رأي

جماعات الضغط وتأثيرها على رسم السياسة العامة للدولة

د ماجد  أحمد  الزاملي

ـــــــــــــــــــ

 

جماعات الضغط هي جماعات غير محددة الحجم تتباين في نشاطاتها مع تباين المجتمعات التي نشأت فيها، أي أن جماعات الضغط هي جماعات توجد داخل مجتمع له نشاطاته لذلك فدرجة تطور وتعقد تلك الجماعات متأتية من تطور وتعقد المجتمع الذي تعيش فيه، وتكون أهداف تلك الجماعات أما مادية تسعى لربح فهي تضغط على النظم السياسية والاقتصادية من اجل تحقيق مصالحها، أو تكون ذات طابع أيديولوجي للدفاع عن قيم ومبادئ معينة تؤمن بها هي . أو هي مجموعة من الأفراد تجمعها مصالح مشتركة وتنشط فى سبيل تحقيق هذه المصالح عن طريق الاتصال بمسئولى الدولة ومؤسساتها ومحاولة اسماع صوتها مستخدمة كل ما تملك من وسائل متاحة. وممارسة الضغط من خلال أشخاص أو جماعات، فهي جماعات موجودة في كل النظم الديمقراطية في جميع أرجاء العالم، ومن خلالها يسعى من يملكون ثروات ضخمة وتكون لهم مصالح كبيرة يريدون ضمانها إلى أن يكون لهم نفوذ أو تأثير كبير في قرارات الحكومة. إنه فعل يتصف بالمشروعية وليست فيه أية مخالفة أو انتهاك للقوانين، وهو نظام متأصل في نظام الحكم بالولايات المتحدة مثلا . وفي أغلب البلدان الديمقراطية هناك جماعات ضغط تستخدمها الأحزاب السياسية أو بالعكس. وهذا الشكل من العمل الديمقراطي جاء نتيجة للتراكم الكبير لأساليب العمل الديمقراطي بغية إشراك أكبر عدد من قطاعات المجتمع في النشاط السياسي المباشر وغير المباشر لتحقيق المطالب الاجتماعية. إذا تم ربط جماعات الضغط بالحملات العامة القوية، فإن هذه الجماعات تصبح أكثر فاعليةَ؛ وقد تزيد من احتمالية استجابة السياسيين للقيام بعمليات الإصلاح إذا طالب بها العامة. ولدى هذه الجماعات اهداف مشتركة أو مصالح مشتركة يخططون لها ويدافعون عنها بما تيسر لهم من وسائل دفاع، وان هذه الاهداف وهذه المشاريع والمخططات اما ان تكون علنية واما سرية، فهم يسعون الى الضغط على هيئات السلطة في الدولة لكي تتخذ قرارات ترعى مصالحهم أو أهدافهم المشتركة وتعجل من تنفيذها والحصول عليها، وخير مثال هي جماعات الضغط المتمثلة بـالنقابات والاتحادات والجمعيات والنوادي السياسية والكتل البرلمانية والاقتصادية والشركات وغيرها. جماعات الضغط السياسي هي جماعات ذات مصالح سياسية بحتة تعمل على أن تكون لها علاقات دائمة مع رجال السلطة وتمارس الضغط بشكل مستمر للحصول على المزيد من الامتيازات مثل اللوبي اليهودي في أمريكا.أما جماعات الضغط شبه السياسية، مثل نقابات العمال والاتحادات المهنية تستعمل النشاط السياسي كوسيلة لتحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية. بالإطلاع على عدد من تعريفات جماعات الضغط نجد ان لا اختلافات كبيرة بينها وبين تعريف الحزب السياسي، إذ نستطيع التوصل إلى انها تعني ايضاً وجود مجموعة من الأفراد مجتمعين في تنظيمٍ معين على اساس مبادئ وقد تكون مصالح مشتركة لأجل تحقيق اهداف مشتركة في إطار قانوني، في هذا التعريف يُلاحظ ان لا فرق بين جماعات الضغط والحزب السياسي سوى من ناحية سعي الحزب إلى السلطة وعدم سعي الجماعة لها، تسعى جماعات الضغط للضغط على الحكومة، علماً ان بعض البلدان تحوي جماعات اكثر تأثيراً من الأحزاب السياسية وخاصة جماعات الأقتصاد القوي.

