ثقافة

*الحجُّ من الجزائر في الزمنِ الغابِر *للدكتور احمد بوسعيد

ظلَّتْ أفئدةُ الجزائريين وشخوصُهم تهوي إلى بلاد الحرمين الشريفين مُذْ هداهُم الله لدينِه الحنيف، يؤمِّلون الأنفسَ بالسعي إليها مع كلِّ موسم حجٍّ. كان السفر إلى الحجِّ من الجزائر “غدوُّه عامٌ ورواحُه عامٌ”، يبدأ التحضيرُ له عقبَ انقضاء شهر ربيع الأول، تيمُّناً وتبرُّكاً بمولد المصطفى عليه السلام ورجاءَ تحقيقِ أمنية زيارته، فيُنادَى في الملأ: “مَن نَوَى الحجَّ فليتهيَّأ له”. فيُغادر الركبُ الجزائرَ ما بينَ شهري ربيع الثاني وجمادى الثاني غالباً، ويمر بتونس وطرابلس الغرب وصحراء برقة الموحِشة (حرقة وغرقة ولا المرور ببرقة)، ثم يتعطّلُ بمصر إلى أواخر شوال لأجلِ مرافقة الركبِ المصري الحاملِ لكسوة الكعبة المشرفة، وأخيراً يقطع دربَ الحجاز الخطير جغرافياً وبشرياً، ويدخلُ مكة المكرمة مع مطلع شهر ذي الحجة. وبعد أداء المناسك وزيارة المدينة المنورة تبدأ مباشرةً رحلةُ العودة الشاقَّة لتشملَ جُلَّ السنة الموالية.
فضلاً عن قساوةِ الطريق وحالاتِ التِّيهِ المثبتة، لم يكن الحجاج الجزائريون يأمنون على أنفسِهم وأموالِهم طيلة الرحلة، بسببِ قبائل “الأعراب” المتربِّصة برَكبِهم في طلوعِه ونزولِه. يكفي دلالةً مِن بين مئات الحالات المتضمَّنة في كتب الرحلات مثالٌ واحدٌ ساقَه الورثلاني في “نزهة الأنظار”: في موسمِ 1179هـ/1766م هجمَ قُطَّاعُ السبُل على الركب الجزائري فقامَ الحجاج بتقسيم مَن يُطيق المدافعة على خمسةٍ: ميمَنةٍ وميسَرة وقلبٍ ومقدِّمة ومؤخِّرة! يُعقِّبُ الورثلاني: “والحربُ مِنَ الصبح إلى قربِ العصر…. نَعَمْ صلَّينا على نحوِ صلاة المسايفة بالقسمة، فرقةٌ كانت اتجاه العدو، والأخرى تصلِّي مع الإمام، فلما فرغَتْ ذهبَتْ باتجاه العدو حتى صلَّتْ الأخرى”!؟
والأمنُ في الطَّريقِ ليسَ يوجدُ***** فَكَمْ وكَمْ نفسٍ هُناكَ تُفقَدُ
حتَّى أتَى عنْ بعضِهم أنْ زالَ*****حجٌّ إذا مَا صادمَ الأهوالَ
رغم ذلك، يذكرُ الجبرتي في “عجائب الآثار” أنَّ الناس انقطعوا عن الحج ما بين 1212هـ/1798م و1233هـ/1818م، بسبب الحملة الفرنسية على مصر أولاً، ثمّ بسببِ حروبِ السعوديين مع أشراف الحجاز لاحقاً، ولم يحجّ لمواسمَ سِوى أهل بلاد المغرب الإسلامي…. صدقَ مَن قال: “مكة في الشرق ورجالها في الغرب”. حفظَ الله حُجَّاجَنا من كلِّ سوء، ويسَّرَ لكلِّ مَشوقٍ تكحيلَ العينين بمعاهدِ الحرمين الشريفين.

احمد القائمي