويمكن تقديم اى من يقوم بانتهاك قواعد ذلك القانون الى المحاكم الجنائية الدولية فى حالة ارتكاب انتهاكات خطيرة لذلك القانون. ولكن هنالك بعض النزاعات التى يسميها القانون الدولى الانسانى بالاضطرابات الداخلية او المظاهرات وهى النزاعات التى تخرج من مظلة القانون الدولى الانسانى وتدخل فى نطاق القانون الوطنى للدولة، ومناط التفرقة بين النزاعات الدولية وغير الدولية وبين الاضطرابات الداخلية هو ان يكون احد اطراف النزاع يسيطر بصورة كاملة على بعض اراضى الدولة ويستطيع فرض سلطاته عليها ويباشر تسيير كافة الاحوال فى تلك الاراضى . ويستمد النزاع الداخلى مشروعيته فى تطبيق قواعد القانون الدولى الانسانى من نص المادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف الاربع والتى تقرأ على النحو التالى (فى حالة قيام نزاع مسلح ليس له طابغ دولى فى اراضى احد الاطراف السامية المتعاقدة يلتزم كل طرف فى النزاع بان يطبق كحد ادنى الاحكام التالية

ــ الاشخاص الذين لا يشتركون مباشرة فى الاعمال العدائية بمن فيهم افراد القوات المسلحة الذين القوا عنهم اسلحتهم والاشخاص العاجزون عن القتال بسبب الجرح او المرض او الاحتجاز او لاى سبب آخر يعاملون فى جميع الاحوال معاملة انسانية دون تمييز ضار يقوم على العنصر او اللون او الدين او المعتقد او الجنس او المولد او الثروة او اى معيار آخر..) ويستوى ـ كما هو واضح ـ الجيش الوطنى والخارجين عليه وكل الفئات الوطنية المتحاربة من غير القوات التابعة للحكومة، وقد اكدت محكمة العدل الدولية بحسب د. محمود مصطفى المكى فى كتابه (القانون الدولى الانسانى مقارنا بالشريعة الاسلامية)،، ان احكام المادة الثالثة المشتركة تتضمن مجموعة من الحقوق من ضمنها تلك المتعلقة بحق ضحايا النزاعات المسلحة الداخلية فى تلقى المساعدات لتأمين بقائهم على قيد الحياة ذلك ان العلاقة بين هذه الحقوق وتلقى المساعدات الانسانية هى علاقة مباشر،، اضافة الى ذلك فان اللجنة الدولية للصليب الاحمر قد قامت باصدار بروتوكليين فى عام 1974م عنى الثانى منهما بصفة خاصة بضحايا النزاعات الداخلية حيث جاءت ديباجته متضمنة مبادىء تؤكد على ما جاء فى المادة الثالثة المشتركة من احترام لشخص الانسان فى النزاعات المسلحة الداخلية وتذكر بصفة اخص بما يعرف بشرط مارتيز (Martez condition) باستناد حماية شخص الانسان على المبادىء الانسانية وما يمليه الضمير العام

عليه فان ما يجرى فى اليمن من نزاع مسلح وبحسب ذلك المعيار هى نزاع مسلح داخلى حيث تقوم جماعة انصار الله بالسيطرة الكاملة على بعض اقاليم اليمن بما فيها العاصمة صنعاء نفسها بل انها قامت بتشكيل حكومة تقوم بادارة كافة الاقاليم التى تسيطر عليها وبهذا فانه بحسب معيار القانون الدولى الانسانى فان ما يجرى فى اليمن يعتبر نزاعا مسلحا داخليا تطبق عليه معايير القانون الدولى الانسانى متى ما تم انتهاك اىا من قواعده الموضحة فى اتفاقيات جنيف الاربع والمنصوص عليها فى النظام الاساسى للمحكمة الجنائية الدولية وما قررته البروتوكولات الصادرة فى هذا الخصوص بحسب ما بيناه أنفا .

هنالك امرا لابد من الاشارة اليه وهو دخول قوات التحالف العربى الى اليمن والوقوف بجانب الجيش الوطنى فى محاربته لجماعة انصار الله، وهل يعتبر ذلك التدخل مشروعا بحسب ما قررته قواعد القانون الدولى كما يقول التحالف انم انه تدخل غير مشروع باعتباره انتهاكا لسيادة اليمن بحسب ميثاق الامم المتحدة كما تقول جماعة انصار الله .

