ثقافة رأي

الجزائر في حاجة للتخلص من تنظيم إداري إستعماري الجذور

رابح لونيسي 

ـــــــــــــ

لايمكن لنا فهم المشكلة السياسية والإدارية في الجزائر دون العودة إلى ما وقع أثناء أزمة صيف1962 بكل إنعكاساته على مسار الجزائر المستقلة ومستقبلها، والتي لازالت متأثرة بها إلى حد اليوم، ويبدو أنه لا يمكن إصلاح الخلل الموجود اليوم إلا بتصحيح الخلل الذي وقع في 1962 كنتيجة لأزمة صيف تلك السنة.
ان الثورة الجزائرية في الحقيقة منذ مؤتمر الصومام قد شرعت في إقامة نواة دولة-الأمة الجزائرية كلها من خلال المجلس الوطني للثورة الجزائرية التي مثلت فيه كل التوجهات الأيديولوجية والشرائح الإجتماعية ومناطق البلاد، وهو بمثابة مؤسسة تجسد السلطة العليا للأمة كلها وسيادتها، وقد أنبثق عنها لجنة تنسيق وتنفيذ، وهي بمثابة حكومة مصغرة، والتي تحولت فيما بعد إلى الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، وهي مسؤولة أمام المجلس الوطني للثورة الذي يعينها، وكان بإمكان الجزائر عند إسترجاع الإستقلال أن تواصل بنفس المؤسسات تقريبا بتحويل هذا المجلس إلى برلمان منتخب شعبيا بواسطة إنتخابات تعددية تشارك فيها كل الأطياف، ومنها تنبثق الحكومة التي تكون مسؤولة أمامه، وبشكل آخر نظام برلماني وتعددي، وبإمكان تمثيل شرائح المجتمع فيه أيضا إضافة إلى مختلف الأحزاب المنتخبة شعبيا.
لكن ذهب ذلك كله سدى بسبب حب السلطة وثقافة سياسية متأثرة بالجانب السلبي للفكر السياسي الفرنسي، وهذا ما ينطبق على كل البلاد العربية التي تأثرت بالبعض من هذا الفكر، لكنها أخذت عنه فقط النظام الشبه الرئاسي وفكرة اليعقوبية التي تقصي أطرافا من المجتمع وتريد أن تصنع أمة على نمط واحد، وترفض التعددية بكل أشكالها.
وقد كان لأزمة صيف1962 ووصول بن بلة-بومدين إلى السلطة تأثير كارثي على المسار الإداري وتنظيمه في الجزائر، وكرس أكثر التنظيم الإداري الإستعماري بدل التخلص منه على الأقل تدريجيا، ولو أننا لاننفي محاولات وزير الداخلية أحمد مدغري القيام بذلك، لكنه حتى هو كان متأثرا بهذا النظام أيضا، مما جعله في صدام دائم مع حزب جبهة التحرير الوطني الذي كان يرى ضرورة إبعادها التام عن التسيير، فالإدارة في نظره تحتاج إلى صرامة وكفاءة لا غير، نحن لانختلف في ذلك مع طروحات مدغري المدعوم من بومدين حول الصرامة والكفاءة، لكن ما نختلف معه هو حول هذا التنظيم الإداري الذي كان نفس التنظيم الموروث عن الإستعمار.
