أحوال عربية

"البيضة والدجاجة" في القضية السورية

 

كما هي قصة “الدجاجة والبيضة” التي حيرت البشرية وهي تحاول عبثا معرفة أيهما كان أولا، فإننا سنضيع وقتنا ونحن نحاول أن نفك اللغز المعضل الذي يحيرنا جميعا، عندما نسأل عمن يتحمل المسؤولية في القضية السورية، بعد القتل الذي أودى بحياة أكثر من 200 ألف سوري بلا أي ذنب ومن دون أي جدوى، وتهجير أكثر من 6 ملايين إنسان آخرين؛ هل هو النظام الدكتاتوري الذي لم يتحمل وجهة نظر أطفال صغار انتقدوا النظام، فكانت ردة الفعل العنيفة بالتنكيل بهم، ومن ثم إطلاق الرصاص على عائلاتهم ومن احتج لأجلهم؛ أم أن المسؤولية يتحملها الشعب الذي كان يعيش في استقرار وهناء وأمن، ويتمتع بحياة معيشية كريمة؟

فالدولة السورية بالنظر لمن حولها من الدول العربية، “حققت اكتفاء ذاتيا، ولا ينقص شعبها أي شيء في الحياة، وتتوفر له الحياة الكريمة من صحة وتعليم وغيرها من المجالات”؛ هذه وجهة النظر التي تدافع عن النظام، فلا ترى أي مبرر لخروج الناس إلى الشوارع والمطالبة بالحرية والكرامة الإنسانية، وأنه كان على الشعب أن يرضى بمعيشته. فيما وجهة النظر الأخرى تطالب بالحرية قبل الخبز، وتحقيق التعددية وتأسيس الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني لتقوم بدورها، من دون احتكار الحكم من قبل الحزب الواحد، لأنه بتلك المطالب يحقق الإنسان حريته وكرامته، ويعيش في إطار الديمقراطية، كما يفترض بأي شعب في العالم.

لن نصل، ونحن نجيب عن هذا التساؤل، إلى أي نتيجة؛ بل سنظل نتجادل بما يشبه “مهزلة” البيضة والدجاجة التي لم تفك لغزها البشرية منذ آلاف السنين وإلى يومنا هذا، خاصة أن الأطراف المتنازعة يتمسك كل منها برأيه، من دون أن يأخذ بالاعتبار احترام الطرف الآخر، أو إيجاد مسوغات منطقية لهذا اللغز الذي يأخذ تفاعلات عديدة من الشد والجذب والحيرة بمعرفة النتيجة.

فالقضية السورية دخلت فيها أطراف كثيرة، وتشعبت لتؤثر ليس على سورية فقط، وإنما على المنطقة بأكملها، بعد دخول دول في الصراع أصبحت تبحث لها عن مكان في المنطقة، مستغلة الضعف وتراجع الدور العربيين، وكذلك دخول أحزاب كثيرة لا تُعرف هويتها ولا انتماءاتها ولا حتى مرجعياتها، وكأن القضية السورية كانت المفتاح الحقيقي لشرق أوسط جديد يراد أن يكون على أرض الواقع، بعد تقسيم المنطقة ودخول دول إقليمية في الصراع الدائر بحثاً عن مكان، هذا عدا عن الحقد والثأر من التاريخ الذي أبعدها عن المنطقة.

هذا الواقع، وما جره من دمار وخراب وتهجير للسوريين الذين يواجهون كل أصناف القتل والتعذيب والتشريد واللجوء إلى معظم دول الجوار ودول العالم، جعل الناس تتحسر على سورية والدور الذي كانت تقوم به على المستوى الإقليمي، وتلوم في الوقت نفسه القيادة السورية التي ظلت متمسكة بسياساتها الحديدية، تمارس الضغط على شعبها من دون إعطائه أي مجال للحرية؛ كما أنها لم تسع إلى حل الأزمة، وكأن الحرية لا تليق بالشعب السوري أو الشعوب العربية الأخرى، فلا يحق لهذه الشعوب إدراجها ضمن مطالبها الشرعية، أو التمتع بها ككثير من شعوب العالم، أو يمكن أن ترسخها الأنظمة في تقاليد الحياة اليومية لمواطنيها. في المقابل، يثبت ما حصل أنه يحق للأنظمة الحاكمة أن تظل في حالة تأهب؛ تسل سيوفها على رقاب الشعب البسيط الأعزل، إذا ما اضطرت لذلك.

لن نصل إلى نتيجة ونحن نسأل أيهما خلق أولا؛ الدجاجة أم البيضة، تماماً كما يصبح الجدل عقيماً بشأن تحديد المسؤول عما يجري في سورية، أمام مشهد الدمار وقتل الأطفال والشيوخ والشباب، والذي أصبح جزءا من الحياة اليومية.

لم تفهم تلك القيادات البالية أن الديمقراطية هي الطريق الوحيدة لتحقيق العدالة بين فئات الناس، ولم تفهم بعد سفك كل هذه الدماء أن الديمقراطية لو أصبحت تقليدا متبعا في الحياة العامة، لكانت مدخلا لأنظمة حكم تستمد قوّتها من الشعب