تنص المادة 51 من ميثاق الامم المتحدة على الاتى(ليس فى هذا الميثاق ما يضعف او ينقص الحق الطبيعى للدول فرادى او جماعات فى الدفاع عن انفسهم اذا اعتدت قوة مسلحة على احد اعضاء الامم المتحدة وذلك الى ان يتخذ مجلس الامن التدابير اللازمة لحفظ السلم والامن الدوليين …..) . بحسب هذه المادة فان للدولة منفردة حقا طبيعيا فى الدفاع عن نفسها امام الى عدون عليها، كما ان للدول مجتمعة نفس ذلك الحق عليه فانه متى تم عدوان على دولة او مجموعة دول فانها تستطيع الدفاع عن نفسها مباشرة ودون الرجوع الى مجلس الامن ولكنه يجب ابلاغ مجلس الامن بالتدابير التى تم استعمالها فورا ولمجلس الامن اتخاذ كافة التدابير التى يراها مناسبة لحفظ السلم والامن الدوليين، وقد اكدت محكمة العدل الدولية هذا المبدأ حيث قالت ان عدم وجود تقرير موجه الى مجلس الامن يشكل عنصرا يستدل منه ان الدولة المعنية لا تتحرك فى اطار الدفاع عن النفس اذ يقع على الدولة التى تمارس هذا الحق واجب ابلاغ مجلس الامن

بجانب الدفاع عن النفس فى مواجهة العدوان الذى يقع على الدول فان هنالك نواعا آخر من الدفاع عن النفس سمى بالدفاع الوقائى وهو ما تقوم به الدولة او الدول بالهجوم الاستباقى توقيا لتهديد وشيك باستعمال القوة االمسلحة من قبل دولة اخرى وقد اورد بعض الفقها بان الدفاع الاستباقى باطل قانونا وذلك ان المادة 51 من الميثاق لم تتحدث مطلقا عن مثل ذلك الدفاع علاوة على ان استخدام القوة فى حالة الدفاع الشرعى يعتبر استثناءا من القاعدة الاصلية التى تحرم استخدام القوة المسلحة ولهذا لا يجوز التوسع فيها .

ظهر اخيرا ما يسمى بالحرب الاستباقية وكان هذا واحدا من افرازات الحرب على الارهاب التى ظهرت بصورة موسعة بعد احداث الحادى عشر من سبتمبر الشهيرة وبالرغم من قواعد القانون الدولى لم تكن تعرف مثل تلك الحروب الاستباقية الا ان مجلس الامن لم يتمكن تحت ضغط الولايات المتحدة من ابطالها واصبحت ضرورات الواقع تاخذ مكانها فى فقه القانون الدولى وسارت الحرب على الارهاب قدما الى الامام بما فيها تلك الحرب الاستباقية حتى اصبحت فى يومنا هذا عرفا تتمسك به الدول، بل واصبح مطية لشن كثير من الحروبات دون ان يكون هنالك مبرر قانونى لها . على كل فان التحالف العربى بقيادة السعودية قد دخل اليمن بحجة الحرب الاستباقية ضد الحوثيين وقوات على عبد الله صالح الذين شارفوا على بسط سيطرتهم على كل التراب اليمنى وقد تبدو انها حجة صحصيحة باعتبار العداء المستحكم بين ايران التى تدعم حركة الحوثى وبين دول الخليج كافة ولكن الحرب فى اليمن قد اخذت بعدا مأسوايا على الشعب اليمنى واصبحت مأساته هى مأساة القرن واصبح الموت هنالك مشاعا بين كل مكونات الشعب اليمنى تارة الحرب وتارة بالكولرا وطورا بالجوع الذى فتك بالناس حتى اصبح اليمن السعيد يعانى من اكبر مجاعة فى العصر الحديث.

لا يهمنا من كل ما يحدث فى اليمن الا تطبيق قواعد القانون الدولى الانسانى على النزاع المسلح الغير دولى فى اليمن، ولعل تطبيق تلك القواعد بالصرامة التى حث عليها القانون المذكور سيجنب ابناء اليمن الكثير من المعاناة خاصة معاناتهم مع القصف العشوائي للمدنيين فى الاسواق والمدارس والمشافى ودور العبادة وهى الاماكن التى تحظى بحماية القانون الدولى الانسانى، والقول الفصل فى تطبيق تلك القواعد ومحاسبة من يقوم بانتهاكها هو مجلس الامن الدولى وسلطاته المطلقة تحت البند السابع باستعمال القوة اذا لزم الامر بوقف الحرب وحماية المدنيين اولا وباحالة النزاع برمته الى محكمة الجنايات الدولية لاجراء التحقيقات الللازمة ومن ثم محاكمة من قاموا بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية امامها، فهل نرى ارتقاءا للدول الاعضاء فى مجلس الامن فوق مصالح مصالحها فى المنطقة ام اننا سنشاهد فصلا ثانيا من ابادة للمدنيين العزل فى اليمن كما شاهدنا الفصل الاول بكل مأسية بابادة المديين العزل فى سوريا؟؟

ناجى احمد الصديق …محامى