أحوال عربية

من يعرف معهد تخطيط سياسيات الشعب اليهودي

 

مؤسستان إسرائيليتان تحظيان باهتمام كبير: الأولى هي “المركز المتعدد التخصصات في هرتسيليا”، أما الثانية فهي “معهد تخطيط سياسات الشعب اليهودي”. الأولى تعقد مؤتمرات سنوية منذ العام 2000، أما المعهد فقد أسس بعد سنتين من المركز، ولا يعقد مؤتمرات وإنما نشاطاته تقتصر على صياغة تقارير استراتيجية تشكل، هي وتوصيات مؤتمرات هرتسيليا، أسساً مهمة لسياسات وقرارات الجهة الإسرائيلية الحاكمة (وهي إلى حد ما خفيّة)، والمعبّر عنها في “المؤسسة الأمنية العسكرية” الفارضة للسياسات والقرارات على الحكومات الإسرائيلية.

الحركة الصهيونية وتمثيلها السياسي (إسرائيل) توليان عمل هاتين المؤسسيتن أهمية كبرى. ومعهد تخطيط سياسات الشعب اليهودي يوازي مؤتمرات هرتسيليا أهميةً، وهو يتبع للوكالة اليهودية مباشرة، إن لم يفقها. وللعلم، رأس المعهد منذ إنشائه الصهيوني الأميركي ذائع الصيت، مستشار الإدارات الأميركية المتعاقبة لشؤون الشرق الأوسط، دنيس روس، ومن ثم ترك منصبه وعاد ليشارك في هيئته الرئاسية. والمعهد مع أهميته الفائقة لا يحظى بالتغطية الإعلامية كمؤتمرات هرتسيليا، ويكاد يكون مجهولاً في العالم العربي.

انفّض مؤخراً مؤتمر هرتسيليا الثاني عشر، الذي انعقد في الفترة ما بين 31 كانون الثاني الماضي و2 شباط الحالي. بالطبع دعي إليه الرئيس الإسرائيلي وكبار القادة السياسيين والعسكريين للجيش والمؤسسات الأمنية، واستراتيجيين من الشخصيات الإعلامية والثقافية والبحثية، وكتّاب وصحفيون وغيرهم.

المؤتمر الأخير كاد يكون تكراراً للمؤتمر الحادي عشر (2011) من حيث المواضيع التي بحثها، وتمثلت في الأزمة الاقتصادية العالمية وأثرها على إسرائيل؛ قيمة إسرائيل الاستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة، وهل ما تزال إسرائيل تمثل أولوية بالنسبة للمصالح الأميركية في المنطقة؛ خطر المشروع النووي الإيراني على إسرائيل؛ وكذلك تأثيرات الربيع العربي (وخاصة بعد بروز التيارات الإسلامية وإمكانية تسلمها للحكم في بلدانها) على الوجود الإسرائيلي؛ وغيرها من القضايا الإجرائية.

وبملاحظة هذه المواضيع “الدسمة” للبحث، يتبين مدى اهتمام إسرائيل بوجودها، وبمجموعة الأخطار التي تتهددها، ومدى حرصها على المراقبة الدقيقة للتغييرات في العالم العربي قاطبا، وفي المنطقة وفي العالم، على أرضية استمرار التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، والعمل على أن تظل تشكّل إسرائيل أولوية قصوى في الحفاظ على المصالح الأميركية انطلاقا من مراعاة وتلبية احتياجات المتطلبات الأمنية الاستراتيجية لإسرائيل، وهي احتياجات متحركة وفقاً للتغييرات المحيطة، بحيث تشكل هاتان النقطتان أساساً من أسس السياسات الاستراتيجية لإسرائيل، بالإضافة إلى عوامل أخرى.

المؤتمر الأخير عقد تحت شعار “إسرائيل والشرق الأوسط في عين العاصفة”. وهو يشكل شعاراً فرعياً في الهدف المركزي الأهم التي تسعى إليه إسرائيل من عقد هذه المؤتمرات، وهو “تحقيق المزيد من المناعة والأمن القومي لإسرائيل”.

وبالنظر إلى اتجاهات ما دار في المؤتمر من حوارات (حتى اللحظة لم تخرج توصيات بشكل مكتوب)، يتبين بعض استنتاجات، مثل أن إسرائيل في عامها الحالي تواجه أوضاعاً خارجية صعبة. كذلك، فإن الملفت للنظر تسجيل الكثير من المداخلات “أن هناك تراجعاً للنفوذ الأميركي في المنطقة مقابل صعود قوى إقليمية معادية لإسرائيل. وأن الأخيرة أصبحت عبئاً على الولايات المتحدة وأنها تعيش كمعزولة بالمعنى الاستراتيجي، وهناك انتقاد متزايد لها في العالم”. لقد بلورت كلمة اللواء أفيف كوفاخي الخطر الأول على إسرائيل، والمتمثل في وجود 200 ألف قذيفة صاروخية موجهة إلى إسرائيل، موجودة في إيران وسورية ولبنان.

مما سبق ذكره، يكون الاستنتاج بأن يحرص الجانب الرسمي الإسرائيلي على متابعة ما يجري في المنطقة والعالم، مع إهمال رسمي عربي كبير لما يجري في الداخل الإسرائيلي. وبالفعل، من يتابع توصيات مؤتمرات هرتسيليا وأبحاث معهد التخطيط، ويتابع طبيعة المناقشات والكلمات والمداخلات، يستطيع إلى حد ما استقراء السياسات الاستراتيجية والتكتيكية الإسرائيلية في الإجابة عن تساؤلات من نمط هل ستقوم إسرائيل بضرب المشروع النووي الإيراني؟ وفي الإجابة عن هذا التساؤل نقول، بالمعنى الاستراتيجي، لا يمكن لإسرائيل إلا أن تقوم بضرب المشروع النووي الإيراني والصواريخ التي تتهددها، فصحة الضربة العسكرية شبه محسومة، غير أن التنفيذ هو القابل للتأجيل، بانتظار الأوقات والظروف الإقليمية والدولية المواتية، وبانتظار الموافقة الأميركية على مثل هذا العمل العسكري. وتاريخ إسرائيل منذ إنشائها وحتى اللحظة يبين أنها تلاحق عسكرياً وأمنياً كل ما يتهددها من أخطار.

لقد بحثت مؤتمرات هرتسيليا السابقة مواضيع مهمة مثل الخطر الديموغرافي العربي في منطقة 1948 على إسرائيل؛ كيفية تشجيع الهجرة اليهودية إليها؛ حرب العراق؛ الحرب على لبنان العام 2006؛ حدود التسوية مع الفلسطينيين والعرب؛ حرب 2008-2009 على غزة؛ الأخطار الإقليمية والدولية التي تتهدد إسرائيل؛ وغيرها من المواضيع، أي بالمعنى الفعلي فإن أوراق كل مؤتمر تمثل خلاصة أبحاث أحداث العام المنصرم.

وفيما يتعلق بالتسوية مع الفلسطينيين يمكن استقراء أن الحدود الإسرائيلية للتسوية هي في حكم ذاتي لهم (وحتى لو جرت تسميته إمبراطورية)، منزوع السيادة وعلى كانتونات معزولة، ومخترقة إسرائيلياً من كافة المناحي. والسبب هو تلبية احتياجات الأمن الإسرائيلي. وهذا الأمر ينسحب على التسوية مع العرب.

هذه هي إسرائيل فأعرف عدوك، وهذه هي الطريقة الإسرائيلية في البحث والتقصي ومتابعة كافة أحداث العالم العربي، لما يعنيه ذلك من أهمية في الصراع بشكل عام.