أحوال عربية رأي

حرب سورية …قراءةٌ في أبعاد الاندماجات العسكرية في إدلب

 

 

 د. محمد عادل شوك

ـــــــــــــــــ

بعد أن باتت الخارطة الفصائلية في إدلب على هذا النحو:

1ـ الجبهة الوطنية للتحرير، التي أعلن عنها في: 27/ 5/ 2018، و تتشكّل من أحد عشر فصيلاً، بعدد قوات يزيد على 50 ألف عنصر، يتوزعون على أغلب نقاط الرباط في المناطق المحررة، في ريفي حلب وحماة، و جبال الساحل، و إدلب وريفها، و يقودها مجلس عسكري مكون من نخبة ضباط الجيش الحر، من العقيد فضل الله الحجي ( قائد الفيلق )، و المقدم صهيب ليوش، و الرائد محمد منصور.

2ـ جبهة تحرير سورية، التي أعلن عن تشكيلها ابتداءً في: 3/ 2/ 2018، من حركتي أحرار الشام و نور الدين الزنكي، ثم لتنضمّ إليها في: 6/ 6 الجاري، فصائل: جيش الأحرار، و صقور الشام، و جيش العزة، بقيادة حسن صوفان ( قائد الأحرار ).

3ـ هيئة تحرير الشام، المعلن عن تشكيلها في: 28/ 2/ 2017، من جبهة فتح الشام، و نور الدين زنكي، و أنصار الدين، و جيش السنة، و لواء الحق.

يمكن للمراقبين وفق هذه الاندماجات العسكرية أن يقرؤوا الآتي:

ـ إنّ الفواصل بين هذه التكتلات الثلاثة هي آيديولوجية في المقام الأول، فقد لوحظ في قائمة الفصائل المنضوية في بيان ( الجبهة الوطنية )، أنّها من حملة العقيدة القتالية الوطنية، التي اتّصف بها الجيش الحر على في الثورة السورية.

في حين أن ( تحرير سورية ) لم تستطع أن تخلع عنها رداء السلفية الجهادية، على الرغم من المحاولات الحثيثة، و مردّ ذلك إلى حالة التشبّع القصوى التي صبغت أهمّ فصيلين فيها ( الأحرار و الزنكي، و حتى جيش الأحرار ) طيلة سنوات تماهيها مع أطراف من الجهادية العالمية.

و أمّا ( تحرير الشام ) فإنّها قد سعت منذ الإعلان عن ولادتها، إلى أن تقنع الحواضن الشعبية، قبل الأطراف الخارجية، إلى أنّها قد قطعت مع تنظيم القاعدة، و أنّها بتدرّجها من: النصرة، إلى فتح الشام، إلى تحرير الشام، قد غدت كيانًا ثوريًا و ليس جهاديًا، و هو ما لم تفلح به؛ فمسلكها مع الفصائل الأخرى، بأخذها الأمور ( تغلُّبًا )، و مع الحواضن الاجتماعية في إدلب بعد أن صارت الأمور إليها، لا يشي على أنّها قد غادرت دائرة الجهادية العالمية، و حتى تركيا لم ترى فيها غير ذلك، و هي قد فضَّلت عدم الصدام معها، و قد أزاح تصنيف الخارجية الأمريكية لها ضمن قوائم الإرهاب في: 29/ أيار الفائت، العبء عن كاهلها و أراحها كثيرًا، و أعطاها المبرّر لتخييرها بين حلّ نفسها، أو المواجهة، التي لن تؤجل كثيرًا بعد: 24/ حزيران الحالي، في حال هبت الرياح لصالح أردوغان.

ـ إنّ الجبهة الوطنية بميلها إلى مهادنة الهيئة، و وقوفها على الحياد في جولات اقتتالها الفصائلي مع تحرير سورية، على الرغم من سلسلة التحرشات التي أصابتها منها، و على الرغم من المناشدات التي طالبتها بالتخلي عن حيادها، و الذهاب مع تحرير سورية لحسم المعركة، كانت تتماهى مع الرغبة التركية في جعل العلاقة مع الهيئة بمستوى الثقة المتبادلة، ريثما تنتهي من مشروعها في إتمام خطوات تفاهمات أستانا في منطقة خفض التصعيد الرابعة، مع تحيُّن الفرصة لإعادة الأمور إلى ما قبل: 24/ 7/ 2017.

