رأي

الإعلام عدوك والخبر كاذب حتى يثبت العكس

  lيجب أن أقول أولا، اننا كعراقيين نعيش في هذه اللحظة هجمة رهيبة “متجحفلة” من السياسة والإعلام والإرهاب، ربما لم نر مثلها في حياتنا من قبل. أعداء الشعب العراقي (والعربي) يتجرأون اليوم، وأمام شعوبهم، على إعلان بطل العرب الأول بدون منازع، وتنظيمه الذي له شرف كونه الجهة الوحيدة التي حررت بلادها من احتلال إسرائيلي، “إرهابيا”. كذلك يتحدث الحكام السعوديون عن “النظرة السعودية – الإسرائيلية للأحداث”، ويتجرأ ملك البحرين حمد بن عيسى إلى الحديث عن قدرة إسرائيل على الدفاع عن “أصوات الاعتدال والدول العربية المعتدلة في المنطقة”.(1)
إنها بشكل عام حالة شديدة الخطر تهدد وجود الوطن وتضع بصمتها الواضحة على حالة الإنسان العربي بشكل عام والعراقي بشكل خاص. ولا تتخلف فرق إسرائيل الإرهابية داعش، فتزعزع ما يتبقى من التوازن النفسي للمواطن السوري والعراقي والعربي بشكل عام، وتتوالى الانفجارات في كل مكان.
ويأتي هذا كله في العراق في ظرف تجري فيه تحركات سياسية عنيفة تبدو مرتبة لتزعزع بقية ما يمسك به الغريق من مؤسسات القانون. وتبدو هذه التحركات غير مفهومة وغير مسيطر عليها ويستحيل توقع اتجاهها.
ويلعب الإعلام دورا تخريبيا إضافيا في تشويش الجو بتحليلات غالباً ما تستند إلى نقطة خطأ في مكان ما لتزيد من تشوش المشهد، وبسيل من الأخبار غير الموثقة والتي تبدو قادرة على الكذب دون خشية العقاب، وفي كل الاتجاهات.
وهكذا تتوالى الأحداث والأخبار والتصريحات بشكل يتعذر الرد عليها أو هضمها من قبل مثقفي الشعب، فيعجزون عن أداء واجبهم في إعطاء رؤية تساعد الشعب على رؤية طريقه، ولو بالخطوط العريضة. فهذه الهجمة منسقة بشكل متوال وسريع، كقصف مكثف على الرأس والإرادة العراقية المثقفة، لتتركها في حيرة وضياع والشارع في قلق شديد رغم مظاهر الغضب ومحاولة تنظيمها في تظاهرات واحتجاجات.
تعالوا ننظر إلى بعض الأخبار:
وكالة ســكاي برس تنشر خبرا بعنوان: “المالكي يهدد العبادي باستخدام “نفوذه” بالجيش والحشد لإيقاف مهزلة التظاهرات”(2)
وتدعي سكاي برس أن الخبر منقول عن “قيادي في حزب الدعوة طلب عدم ذكر اسمه”! ولا ندري كيف يمكن أن “يهدد” شخص ما أحداً دون ان يعلن ذلك بنفسه، وان لا يجد من يعلن له “التهديد” سوى شخص يرفض ذكر اسمه! دعونا نترك المجاملات و”أصول الكتابة” ونقول: ببساطة سكاي برس تكذب ولا أساس للخبر، وببساطة سكاي برس تساهم في عملية تشويش الوعي الشعبي بما يجري، وببساطة سكاي برس جزء من المنظومة الإعلامية الأمريكية الإسرائيلية، التي تساند داعش لتحطيم البلاد والشعب!
مثال آخر من موقع “إرم نيوز” الذي ينشر لنا خبرا بعنوان “الصدر يعلن انسحابه من التحالف الشيعي” (3)
ونقرأ في الخبر بوضوح: “أعلن زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر، اليوم الاثنين، عن انسحابه من التحالف الوطني الشيعي احتجاجاً على تمسك الأخير بالمحاصصة الحزبية في تشكيل الحكومة التي يسعى رئيس الوزراء إلى تشكيلها وفق المهنية والاختصاص.”
