رأي

ألاعيب رؤساء ــــ طارق المهدوي

في شهر ديسمبر سنة 1969 قرر رئيس الجمهورية المصري جمال عبد الناصر تعيين أنور السادات زميله بتنظيم الضباط الأحرار الذي هو امتداد لجمعية الحرس الحديدي النازية كنائب لرئيس الجمهورية، وفي شهر إبريل سنة 1970 قرر الرئيس جمال عبدالناصر تعيين محمد حسنين هيكل رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير جريدة الأهرام الرسمية وأمين الإعلام في حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الحاكم والوحيد كوزير للإعلام، وفي سبتمبر سنة 1970 مات جمال عبدالناصر عن عمر اثنين وخمسين عاماً وعجز طاقم علاجه الذي ضم الأطباء محمود صلاح الدين والصاوي حبيب ومنصور فايز وزكي الرملي وعلي البدري عن تحديد سبب موته فرجحوا أنه تصلب بالشريان التاجي، وحسبما كشفت السيدة تحية كاظم زوجة عبدالناصر فقد كان السادات وهيكل وحدهما هما اللذان حضرا لحظاته الأخيرة على فراش موته داخل غرفة نومه مجتمعين حيناً ومنفصلين أحياناً، لذلك فإن حديث هيكل آنذاك عن فنجان قهوة مسموم أعده وقدمه السادات بيديه لعبدالناصر في اليوم السابق لموته خلال اجتماعه خارج منزله مع ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، وحديثه آنذاك عن وجود تكنولوجيا متقدمة لدى الدول الغربية تقوم بتحليل الجثث أو أي أجزاء منها لمعرفة أسباب الموت الحقيقية لم يكونا بالنسبة للسادات مجرد ثرثرة بل تهديداً حقيقياً، فأطاح السادات بكل رجال عبدالناصر من كافة مناصبهم واعتقلهم في شهر مايو 1971 مع استثناء هيكل الذي استمر السادات يستعين به على ذات نهج عبدالناصر، حتى شهر فبراير سنة 1974 عندما قرر السادات بشكل مباغت إقالة هيكل من كافة مناصبه وتعيينه مستشاراً إعلامياً له فاعتذر هيكل عن قبول المنصب الجديد واعتزل العمل التنفيذي متفرغاً للكتابة، فما الذي فعله السادات بين سبتمبر 1970 وفبراير 1974 وأكسبه تلك الجرأة للتخلص من هيكل الذي لم يكن في مقدوره تصفيته جسدياً بسبب علاقاته القوية مع دوائر صنع القرار في الدول الغربية التي كان السادات آنذاك يحاول التودد لها، الإجابة لدينا وداخل الملفات السرية للغاية هي أن السادات استخدم محمد الليثي ناصف قائد سلاح الحرس الجمهوري الذي سبق له الاستعانة به في اعتقال كل رجال عبدالناصر في التخلص من جثة عبدالناصر لإخفاء دليل إدانته، فدبر الليثي ناصف عملية كسر إحدى مواسير صرف المجاري كي تصب مياهها العفنة داخل مقبرة عبدالناصر بالمسجد الذي يحمل اسمه والمجاور لوزارة الدفاع في حي كوبري القبة القاهري، حتى أصبحت رائحة المقبرة العفنة محل استياء البعض وتندر البعض الآخر داخل مصر وخارجها، فقاد الليثي ناصف عملية فتح المقبرة وشفط مياه المجاري بالمواتير المخصصة لذلك وتفريغها بالشبكة العامة للصرف الصحي في القاهرة، على أن ينقل جثمان عبدالناصر فور اكتمال الشفط إلى مكان آمن مؤقت لحين تصليح الكسر وتجفيف المقبرة فيعيده داخلها، لكن الليثي ناصف أعلن آنذاك اختفاء الجثمان فيما تم تفسيره بأحد احتمالين أو كليهما معاً وهما أن تكون مياه المجاري قد سحبته معها إلى الشبكة العامة للصرف الصحي بالقاهرة أو أن تكون مواتير الشفط قد شفطته مع مياه المجاري التي شفطتها وفرغتها في الشبكة العامة للصرف الصحي بالقاهرة، ليقرر السادات إعادة إغلاق المقبرة بدون جثمان وبدون إعلان للرأي العام مع إغلاق ملف اختفاء الجثمان باعتباره سري للغاية ويتنفس الصعداء عقب القضاء على دليل إدانته بمعرفة مرؤوسه الليثي ناصف الذي أصبح يجب التخلص منه، وهكذا قام السادات بترقية ناصف إلى رتبة فريق وتعيينه كبير ياوران رئاسة الجمهورية على درجة وزير في شهر نوفمبر سنة 1972 ثم سفير مصر باليونان في شهر أغسطس سنة 1973، فغادر ناصف القاهرة متوجهاً إلى العاصمة اليونانية أثينا كي يستلم عمله مروراً بالعاصمة البريطانية لندن التي قرر البقاء فيها عدة أيام لإجراء فحوصات طبية، حيث تمت استضافته مجاناً داخل بيت “آمن” تابع للأجهزة الأمنية المصرية يقع بالطابق الحادي عشر لبرج ستيوارت في منطقة مايدا فالي اللندنية، إلا أنه بمجرد وصوله إلى هناك تم قتله عبر إلقائه من شرفة البيت “الآمن” ثم جرى تقييد الجريمة ضد مجهول رغم وضوح الاتهامات التي وجهتها زوجته آنذاك وابنتاه لاحقاً إلى السادات بقتله، وهكذا استطاع السادات بمجرد إغلاق الملف الجنائي البريطاني لمقتل ناصف عقب مرور خمسة شهور على ارتكاب جريمة قتله أن يتخلص فوراً من تهديد هيكل، وهو مطمأن إلى أن هيكل كمحترف معلوماتي سوف يضطر إلى الصمت لأنه لن يجد أية أدلة أو شواهد أو بينات على واقعة فنجان القهوة المسمومة الذي أعده وقدمه السادات إلى عبدالناصر!!.
طارق المهدوي