رأي

وكلاء صهيون

 

أقرت الهيئة العامة للكنيست، الأسبوع الماضي، وبالقراءة التمهيدية (من حيث المبدأ)، مشروع قانون قمعي استبدادي جديد، يستهدف فلسطينيي 48. وهو يقضي، في صيغته الأولية، بفرض السجن لخمس سنوات على كل من يتصدى لحملات تشجيع “التطوع” في جيش الاحتلال. 

وهذا نوع من القوانين والأنظمة التي تُزج في كتاب القوانين الإسرائيلي في السنوات الأخيرة، يهدف إلى تضييق الخناق على فلسطينيي 48 وترهيبهم، وبالأساس تقليص حيز حراكهم السياسي. وما يزيد هذه القضية خطورة، هو وجود “عرب” يتطوعون للتجاوب مع هذه السياسة العنصرية، ويدعون مجتمعهم إلى “الحذر” وعدم استفزاز المؤسسة الصهيونية الحاكمة. وهذا من مشاريع الصهينة التي تستوجب التصدي لها، حفاظا على الهوية والانتماء.

ففي السنوات الأخيرة، كثرت القوانين التي تستهدف تقليص مجال الخطاب السياسي “المسموح به” لفلسطينيي 48، من مثل أن الحديث عن دعم وتأييد المقاومة الفلسطينية، يُعدّ في قاموس المؤسسة الصهيونية “دعما للإرهاب”. ومن لا يعترف بما يسمى “يهودية إسرائيل”، لا يعترف بوجود إسرائيل على الأرض، وما يتبع هذا من “عقوبات”. وبموازاة هذا، تسارع وزارة التعليم إلى صهينة منهاج التعليم المدرسي، بأكثر مما كان، وبمفاهيم يهودية دينية، تُفرض على المواطنين العرب.

وحقا أن هذا موضوع طُرح هنا مرارا، لكن في كل مرّة نُظهر مدى استفحال هذه السياسة، والذروة الجديدة التي وصلت إليها. حتى وصل الأمر بالكاتبة الإسرائيلية نيري ليفني، إلى القول في سياق مقال لها عن ملاحقة رافضة يهودية للخدمة العسكرية في جيش الاحتلال: “إن إسرائيل تتقدم بثبات لتتحول إلى الدولة الأكثر لاديمقراطية، والأكثر عنصرية ودينية في العالم الغربي، الذي تصر على زج نفسها فيه”.

وبالنسبة لفلسطينيي 48، فهذه معركة لم تبدأ اليوم، بل هي قائمة منذ النكبة، لكنها تتصاعد. ومن جهة أخرى، فإن مجتمع فلسطينيي 48 يشهد من جديد ظهور تيار يشد نحو الخنوع، والتأقلم مع سياسات المؤسسة الصهيونية، كي “نحمي أنفسنا”، من مشاريع أخطر. ومثل هذا التيار كان في سنين غابرة، يظهر جهارا ضمن الأحزاب الصهيونية، أو قوائم انتخابية مرتبطة بالأحزاب الصهيونية، وقد تلاشى مع السنين، حتى وصلنا إلى وضعية أن يصوّت قرابة 84 % من فلسطينيي 48 للقائمة المشتركة في الانتخابات الأخيرة. وفي حسابات أخرى، لا حاجة لتفصيلها، فإن النسبة تفوق 92 %. وهذا بمثابة “ناقوس خطر” للصهيونية وأقطابها الحاليين، وبضمنهم الحكومة ورئيسها المنفلت بعنصريته بنيامين نتنياهو. 

ومقابل الهجوم المتشعب على فلسطينيي 48 بهدف الترهيب، يظهر التيار السابق ذكره هنا، من جديد، وبحلة “جديدة”، ليُكمل المخطط الصهيوني؛ يحمل رسائل سياسية خطيرة، تهدف أولا الى سلخ فلسطينيي 48 عن قضيتهم الأساس: الدولة واللاجئين. “ما لنا والقضية الفلسطينية، علينا أن نهتم بشؤوننا اليومية”، و”أعضاء الكنيست العرب لا يهتمون بالقضايا اليومية” لفلسطينيي 48، و”علينا أن لا نهتم بالتطورات الجارية في المنطقة”، و”علينا مراعاة كوننا أقلية وعدم استفزاز الحكومة التي تمثل الأغلبية”. 

كما أن أسماء بارزة في هذا التيار تدعو إلى الانخراط في ما يسمى “الخدمة المدنية”، الموازية للخدمة العسكرية في جيش الاحتلال، وكلتاهما تحت إشراف وزارة الحرب. وأكثر من هذا، فإن هذا التيار يروّج للمفاهيم الصهيونية التي تزعم أن “التمييز ضد العرب ناجم عن خلل مؤسساتي” وليس عنصرية صهيونية، وأن هناك “فئات إسرائيلية أخرى” تواجه أنواعا من التمييز، حسب ادعائهم. ومن أسماء هذا التيار، من تظهر على شكل “كُتّاب رأي” و”إعلاميين”، في صلب خطابهم السياسي بث أجواء التيئيس من النضال والكفاح السياسي، وبشكل خاص بث أجواء كراهية للأحزاب والشخصيات البارزة فيها.

وهذا التيار مدعوم بشكل واضح من الجهاز الإعلامي الرسمي و”غير الرسمي”، وأحيانا يكون ناطقا بالعربية. أضف إلى هذا، ظهور “جمعيات” مدعومة بشكل واضح من الحركة الصهيونية، من خلال أثرياء صهاينة وأطر صهيونية ومتصهينة منتشرة في العالم، تحاول بث هذه المفاهيم وغرسها في مجموعات شبابية، تقع فريسة لإغراءات متعددة، وخاصة المالية منها.

المنخرطون في هذا التيار، جعلوا من أنفسهم وكلاء السياسة الإسرائيلية الصهيونية بحلتها “الجديدة”. وتكمن الخطورة في أنهم يستغلون الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية البائسة في مجتمع فلسطينيي 48، لترويج بضاعتهم.