وحين ابحث في النت، لا أجد مصدر الخبر بذات العنوان غير هذا الـ “إرم نيوز”، وليتبين أن الخبر كاذب تماما، وان إرم نيوز ليست سوى احد أعضاء داعش الإعلامية المكلفة بالتشويش على العقل العراقي.
وبالفعل قام الجعفري بنفي الخبر، وجاء في عنوان النفي: “الجعفري ينفي انسحاب الصدر من اجتماع الامس ويؤكد ان السياسة “لا تقبل الفراغ”…”(7)
ويبدأ مضمون الخبر هكذا: “نفى رئيس التحالف الوطني ووزير الخارجية ابراهيم الجعفري…” الخ.
لكن الموضوع لا ينتهي هنا…
فيبدو أن خبراء داعش الإعلام قد قرروا الاستفادة حتى من خبر النفي، لتأكيد الكذبة التي تم نفيها، ونشرها من جديد وبأوسع نطاق.
ولأجل أن لا يتحملوا مسؤولية نشر خبر كاذب فإنهم يلجأون إلى “حيلة العنوان”! وهذه من الحيل الإعلامية المهمة التي تقول بأن الكثير من القراء لا يقرأون إلا العناوين! كذلك فأن الكثير ممن يقرأ المحتوى، لا يقارنه بعنوان الخبر، ولا يلاحظ التناقضات او الاختلافات بين الاثنين. كذلك فإن ما في العنوان يبقى في الذاكرة لمدة أطول مما يبقى المحتوى. وفي العادة لا يجعلون التناقض صارخا بين العنوان والمحتوى (وإن كان ذلك يحدث أحيانا) وإنما أن “يوحي” العنوان بالخطأ، دون أن يكون صريحا في كذبه لتجنب المسؤولية.
لننظر كيف تم تطبيق هذه القواعد في المؤسسة الإعلامية المشبوهة لدينا..
نشر خبر النفي في الإعلام المسمى “عراقي”، ولكن بهذه الأشكال التي توحي بالعكس. فنقرأ على “شفق نيوز” عنوانا يقول: “الجعفري يتحدث عن انسحاب الصدر من اجتماع كربلاء ويقول الشارع تأخر في الحراك” (4)
ونقرأ في الخبر: “نفى رئيس التحالف الوطنيّ العراقيّ ووزير الخارجيّة العراقيّة إبراهيم الجعفريّ يوم الاثنين أن يكون زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر قد انسحب من اجتماع قادة التحالف الذي عقد يوم أمس في محافظة كربلاء”!
عندما نكتب أن الجعفري “يتحدث” عن انسحاب الصدر في الخبر، فإننا نوحي للقارئ بأن الانسحاب قد تم بالفعل وأننا نتحدث عن تفاصيله، ولا يمكن أن نسمي “نفي” الحدث، بأنه “حديث عنه” ببساطة!
شفق نيوز تكذب علينا إذن، وبلا مجاملة أيضاً هي في خندق أعداء الشعب العراقي، ومن يقوم بإدارتها ومتابعتها مأجورون يدفع لهم لتدمير الشعب العراقي، تماما مثل داعش. فمن يسهم في تشويش الصورة على الشعب في هذه اللحظة، وبهذه الطريقة الواضحة القصد والتعمد، هو في خندق أعدائها بدون أي شك!
وننظر إلى موقع “وردنا”، فنجد تحت عنوان “هذا ما قاله الجعفري حول انسحاب الصدر من اجتماع كربلاء” نصاً يقول: “نفى رئيس التحالف الوطني إبراهيم الجعفري…” الخ! موقع “وردنا” أيضا في خندق أعداء الشعب، رغم أنه اقل افتضاحاً فيما قال من “شفق نيوز”، فعنوانه لا يوحي بالحقيقة ايضا.(5)
يمكننا من كل هذه الأخبار أن نستنتج بوضوح وسهولة بأن الصدر لم ينسحب غاضبا لا من الاجتماع ولا من “التحالف الشيعي”، ولو انه فعل، لكان لدى هذه الأفاعي الإعلامية السامة شيء أفضل يدعم عناوينها المزيفة المدفوعة الثمن. إننا طبعا لا نتحدث هنا، لا عن الصدر ولا عن “التحالف الشيعي” دفاعا عنهما كما لم نكن ندافع عن المالكي بذكرنا المثل الأول، ولا يهمنا ذلك، إنما نتحدث عن التشويش الرهيب المتعمد الذي تمارسه وسائل الإعلام على اذهاننا وأذهان كل الشعب، وما هذه إلا امثلة بسيطة جدا من ذلك التشويش.
