رأي

اسمعت لوناديت حيا

Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2015-06-08 00:01:54Z | | ÿýÿÿýÿÿýÿÿýÿÿ¥Î³!-É

 

 

في نهاية الثمانينات من القرن الماضي، خرج شيخ عجوز يتوكّأ على عصا وراح يسأل:

“أين يكمن الاعوجاج؟ ” . ثم أشار إلى مقبض عكّازه .

لاتزال صورة ذاك الشّيخ الوقور عالقة بذهني، وكان قد أطلّ علينا من غير موعد ولا ميعاد، عبر قناة ” اليتيمة” المحترمة . بعد ان اشتدّ الخلاف حول بعض مواد الدّستور. يوم كان الاهتمام منصبًّا حول الأفكار في الموائد المستديرة، وليس حول موائد الأكل و الطّعام، مثلما هو الحال بالنسبة لشاشاتنا ” المقعّرة ” في هذه الأيّام .تمرّ الأعوام تترى، وما تزال دار لقمان على حالها .

قبل هذا، وفي نهاية الثمانينات من القرن الماضي، عندما كانت النّوايا الطيّبة وأحب المجتمع الجزائري يومها أن يتصالح مع نفسه، جرت مواجهات وحوارات …، كتلك التي حدثت بين وزير البناء والأشغال وأحد الولاة . وكان هذا الأخير جريئًا بما يكفي لإحراج الوزير، والذي لم يجد ما يرد به على سؤال الوالي الشّهير : ” وأين كانت الدّولة عندما بدأ البناء الفوضوي يأخذ في الانتشار؟ا ” .

كانت البلاد يومها قد شهدت ” بريسترويكا ” مبكّرة، لم يشهد العالم العربي مثلها، والذي اجتاحه الرّبيع فيما بعد .

الدولة مسؤولة أخلاقيا على كل ما يحدث . و ما يعيشه المجتمع من تردّي، سببه يعود إلى استقالة، أو بالأحرى انسحابها من حياة النّاس وتركهم ” يأكلوا بعضهم البعض “، وقد خلّفت هذه الاستقالة و هذا الانسحاب ” ديستوبيا ” حقيقية . حقيقة مرّة وواقع مرير اا

نشاهد اليوم كيف ارتمى الناس بكل سذاجة في أحضان وسيلة ” التكنولوجية ” البرّاقة، والتي لوّثت عقولنا وأسماعنا، وملأت الدّنيا بالضّجيج . حتّى أن بيوت الله لم تنجوا هي الأخرى من هذا التلوّث ؛

لم تعد مساجدنا اليوم سوى أماكن لتمضية الأوقات في اللّهو والعبث، ونهش الأعراض، و الاستغراق في النّوم الطّويل حتى آخر الأوقات، لما توفّره من أسباب الرّاحة، و فسيفساء، وزخارف التّزاويق البرّاقة . وما يقال عنها أيضًا يقال عن بقيّة المرافق الأخرى .

لو قدّر لي أن ألتقي بصاحب العصا المعوجّة لقلت له إن الاعوجاج جاء من الأسفل ؛

لم أشهد في حياتي قط، وقد ناهزت الستّين من عمري، بنّاءً بدأ بنايته من فوق ثم نزل بعدها إلى أسفل الأرضيّة . ولنا في المثل الذي يقول تبنى ” الجبال من الحصى ” خير دليل. كذلك الشّأن بالنّسبة للدّولة والأفراد، كل شيء في هذه الدّنيا يبدأ من الأساس . والأخلاق باعتبارها أساس الحياة الجميلة الرّاقية، فعندما تغيب الأخلاق من حياتنا نفقد الأمل في كل شيء جميل .وحتّى المولى عزّ وجل بنفسه باعتباره المهندس الأوّل لهذه الأكوان، أوّل شيء بدأ به هو القلم (فقال له أكتب.. إلى آخر الرواية) لأهميّة القلم الذي به قدّر الأقوات والأرزاق، وعندما أراد أن يمدح حبيبه قال له (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ). فلو قدّر لي أن ألتقي بالشّخص ذاته مرّة أخرى، لقلت له كما قال الشّاعر قديما :  لفد أسمعت لوناديت حيًّا…ولكن لاحياة لمن تنادي