الصحافة الجديدة ثقافة

خرافة مجتمع المعرفة

مجدى يوسف
ـــــــــــــــ

ارتفعت الأصوات فى الفترة الأخيرة تهلل ل”مجتمع المعرفة” متمثلا فى شبكة النت. وقد تبدو هذه الدعوة للوهلة الأولى مبهرة، لكنها للأسف تضع الوسائل مكان الأغراض، أو بعبارة أخرى تضع العربة أمام الحصان. فالمفروض فى الإنترنت أن تتيح للجميع معارف وخدمات لم تكن متاحة من قبل بتلك السهولة. لكنها فى الوقت ذاته تسمح لجهات معينة بالتجسس على توجهات الناس وتسعى للتدخل فى حياتهم الخاصة ومراقبة أفكارهم وصورهم الذهنية حتى تضمن التلاعب بها كما حدث فى فضيحة انتخابات “ترامب” الأخيرة فى أمريكا.
صحيح أن الإمكانات التكنولوجية الحالية تتيح الكثير من التواصل الاجتماعى ، والمعلوماتى، لكن فيم يوظف ذلك فى أكثر الأحيان ؟ لإشباع احتياجات المواطنين فى مجتمع معين ، أم لغير ذلك ؟ وما الثمن الذى يدفعه المواطنون فى ظل هذه التقنية الجديدة ؟ أما أن توصف بها الحقبة الحالية من تاريخ البشرية فهذه آخر نكت هذا الزمان. لأن الأصل دائما هو علاقة الإنسان بالطبيعة الأولية فى محاولة إشباع احتياجاته عن طريق “طبيعته” الاجتماعية المفترض فيها أن ترتبط بالأولى فى سياقها الخاص. ومهما كان شأن التقنيات التى توظف من أجل ذلك فهى لا تزيد عن كونها وسائل ، وليست غايات. لذلك من العجب أن تقلب المسائل لتصبح الوسيلة غاية ، والغاية وسيلة.
وغنى عن البيان أن استخدامات التقنيات تتوقف على نوعية العلاقات الاجتماعية ومدى عقلانيتها أو صراعيتها. ففى هذه الحالة الأخيرة توظف التقنيات بما يجعل الأقلية القصوى فى المجتمع التى تستحوذ على معظم ما ينتج مستحوذة بدورها على مستوى “أعلى” من التقنيات التى تسمح لها بتحقيق هيمنتها. خذ التليفون مثلا ، هنالك شبكة عامة للشعب، وشبكة خاصة للإدارة ، الثانية يمكنها أن “تدخل” على الأولى ، وليس العكس. وكذلك النت. هنالك الشبكة التجارية التى تطلق يد الشركات لتحقق من ورائها أرباحها المهولة على حساب عامة الشعب. وهنالك الحاسبات الآلية العملاقة التى تصمم من أجل الإدارات الحكومية خاصة فى البلاد الغربية التى تستحوذ على معظم ثروات هذا العالم ، وليس ما تنتجه شعوبها وحسب. فلكل مولود فى هذا العالم “ملف” يمكن استرجاعه بنقرة واحدة. ولكن لمصلحة من ؟ وعلى حساب من ؟
التركيز على التقنيات صار اليوم مصدرا هاما لإزاحة الوعى العام من الغرض الأساسى لتحقيق الصالح العام ، إلى التعلق بالوسائل بدلا من الغايات التى تتطلب توازن الحقوق فى أى مجتمع وعدم الجور على حقوق الآخرين. فمن يعرف القراءة والكتابة مثلا يفضل على من لا يعرفها مهما كانت قدراته الإبداعية ومعرفته بما تحتاجه بيئته المحلية من خبرات ومهارات عملية. خذ الفلاح المصرى نموذجا. هل تتصور مثلا أن الخليج العربى كان يستورد الفلاحين المصريين لمجرد أنهم “أميين” ؟ أم أنه كان يستورد خبرتهم العملية فى الزراعة ، وهى التى يعجز عنها أفضل دارس نظرى لذلك العلم ؟ فمعظم الزراعة فى بلاد ما بين النهرين كانت قائمة قبل الاحتلال الأمريكى على أكتاف هؤلاء “الأميين” المصريين الذين طالما وصفناهم بالجهل والمرض، بينما كنا نعيش من فضلة خيرهم علينا، وها هم هجرونا ليعودوا إلينا ليس لفلاحة الأرض ، وإنما لتبويرها وإقامة العمارات عليها بما أتوا به من بلاد الخليج من أموال وأفكار متزمتة. لا بأس من التقنية ، سواء كانت الكتابة ، أو النت ، لكن على أن نسعى فى توظيفها لما يخدم عقلنة العلاقات بين البشر ، وليس لتكريس الهيمنة والصراع بينهم.