لكننا لم ننته من مثالنا بعد..
فنجد عنوان نفس الخبر عند وكالة ســكاي برس يقول: “بالتفاصيل.. الجعفري يوضح ملابسات انسحاب الصدر من اجتماع كربلاء وهذه القصة الكاملة”!
وحين نسارع لقراءة “القصة الكاملة” نجد نفس النص الذي يبدأ بـ “نفى رئيس التحالف الوطنيّ العراقيّ إبراهيم الجعفري، الاثنين، انسحاب زعيم التيار الصدري … ” الخ!! سكاي برس إذن ثعبان آخر من ثعابين اميركا الإعلامية المكلفة بتمزيق الشعب، وتعمل بصلافة تفوق بقية الأفاعي!
أما “الغد برس” فتتجرأ وتدعي أن لديها “فيديو” عن انسحاب الصدر الغاضب، فتكتب تحت عنوان “بالفيديو .. انسحاب الصدر من اجتماع كربلاء “غاضبا””(6)
وحين نشاهد الفيدو، لا نرى الغضب ولا الانسحاب ولا حتى الصدر نفسه! إننا نرى سيارات تسير وبعض الهتافات التي تصاحب الصدر عادة، وقد تكون حقيقية، لكنها لا تشير إطلاقا بأن الصدر كان غاضبا، ومن الكذب الادعاء في العنوان بأن الفيديو يبين أن الصدر خرج غاضبا. “الغد برس” كانت تأمل ان يكتفي القارئ بالعنوان ويصدقها على الثقة، أو ان يرى الفيديو بعين غير ناقده، فيتكفل العنوان بالإيحاء له بما يعنيه. “الغد برس” عقرب إعلامي آخر مدفوع الثمن لتحطيم أذهاننا إذن. .
كما رأينا فأن هذا الخبر الذي أطلقه كما يبدو موقع “إرم نيوز” المشبوه ككذبة صريحة في العنوان والمحتوى، تناقلته بقية العقارب والأفاعي دون ان تجرؤ على الكذب المباشر فأجرت تغييرات هنا وهناك ليكون الكذب بالإيحاء بدلا من الشكل المباشر، وكأن وسائل اعلامنا تعمل كفرقة سمفونية تنسق انغامها لتحطيم وعي واعصاب الإنسان العراقي!
ومن الطبيعي أن هذا الخبر ليس إلا مثالا واحدا من امثلة لا حصر لها. فيقدم موقع “إرم نيوز” باقة من تلك الأكاذيب مثل “الصدر يوجه أتباعه باقتحام المنطقة الخضراء ببغداد”!! (8) وطبيعي أن مثل هذا الأمر لا أساس له، ويمكن زيارة صفحة الصدر للتأكد.  فـ “إرم نيوز” أحد تلك الثعابين التي ترسل سمها في فضاء العراق!
كل هذه الأخبار وغيرها، موجه لنفس الغرض: تشويش المشهد على العقل العراقي واعطاءه إحساس بالضياع وعدم الثقة، وتحطيم إرادته، كأنه سجين في أحد سجون التعذيب تماما! وفي مثل هذا الجو وتحت هذا القصف على جميع الجبهات، السياسية والإرهابية والإعلامية والنفسية، يصعب الرد ويسهل الكذب، ولذلك نرى ليس القارئ وحده، وإنما الكاتب المتابع أيضا في ضياع تام. فتجد المزيد من المثقفين يكتبون في صف أعداء الشعب، ويتحولون إلى جزء من المشكلة بدلا من أن يكونوا نواة الحل، دون ان يشعروا.