نعتقد أن لهذا التنظيم الإداري الموروث عن العهد الإستعماري تأثير سلبي كبير على الجزائر لعدة أسباب، ومنها: أنه لم تضعه السلطات الإستعمارية إلا بهدف خدمة المعمرين والتحكم في العملية الإستغلالية للشعب الجزائري، ثم حوله نظام بن بلة في 1962 أكثر رداءة وضعفا بسبب ضعف كفاءة المسؤولين الإداريين، حيث كان التعيين يتم على أساس الولاء للنظام والأشخاص، وليس على أساس الكفاءة والإلتزام والولاء للأمة والدولة فقط، كما أنه كرس نفس الوضع بعد1962 مثل ظاهرة إحتقار الجزائريين الذين كانوا يدعون بالآهالي في العهد الإستعماري، خاصة سكان الأرياف البسطاء، ويعود هذا السلوك أن أغلب الموظفين والمسؤولين الإداريين سواء على الصعيد المحلي كالبلديات أو المركزي كانت تتكون من الذين كونتهم فرنسا بعد إصلاحات لاكوست في 1956 التي سعت إلى إشراك جزائريين في بعض الوظائف الإدارية لعزلهم عن الثورة، فمثلا أغلب الأمناء العامين للبلديات في العقود الأولى للدولة الوطنية كانوا من هؤلاء الذين يطلق عليهم”دفعة لاكوست”، وطبعا التبريرات السائدة آنذاك هو الإستعانة بالكفاءة، ويبدو أنه قد تم توريث بعض ممارساتهم دون وعي منهم للأجيال الجديدة من الموظفين والمسؤولين الإداريين، لكن ماذا سيكون الوضع لو تخلصنا نهائيا من هذا النظام الإداري الإستعماري وواصلنا العمل بالنظام الإداري الذي شكلته الثورة خاصة بعد 1956.
نعتقد أنه كان من المفروض الإبقاء على النظام الإداري والسياسي و العسكري الذي وضعته الثورة، خاصة بعد مؤتمر الصومام 1956، وهو النظام الذي أثبت فعاليته في الميدان، وكان وراء الإنتصار على فرنسا الإستعمارية، ويتمثل هذا التنظيم الإداري والسياسي والعسكري الذي وضعته الثورة بعد مؤتمر الصومام 1956 بتقسيم البلاد إلى ولايات ومناطق ونواحي لمواجهة الإستعمار، وأخذ في هذا التقسيم بعين الإعتبار الخصوصيات الجغرافية والطبيعية والثقافية والسكانية والإجتماعية للجزائر .
وكان بالإمكان الإستعانة بنفس التنظيم لمواجهة التخلف والتكفل بعملية البناء الوطني مع إدخال تعديلات تقنية عليه تقتضيها عملية البناء الوطني بعد عملية التحرير، خاصة وأن هذا التنظيم قد أثبت فعاليته أثناء الثورة التحريرية، لكن عند الإستقلال تضاربت الصلاحيات بين هذين النظامين، مما أدى إلى نوع من الفوضى، ففي الوقت الذي كان فيه من المفروض إستبدال التنظيم الإداري الإستعماري بتنظم إداري أثبت نجاعته أثناء الثورة المسلحة، لأنه كان يأخذ بعين الإعتبار خصوصيات الشعب الجزائري، إلا أن الذين أخذوا السلطة في 1962 فضلوا التنظيم الإداري الإستعماري على التنظيم الإداري للثورة.
وتعود أسباب تفضيلهم لهذا النظام الإداري الذي يعد أحد أسباب مأساة الجزائر هي دوافع سلطوية لا أكثر، لأن الولايات التاريخية كان يسيطر عليها مجاهدو الداخل الذين طردوا الإستعمار، ورفضوا إنقلاب بن بلة – بومدين على المؤسسات الشرعية للثورة، فلجأ بن بلة إلى التخلص من هؤلاء وتفضيله إدارة إستعمارية مستعدة للتعاون مع النظام الذي أستولى على الحكم بالقوة، وأختفت الرغبة في التسلط على خطاب أيديولوجي وسياسي متحامل على الولايات التاريخية ملصقا بها أوصافا ونعوتا ليست صحيحة على الإطلاق، ومنها إتهام قادتها بالنزعة الولائية والإقطاعية بهدف تبرير القضاء عليها، لكن لو عدنا إلى الحقيقة والواقع، فإن مجاهدي هذه الولايات التاريخية وقادتها كانوا أكثر إرتباطا بالطبقات الشعبية، لأنهم كانوا يعيشون في صفوفها، وأنبثقت عنها، على عكس الذين كانوا في الخارج وعلى الحدود، والذين كانوا بعيدين عن الشعب وحقائق الثورة ومنفصلين عن طموحاته، بل كان بعضهم يعيش حياة الرفاهية، ولهذا أستخدموا خطابا شعبويا يخفي رغبة في أخذ مكان المعمر عكس مجاهدي الداخل، ونعتقد أنه هنا تكمن بذور الإنفصال بين الدولة والمجتمع في جزائر ما بعد إسترجاع الإستقلال، وهاهو بعد أكثر من نصف قرن، يكتشف الكثير من الجزائريين، بأن هذا النظام العسكري والإداري والسياسي الذي وضعته الثورة التحريرية كان الأنجع، ولو واصلت الجزائر تطبيقه، لتحررت مما يسمى اليوم بإستمرارية الإدارة الإستعمارية وبيروقراطياتها وإحتقارها للمواطن الذي كان تحالف بن بلة- بومدين وراء بقائها لأهداف سلطوية بحتة لا غير.
