رأي

الدولار

 

 

اغتيال الجنيه المصري هي عملية إرهابية بامتياز، بل هي أقوى وأهم عملية إرهابية قامت في مصر منذ 2013، هي أقوى من عملية اغتيال النائب العام، أقولها صراحة ودون مبالغة، ويجب على جهات التحقيق، متابعة الجريمة، وتتبع كن من كان له علاقة بالجنيه المصري، ويجب إحاطة مسرح الجريمة، وقيام أجهزة البحث الجنائي باقتفاء الآثار، لمعرفة الجاني.

مصر تستورد، عجز ميزان المدفوعات في أعلى حالاته على الإطلاق، هذا كلام الاقتصاديين، وصل إلى 50 مليار دولار، نحن نستورد الأجهزة بالكامل، حتى المصنعة في مصر، فمعظمها مجرد تقفيل داخلي، ولكن عناصرها في أغلبها الأعم مستوردة، أكثر من 60% من الغذاء مستورد.

لا أعرف ما هذا البرود في التعامل مع تلك القضية، أمس سعر الدولار وصل إلى 9.75 قرش، في تطور غير مسبوق. تصريحات طارق عامر أقل ما توصف به أنها كارثية، فقد قال بشكل واضح، البنك المركزي لا يفصح عن خططه، وقال إنه عاتب المجموعة الاقتصادية عندما تم تسريب سعر 8.25 كسعر للدولار، في ميزانية مصر للعام 2016/2017، التي من المفروض أن تعرض على البرلمان قبل نهاية هذا الشهر طبقًا للدستور، إن كان هناك أهمية حتى الآن لاحترام هذا الدستور.

وهذا السعر يترتب عليه خطط الحكومة، لأننا نستورد الغذاء الذي سيوزع على التموين، ونستورد الحديد الذي ستبنى به المساكن والمدارس والمستشفيات التي ستبنيها الدولة، فكيف تكون تلك أسرارًا، لا يعرفها وزير المالية، ويعرفها فقط رجال البنك المركزي الأشاوس.

ونحن نعرف جميعًا أن تلك المعلومات، تساوي المليارات، على أي أساس سيحتفظ المواطن أو المستثمر بمدخراته، هل على شكل سبائك ذهبية أم عملات خارجية أم العملة المحلية الجنيه المصري، وهو فكرة العلاقة بين التضخم، وسعر الفائدة للجنيه وهي 12.5% للجنيه المصري، و4% للدولار، فكيف تكون تلك معلومات سرية، ومَن مِن المستثمرين لديه الاستعداد ليدخل مصر بمليار دولار، ليحوله إلى ثمانية مليارات مصرية، ويفاجأ بعد عام أن تلك الأموال أصبحت قيمتها الفعلية نصف مليار، مهما كانت أرباحه، فقد خسر خسارة فادحة، في فروق عملة، وهذا ما يجعل حركة الاستثمار شبه متوقفة، ومن يأتي يعتمد على أن يأخذ أمواله من البنوك المصرية (من دقنه وافتله) وهذا يعني أنه لا يأتي بعملات صعبة من بلاده، تحرك اقتصادنا للأمام، بل على العكس، فهو يحول أرباحه أولًا بأول، من أموال بنوكنا إلى الخارج، بما يضيف عبئًا جديدًا على ميزان مدفوعاتنا، عندما يكون الفرق بين السعر الحقيقي والسعر البنكي 2 جنيه، بما يصل إلى 25%، فنحن أمام عملية تهريج كبيرة.

الطبقة المتوسطة تنهار بمعنى الكلمة، عندما يتم تثبيت مرتبات الموظفين، ويفاجؤون بتضخم كبير ومفجع بهذا الشكل، بما يؤثر بشكل واضح على قواهم الشرائية ومستوى معيشتهم، وتتبع ذلك حالة تقلص في الأسواق بشكل كبير، تنهار على أثرها تجارات تجزئة تتبعها تجارات للجملة، يتبعها إغلاق مصانع، تتبعها زيادة في صفوف البطالة، يتبعها تلقائيًّا ارتفاع في معدلات الجريمة، وما زالت الحكومة تخرج كالبلهاء تبتسم أمام الشاشات كأن شيئًا لم يحدث.

الضباب لم يعد كافيًا، فإثارة الضباب التي كانت كافية لإشغال الرأي العام، مثل قضية اعتزال شيرين وما الأسباب، أو ميريهان حسن، من اعتدى على الآخر، هل اعتدت الشرطة أم اعتدت ميريهان، حتى قضية عكاشة والسفير والجزمة والفصل، وخناقات مرتضى وعمرو، كل هذا الضباب في أيام قليلة، ربما غطى بشكل كبير على زيارات الرئيس لآسيا، ربما تراجعت السخرية على مواقع السوشيال ميديا من خطاب الرئيس الأخير، كل هذا لم يمنع الحديث عن العملة، فهو حديث دائم ومستمر، لأنه يواجه حياة الناس اليومية من حيث الشراء والبيع، ومن لديهم مدخرات، يحاولون الوصول إلى معلومات من قبل العالمين ببواطن الأمور، ومن عدم المفصحين من رجال البنك المركزي، في أي مربع يضعون مدخراتهم سواء كانت كبيرة أو صغيرة، فهي شقاء عمرهم، والمعين لهم في المستقبل، من مكائد الزمان، ومناورات الدهر. في ظل دولة لا توفر حدود الأمان الدنيا لمواطنيها على الأقل على المستوى الصحي، وتجعله يواجه تقلبات الدهر وحيدًا، وهذا ما يسرب اليأس إلى نفوس الكثيرين، وتظل الحكومة مبتسمة، تلك الابتسامة السمجة، التي تثير المواطنين أكثر من تصدير الراحة إلى نفوسهم.

وزير المالية الأسبق أحمد جلال، وهو خبير دولي في الاقتصاد، كان وزيرًا في حكومة الببلاوي، وقال هناك مثلث مهم في السياسة المالية، وهو سعر الفائدة للجنيه، وإجراءات لتقليص الاستيراد وتحفظ في التحويلات الدولارية، وتشجيع الاستثمار بحوافز، وقال: لا يمكن أن يتم من الناحية العلمية، التحكم في الثلاثة دفعة واحدة، هذا ما قاله أحمد جلال مع إبراهيم عيسى في برنامجه على “القاهرة والناس”، وسأله إبراهيم عيسى وإن حاول أحدهم أن يفعل ذلك، فما النتيجة، قال أحمد جلال بلا تردد -الفشل- وقال لأنه سيكون هناك تعارض بين سياسة انكماش اقتصادي، وسياسة انفتاح مرجوة، وهذا ما نراه الآن -الفشل- حد يقولنا ليه مشيتوا هشام رامز عشان الدولار ارتفع جنيه على مدار عام، طيب جبنا طارق عامر، الدولار ارتفع جنيهين في شهرين.

طارق عامر بشكل واضح، قال إن زوجته أعربت له عن قلقها، وكذلك زوج أخته، فهل شخص غير قادر على طمأنة أسرته القريبة، هل هو قادر على طمأنة المستثمرين أو طمأنة المواطنين؟!

المعاناة تتسرب إلى الأسر في مصر، الثقة تتراجع إلى أدنى مستوياتها، القلق تزداد وتيرته، الغضب هو نتيجة متوقعة إن لم تتم لملمة هذا العبث ومحاصرته.