هذا الجو المسموم والقلق يدفع بالمزيد من الناس إلى الاستسلام للطائفية التي تتكشف من خلال تزايد عدد السنة الذين يهاجمون حسن نصر الله مثلا، أو الحشد الشعبي وتزايد بالمقابل الشيعة من دعاة التقسيم وتركيز كل الحجج والحقائق المجمعة على القاء اللوم على المقابل وتبرئة الطائفة الخاصة بهم، والغمز واللمز، الذي صار يشمل مثقفين لم يكونوا هكذا قبلا، والادعاء بأن “كل السنة حواضن لداعش” أو “وهابية” أو أنها الحقيقة التي يخفونها وأنهم تربوا على كره آل البيت الخ، مدعمة بـ “حقائق” منتقاة بشكل ممتاز وافلام وصور تدعم هذا الاتجاه.
الشيء الآخر الذي لفت انتباهي، إضافة إلى زحمة المواضيع التي تقصفنا بكثافة نعجز عن الرد عليها، هو الاختفاء التام لأي ذكر للدور الأمريكي فيما يحدث! وفي الوقت الذي يكاد يكون الاقتناع إجماعيا في العراق بأن أميركا تدير كل هذا الهجوم الإرهابي بمختلف وسائله، فإنك لا تجد لها ذكرا في المقالات هذه الأيام ولا تجد في الأخبار سوى تلك التي تقلب الحقيقة على رأسها، فيطالعك خبر يقول: “مسؤول امريكي يؤكد ان بلاده تدعم وحدة العراق”!
أنا اقرأ هذا الاختفاء “المفاجئ” لأميركا من الأخبار، كمؤشر على انها هي من يدير هذا الهجوم، كما ادارت كل الدمار في العراق والمنطقة بل وفي العالم خاصة في نصف القرن الأخير.
كل هذا يؤكد أننا نغرق حتى أنفنا بالكذب والتزوير السام، وأن صورة العالم لدينا مشوشة ومشوهة تماما وبعيدة عن الواقع وأنه لا سبيل إطلاقا لتصديق وسائل الإعلام التي تركها الأمريكان وصرفوا عليها وعلى العاملين فيها مليارات الدولارات. كل هذه الأخبار والأكاذيب، موجهة لغرض واحد: تشويش المشهد على العقل العراقي لغرضين: الأول تحضير الشعب العراقي للنهب الدولي المنتظم والنهائي لثروته النفطية، والثاني إرضاء إسرائيل بتحطيم دولة عربية أخرى كانت دائما على أعلى قائمة امنياتها، وتحويلها إلى مراكز تفريخ للعصابات التي تستخدمها إسرائيل في صنع فرق دواعشها، التي توجهها لضرب أعدائها ممن مازالوا يرفضون الاستسلام!
هل من “إيجابيات” لهذه الحالة؟ طرحنا ذلك في بداية المقالة. ورغم ان السؤال يبدو عجيبا، فهناك بالفعل إيجابيات لها، واهمها أن تلك الحرب تعني أن الضحايا مازالت تصارع، وأن الكثير من اهداف الثعابين لم يتحقق بعد لذلك يشتد سمها! فمازالت عقود النفط عقود خدمة رغم المؤامرات، ومازال العراق يقاوم التقسيم ومازال دعاته يترددون في كشف أنفسهم ومازال قانون النفط لم يقر، ومازال الحرس الوطني لم ير النور والنفط لم يخصخص. هذه الحرب كشفت أعداء الشعب واصدقائه ووضعت الحدود الفاصلة بين هؤلاء وأؤلئك بوضوح وصراحة وجعلت كل يرى أين هو خندقه.
كذلك فأن لشدة الكذب الإعلامي فائدة جعلنا شديدي الشك والحذر والرغبة في المراجعة والتفكير، فنرفع مستوى صراعنا الفكري. دعونا إذن لا ننشر الأخبار بلا تمحيص، خاصة تلك التي تسرنا وتنعش مشاعر التفوق والطائفية عندنا، أو اية اخبار لا نتأكد منها ولو بالحد الأدنى. يجب ان ندرك حقيقة مرة، هي أن إعلامنا عدونا وفي خندق داعش وأميركا وإسرائيل، وهو يخوض ضدنا حربا شرسة على عقولنا، فلنتذكر ذلك وليكن شعارنا: “الخبر كاذب حتى يثبت العكس”!