أن مرحلة الحرب الباردة شهدت تأسيس التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل، والتي كانت فيها سيطرة اللوبي الصهيوني طاغية فيما يتعلق بالتأثير على السياسة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية. وكان ينظر إلى مجرد الحديث عن الفلسطينيين أو حقوقهم المشروعة على أنه ضد المصلحة الوطنية الأمريكية. ذلك أن اللوبي الصهيوني نجح في إقناع كل من الرأي العام وصانعي السياسة بأن التحالف مع تل أبيب واتباع سياسات محابية لها يعد من المصلحة الأمريكية؛ فهي تمثل خط الدفاع الأول ضد النفوذ السوفيتي في الشرق الأوسط. وبمفهوم المخالفة، كانت هذه المرحلة من أسوأ مراحل اللوبي العربي؛ حيث كان ينظر إلى منظماته بعين الريبة. ويوجد في أمريكا حملات ضغط عديدة تمارس نشاطها بشكل علني ومشروع وهي أنواع مثل، جماعات الضغط العرقية مثل اللوبي اليوناني – الأيرلندي – والعربي، جماعات الضغط الدينية مثل اللوبي الكاثوليكي، جماعات الضغط المهنية مثل لوبي المصالح البترولية وغير ذلك. وعموما جماعات الضغط تلعب دورا مهما في توجيه السياسة الأمريكية وتمتد نشاطاتها داخل كل ولاية وعلى المستوى القومي .وهذه الجماعات مسجلة حسب قانون تنظيم جماعات الضغط الذي أصدره الكونجرس 1964 فالقانون يسمح لها بالتأثير الإعلامي وتمويل الحملات الانتخابية الأمر الذي يمكن هذه الجماعات من الضغط على الإدارة والكونجرس بما يتفق مع مصالحها. وإن لم ينجح هذا الأسلوب مع اعضاء الكونجرس يكون التهديد بحملات ضدهم أو حجب أو منع الأصوات عنهم أو حملات التشهير في بعض الأحيان.

