المغرب الكبير

تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة بتونس: بين التردد ومطب الشريعة

محمد المناعي
ـــــــــــــــ

بمناسبة إحياء الشعب التونسي لذكرى إصدار مجلة الأحوال الشخصية يوم 13 أوت عاد الجدل داخل المجتمع التونسي حول ملف الحقوق الفردية و الحريات وملف المساواة و ساهم تقرير صادر عن لجنة مكلفة من رئاسة الجمهورية وهي لجنة الحريات الفردية والمساواة في تحويل النقاش الى اختلاف بين أنصار الحرية وأنصار الشريعة ، حيث قدمت اللجنة تقريرا يتضمن اقتراحات لتطوير قوانين الأحوال الشخصية بما يتوافق مع دستور 2014 و يخلص الترسانة القانونية من كل ما من شأنه أن يضيق على الحريات الفردية والحقوق وكل ما من شأنه أن يكرس التمييز بين الجنسين .
ورغم تردد التقرير وعدم حسمه في ملفات هامة وتقديم اقتراحات تتسم بالصبغة المرحلية والتوافقية بحثا عن رضا الحركات السياسية المتسترة بالدين أو تجنبا للمواجهة معها ورغم ديباجته و منهجية عمل اللجنة المتسمة بالبحث عن مبررات دينية لمسألة حقوقية مواطنية فان التقرير في مجمله مثل خطوة أساسية وأحدث رجة وفتح نقاش واسع بين مختلف فئات المجتمع وهذا في حد ذاته مكسبا رغم الانحراف نحو التكفير و التشويه الذي طال أعضاء اللجنة ورئيستها بشرى بلحاج حميدة .
فمواضيع من قبيل الحق في الحياة لم تحسم اللجنة رأيها في المطالبة بالغاء عقوبة الاعدام نهائيا واكتفت بالحد من الجرائم المستوجبة و المطالبة بعدم تنفيذها ، كذلك العقوبات المتعلقة بالحرمة الجسدية للمواطن من قبيل الفحص الشرجي لم تحسم اللجنة أمرها في المطالبة بتحجيره والاكتفاء بتغيير القانون و اقتراح اشتراط موافقة المعني وكذلك الشأن بالنسبة للمساواة في الميراث حيث كان من المنتظر اقتراح المساواة التامة والواضحة بين الجنسين وترك الاقتراحات وامكانية التنازل في النقاش داخل البرلمان غير أن اللجنة بدأت التنازل من التقرير ذاته باقتراحات المساواة في وضعيات دون أخرى أو المساواة الاختيارية وهو تدرج لا ينسجم مع منظومة حقوق الإنسان التي لا تتجزأ ولا معنى للتنازل عن حق مهما كانت المسوغات .
سقط التقرير أيضا في مطب الشريعة من ناحيتين : الأولى فتح الباب على مصراعيه على مسالة تجريم الاعتداء على المقدسات أو ما يسمى في قوانين رجعية أخرى بازدراء الأديان حيث اقترح التقرير عقوبة لما سماه ” تحقير ديانة الغير في معتقداتها ورموزها وشعائرها ” وهو ما يفتح الباب على مصراعيه على ما سمي في تونس بالاعتداء على المقدسات وهو باب واسع يمكن ان يشمل اي نقد يوجه للمارسات دينية معينة أو أفكار ذات علاقة بالدين و يجعل من توظيف الدين أمرا شائعا في محاكمة الأعمال الابداعية والفكرية والفنية و الاعلامية بتهمة “تحقير ديانة الغير ” ..
هذه المأخذ وغيرها جعلت من التقرير مترددا في موضوع الحقوق الفردية والحريات وفي باب المساواة التامة بين الجنسين و إلغاء كل أشكال التمييز على أساس الدين و الميولات و الأفكار …
من ناحية ثانية وقع عمل اللجنة في مطب البحث عن تبرير ديني ، حيث اعتمد ما سماه ” بمقاربة اجتماعية ودينية ” منطلقا من “ثوابت الاسلام بخصوص حرية المعتقد” فانحاز من حيث يقصد أو لا يقصد الى دين دون سواه والى قراءة للدين دون سواها وبحث عن مسوغ في النص الديني لكل مقترحاته وهو مطب وجه النقاش حوله فيما بعد ومحاولة كسب شرعية دينية ما و عرض التقرير برمته على غربال الشريعة فأصبح للايمة رأي في محتواه وللزيتونة رأي و للجمعيات المتسترة بالدين رأي فتاهت النقاشات في غياهب التمذهب و الفتاوى والاجتهادات و ابتعدت عن جوهر الموضوع وهو تفكير عقلاني في تطوير المنظومة التشريعية الوضعية على ضوء المنظومة الكونية لحقوق الانسان مع احترام حرية المعتقد على اختلاف مذاهبه وتوجهاته دون تبني اي توجه واقصاء آخر .
فالتقرير لم يبحث عن النجاعة الحقوقية في الغاء التمييز واقرار الحرية واعمال الحقوق بقدر ما بحث عن التوافق واسترضاء جزء من الطبقة السياسية فكان النص الأول لمجلة الأحوال الشخصية الصادر سنة 1956 أكثر ثورية وجرأة بالنظر للظرفية الاجتماعية والثقافية للمجتمع التونسي و للتجارب المقارنة حينها من هذا التقرير الذي صدر في مناخ من الحريات وفي وضع فرض فيه الدستور الجديد ثقله في باب الحقوق والحريات ولم يترك أي تعلة للتردد في اقرار أن الوقت حان لتغيير ترسانة القوانين المنظمة للأسرة وتحريرها من ضغط الشريعة والاجتهادات ذات الصبغة الدينية التي لا تمثل سوى أصحابها ولا يمكن لها أن تكون مرجعا لمجتمع متنوع الأفكار يطمح الى دولة مدنية علمانية تضمن للجميع حقوقهم وترعى حرياتهم .