ـ إنّ الجبهة الوطنية بكونها المشروع الذي ترعاه تركيا: ماديًا و معنويًا، ستكون أداة أنقرة الجديدة، في فرض السيطرة العسكرية على المنطقة؛ على الرغم من أنّها لم تظهر حتى اللحظة أيّة اتجاهات واضحة، سواء فيما يتعلق بالصدام مع الهيئة، أو نيتها الهيمنة على المنطقة، و لاسيّما أنّ الثلاثي الإخواني ( نذير حكيم، هيثم رحمة، منذر سراس ) هو من أشرف على ولادتها.

ـ إن تركيا راغبةٌ ضمنًا في مشاغلة ( الهيئة ) بـ ( تحرير سورية )؛ في حال إصرارها على المضي في مشروع الجهادية، ولاسيما أنّ ما بينهما من فقدان الثقة، يدفع للصدام على الرغم من الهدنة الهشة المعلنة في: 1/ 4 الفائت، و هو يفسِّر مسارعتها لضمّ ( جيش الأحرار، و العزة، و صقور الشام ) إليها؛ توجّسًا من اندفاع الهيئة نحوها في جولة صدام، عوضًا عن الجبهة الوطنية، حينما ترى الأطراف مجتمعة طيَّ سجلها.

ـ لقد فوّتت تحريرُ سورية الفرصة على نفسها، في أن تكون ركنًا أساسيًا في الرؤية التركية لإعادة هيكلة الخارطة العسكرية في مناطق الشمال، بسبب استمرارها في المنطقة الرمادية التي اعتادت التموضع فيها، و بغلبة كلمة ( لَنَعَمْ: لَاْ + نَعَمْ ) على مسيرتها السياسية، مثلما ستفوّت الهيئةُ الفرصةَ في إدماجها ضمن المشروع الثوري، ظنًا منها أنّها بإنشاء مكتب سياسي يرأسها ( يوسف الهجر: أبو البراء السوري/ مسؤول النصرة في دير الزور ) الذي صرّح لقناة الجزيرة في: 28/ 5 الفائت، أن ّالهيئة مصرّة على البقاء في ذات المربع الذي تموضعت فيه منذ أيام النصرة، أو بإتيانها بحكومة الإنقاذ، ستحمل المراقبين على محو الصورة النمطية المرسومة لها.

ـ إنّ الدور المناط بالجبهة الوطنية ضمن آفاق الحلّ المرتقب، ربما يكون وفق هذه المراحل الثلاث:

ـ الأولى ( الحالية ، و ستستمرّ خلال المرحلة المقبلة ): تتركز حول تأمين تنفيذ الاتفاقات ( التركية ـــ الروسية )، ولاسيّما تأمين طريق ( حلب ــ حماة ) الدولي، فضلاً على تأمين الترتيبات الرئيسية للوجود التركي في المنطقة، بما أن عناصرها منتشرون على مساحات واسعة من محافظة إدلب ( بما فيها المدينة )، و ريفي حماة و اللاذقية، و ستكون على الحياد في أي صراع منتظر بين تحرير سورية و الهيئة؛ للحفاظ على مواقعها الاستراتيجية ضمن المنطقة.

ـ الثانية: في حال صدر قرار سياسي تركي بإنهاء وجود الهيئة، ستكون قد استطاعت استيعاب ما تبقى من الفصائل الصغيرة والمتوسطة في المنطقة، إلى جانب استيعاب الكتلة العسكرية في ريف حماة، التي تشكل الأحرار الجزء الأكبر منها، لمواجهة الهيئة عسكريًا إذا لزم الأمر، و تفكيك وجودها و إنهاء سيطرتها على إدلب.

ـ الثالثة: ستكون الجهة العسكرية الوحيدة في المنطقة، المكوِّنة للجيش الوطني، المنضوية تحت الحكومة المؤقتة، الذي سيبسط سيطرته على كامل إدلب، ليشكّل بعدها امتدادًا إلى منطقة درع الفرات، مرورًا بغصن الزيتون، نظرًا للقدرة التنظيمية العالية، و غلبة الاحترافية عليه؛ نتيجة انخراط أعداد لا بأس بها من الضباط المنشقين.