إن القضايا والتحولات التي ساهمت في تبني الإدارة الأمريكية لنظرة اللوبي اليهودي للأحداث في المنطقة وبخاصة مرحلة ما بعد 11 سبتمبر وحتى إقرار خريطة الطريق بين اسرائيل والفلسطينيين في أبريل 2003م، ويشدد على تشابهها مع مرحلة الحرب الباردة، من ناحية هيمنة اللوبي الصهيوني على التأثير في صنع السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي اليهودي، مقابل التضاؤل الحاد لدور نظيره العربي. فقد استطاع اللوبي اليهودي استعادة هيمنته، في مرحلة ما بعد 11 سبتمبر، وتمكن مرة أخرى من تسيير الرأي العام وصناع السياسة وتحقيق التوافق بين السياسات التي يدعو إليها والمصلحة الوطنية الأمريكية. ولاشك أن ثمة تأثيرا متبادلا ومصالح متبادلة بين أصحاب القرار الأمريكي وجماعات اللوبي اليهودي حيث يدرك أصحاب القرار مدى تأثير جماعات اللوبي وقدرتهم على حشد التأييد لهم حول قضية أوتشريع أو عند خوض انتخابات سواء كانت رئاسية أو تشريعية فعندما يشعر أصحاب القرار أن جماعة اللوبي فاعلة ومؤثرة وقادرة على خلق حالة تأييد شعبي لهم فإنهم غالباً ما يتبنون مطالبها أو وجهات نظرها ويحولونها الى سياسات أما إذا شعروا بعدم أو بضعف تأثيرها فإنهم غالباً ما يحجمون عنها ولا يتبنون وجهات نظرها وهذه مسألة في غاية الأهمية من شأنها إلقاء الضوء على قوة اللوبي الصهيوني لاسيما من حيث تحكمه بوسائل الإعلام وامتلاكه لقدرات مالية كبيرة . إن الكونغرس الأمريكي ينشغل في اغلب الأحيان بقضايا ومصالح محلية ترتبط بجماعات معينة ومناطق مختلفة، بمعنى أخر إنهم يحولون تأكيد حياتهم السياسية في تجديد انتخابهم عن طريق خدمة هذه المصالح والمناطق، الأمر الذي يؤدي إلى خضوعه لها ونفوذها . وبما إن اللوبي اليهودي هو أكثر تنظيما على المستوى السياسي والإعلامي والمالي، فهو يستطيع كسب المرشحين المنتخبين . فضلا عن وجود الكثير من اليهود في الجماعات والمصالح مثل، النقابات والاتحاديات، ومنهم ما يمارس مسؤوليات ومناصب قيادية كبيرة فيها . هذا الواقع يساعد أعضاء الكونغرس اليهود والموالين في إجراء مساوماتهم وتأكيد نفوذهم لصالح يهود إسرائيل، على حساب مصلحة الولايات المتحدة. وبزيادة نفوذ تلك الجماعات أثناء الانتخابات، وهو نفوذ يزداد دائما عندما تصبح الانتخابات الرئاسية قريبة . تمكن ممارسي الضغط في الولايات المتحدة من أفراد وجماعات محليين في الوسط الثقافي السائد من استخدام مختلف الوسائل للتمكن من بلوغ صناع القرار من الدرجة الأولى، وإقناعهم بتبني سياسات مواتية لبرامجهم المحددة، لتحقيق أفضلية تنافسية على حساب قرارات أخرى بخصوص الشرق الأوسط، وتمكن ممارسي الضغط في الولايات المتحدة الامريكية من التأثير في السياسة الخارجية الأمريكية، كما أن جماعات الضغط تمثل وجهات النظر السياسية وتعد مؤسسات طوعية وأخرى تخضع لمعايير المصالح والفوائد المالية، وطبقا للقانون الأمريكي فإن ممارس الضغط هو فرد أو منظمة مهمتها (التأثير في إقرار قانون ما أو أبطاله) وبذلك يحقق فوائد منها مالية. ‏ قدمت أحداث 11 سبتمبر فرصة حقيقية لتنظيمات اللوبي العربي لعكس الصورة التي سادت عن أدائها المتواضع للغاية أثناء فترة الحرب الباردة وما بعدها حيث ارتبطت فترة نشاطهم في أواخر هذه المرحلة بعامل خارجي هو اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى، فقد نجحت تنظيمات اللوبي العربي، وخصوصاً الرابطة الوطنية للعرب الأمريكيين والمعهد العربي الأمريكي من المواجهة، واستطاعت من خلال وسائل متنوعة إقناع الرأي العام والإدارة الأمريكية بأن عدم تسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي هو العامل الأساسي لتغذية “الإرهاب”، وإتاحة الفرص أمام تنظيماته لتجنيد المزيد من الإرهابيين. ومن ثم، فإن تسوية هذا الصراع باتجاه الاعتراف بالحقوق المشروعة للفلسطينيين، بما في ذلك حقهم في تأسيس دولتهم المستقلة التي تعيش في سلام جنباً إلى جنب مع الدولة اليهودية، أصبح مصلحة وطنية أمريكية. وقد تغلبت التنظيمات العربية على مواجهة حملات اللوبي الإسرائيلي. وهناك توافق عام بأن ممارسي الضغط لهم تأثير كبير على تشريع عدد من القوانين المحلية وحشد مجموع الأصوات في انتخابات الكونغرس، والتأثير على الأحزاب السياسية والسياسيين من خلال الاتصالات الشخصية المباشرة، وكذلك الهبات والمساهمات المالية، إن تأثير ممارسي الضغط في السياسة الخارجية الأمريكية واضح المعالم مقارنة بشكل القرارات وهيكل الأبحاث ونمط الحروب، وأن هذه الجماعات لها نفوذ وتأثير كبير في مسائل محددة وحساسة وفي أوقات متنوعة وحرجة أحياناً، كما لها تأثير واسع على وسائل الإعلام في الولايات المتحدة، وهو في الغالب يتبع خطط واشنطن وينتهج الخيار الحكومي أو يتبنى أيديولوجية لحزب ما خصوصاً إذا علمنا أن غالبية منظومات الإعلام مسيطر عليها من قبل جماعات الضغط اليهودية مالياً وتسخر بالكامل لترويج أفكارها وتحسين صورة إسرائيل، وتعتمد جماعات الضغط المختلفة منظومة قواعد تتعلق بتحقيق التأثير على القرار وليس بالضرورة تتطابق مع بقية جماعات الضغط العاملة في واشنطن، ويجب على ممارسي الضغط من أفراد وجماعات تحديد جداول أعمالهم بوضوح والوصول إلى صانعي القرار المؤثرين، ويمكنهم أيضاً التأثير انطلاقاً من علاقات شخصية وثيقة مع سياسي ما أو سيناتور أو أحياناً نائب متنفذ. إن طبيعة النظام السياسي الأمريكي الذي يعتمد على النظام – التمثيلي – أوجد منافذ، استطلاع اللوبي اليهودي من الدخول والتأثير على النظام السياسي، ابتدءا من انتخاب رئيس الدولة والكونغرس، إذ تقوم جماعات الضغط بتوفير الأصوات التي يحتاجونها والتبرعات الضرورية للحملة الانتخابية.

فى الدول الديمقراطية تتمتع جماعات المصالح بوجود قوي ومعلن ومستتب وذلك للتأكيد على مبدأ الحرية فى هذه الدول.. أما فى الدول غير الديمقراطية، فان وجود هذه الجماعات يكون مستترا ونشاطها محدود وقد تسمح الحكومة لجماعات معينة بالتواجد ولكن بشرط ان تعمل وفق اطار معين تضعه الحكومة وعند محاولة الخروج عن هذا الاطار فان الحكومة سرعان ما ترفض ذلك مباشرة. إن فقدان استقلالية عمل المؤسسات الرسمية وانعدام التوازن بينها والافتقار إلى صيغ للعمل السياسي بينها وبين المؤسسات غير الرسمية ووضع قنوات الاتصال بين النظام السياسي من جهة والمجتمع من جهة أخرى، جميع هذه العوامل تقود إلى هيمنة المؤسسة التنفيذية فتكون هذه الأخيرة هي المسؤولة عن عمليات رسم وتنفيذ السياسات العامة فتقود إلى فشل السياسات العامة في تحقيق الأهداف العامة، وما يتحقق من سياسات وأهداف لا يمثل سوى مطالب ومصالح فئة معينة في المجتمع هي أكثر ارتباطا بالنخبة الحاكمة، لذلك تكون السياسات العامة في ظل تلك العلا قة سياسات نخبة فئوية، ولا تتحقق ألا في إطار ضيق . ويمكن الانطلاق من فرضية ان هناك دور مباشر للمؤسسات الرسمية وغير الرسمية للنظام السياسي في صنع السياسات العامة، وان هذا الدور متباين في قوته وفاعليته من مؤسسة إلى أخرى داخل النظام السياسي نفسه ونوع العلاقة بينهما، من جهة،ومن نظا م سياسي إلى أخر من جهة أخرى ويبرز دور جماعات الضغط على الصعيد السياسي بقيامها بالدفاع عن مصالح أفرادها وعن الأفكار والمبادئ التي يؤمنون بها، وهي تعمل على توجيه سياسة الدولة في الاتجاه الذي يحد هذه المصالح والأفكار، فهدفها التأثير في السلطة السياسية من اجل تحقيق المكاسب. وتمارس جماعات الضغط دورها في السياسات العامة من خلال التأثير في عملية رسم السياسات العامة وعلى تنفيذ تلك السياسات والرقابة عليها، ولها في ذلك وسائل عدة من خلال دورها في التأثير على المؤسسات الرسمية في النظام السياسي مثل السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية والإدارية.

أن الإصلاح الدستوري، ومطلب الانتقال إلى أنظمة حكم ديمقراطي حقيقي في الدول العربية إنما هو مطلب جماهيري ملح، يتطلب من السلطة شجاعة وخبرة في معالجة أولويات الشارع العربي،كما يتطلب من الأحزاب السياسية وتنظيمات المجتمع المدني إعادة النظر في مدى استقطابها لاهتمامات وتطلعات مختلف فئات المجتمع. فإذا كان التنافس بين فئات المجتمع ظاهرة صحية بوجه عام، فإن غياب الديمقراطية، وتمكن فئة معينة من فرض وجهة نظرها لعوامل تتعلق بقدرتها على التأثير بمركزها المالي أونفوذها السياسي، من شأنه أن يفصل السلطتين التنفيذية والتشريعية عن اهتمامات المواطنين، ويزعزع الثقة بين الحاكم والمحكوم.

في مصر كانت جماعات الضغط من أوائل الحركات التي دعت ليوم 25 يناير وشاركت مع الحركات السياسية الأخرى بقوة فى تنظيمه . بدأت الدعوة إلى مظاهرات 25 يناير من بعض الحركات الاحتجاجية وجماعات الضغط مثل شباب السادس من أبريل، وشباب من أجل العدالة والحرية، والحملة الشعبية، وجماعة كلنا خالد سعيد، وحركة كفاية، وهى جميعاً حركات شبابية تشكلت للضغط من أجل أهداف معينة، مثل محاكمة قتلة خالد سعيد، أو إعادة النظر فى بعض مواد الدستور المنظمة للانتخابات وغيرها. لم يكن من أهداف هذه الجماعات تولى السلطة أو المنافسة على السلطة، بل كان أقصى ما تسعى إليه أن تضغط من خلال المظاهرات والإضرابات لتحقيق هذه الأهداف، وكانت فى تحركها لتحقيق هذه الأهداف تخاطب السلطة ولا تفكر فى تغييرها أو الحلول محلها، وقد أدى نجاح المظاهرات واستمرارها وتجاوب الشعب معها أن تحولت إلى انتفاضة شعبية تحولت تلقائياً إلى المطالبة بإسقاط النظام دون أن تربط بين هذا الشعار والتغيير فى السلطة، ودون أن تطرح على نفسها تولى السلطة لإقامة نظام جديد.

 

د. ماجد احمد الزاملي

الجزائرية للأخبار

أضف تعليقك

اضغط هنا لإضافة تعليق