ونشير انه قد وقعت عدة محاولات لإعادة النظر في التنظيم الإداري للجزائر مثل إنشاء المحافظات الكبرى ثم التراجع عنها والإكتفاء بإنشاء ولايات جديدة مما أدى إلى صراعات بين مدن حول من تصبح مقرا للولاية، وهو ما زاد من التطاحن بين الجزائريين كما وقع مثلا بين عين الصفراء والنعامة ومشرية في الثمانينيات القرن الماضي.
جاء الرئيس بوتفليقة في 1999 بعدة مشاريع وورشات إصلاحية، ومنها إصلاح القضاء والتعليم، وأيضا الإدارة، لكن بقيت هذه المشاريع في الأدراج بسبب تضارب المصالح وتأثير بعض اللوبيات المستفيدة من الوضع القائم، ومنها مشروع إداري قدمه ميسوم سبيح، يعود تقريبا إلى نفس التنظيم الإداري للثورة مع توسيعه وإدخال تعديلات عليه، لكن بقي في الأدراج مثله مثل مشروع إصلاح القضاء الذي وضعه محند يسعد رحمه الله الذي لم ير النور عمليا أيضا.
نعتقد انه قد حان الوقت للتخلص من النموذج الفرنسي، وكأنه النموذج الوحيد الموجود في العالم، متناسين بأنه يعد أسوا نظام سياسي ضمن كبرى الدول الديمقراطية، وذلك بسبب يعقوبيته وتمركزه، فهو الوحيد ضمن الدول الغربية الذي لازال يناقش في مسائل تدخل في النطاق الشخصي مثل الحجاب تحت غطاء لائكية معادية للدين، وهو خطأ تماما فاللائكية في حقيقتها ليست ضد الدين، بل تقف موقف محايد وعلى نفس المسافة من كل الطوائف الدينية في البلاد، ولهذا تصطدم فرنسا دائما مع مسلميها وهذا ما لايقع مثلا في النموذج البريطاني، وما يؤسف له أن نخبنا السياسية سواء الحاكمة أو المعارضة متأثرة كثيرا بنموذج فرنسي في طريق الإضمحلال، ويحتاج إلى إصلاح جذري لأنه لايتماشى مع المستجدات والتغيرات التي حدثت في فرنسا، خاصة من الناحية الديمغرافية الذي يتطلب تعددية ثقافية وإحترام خصوصيات الجميع، كما يقع مثلا في دولة كندا التي تعد أحسن نموذج في ذلك لدرجة إعطاء حق العامل إختيار مواقيت عمله حسب خصوصياته الدينية والثقافية مثلا، بل حتى حق الفرد في إختيار المدرسة التي يريدها لأبنائه، لكن نقلنا هذا النموذج الفرنسي للأسف الشديد بدل الإنطلاق من خصوصياتنا وواقعنا الإجتماعي فنظامنا السياسي نظام رئاسي على نفس الطريقة الفرنسية، ويعود هذا السلوك حتى إلى العهد الإستعماري، فمثلا نقلت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين نفس تسمية جمعية الشبان المسيحيين التي أنخرط فيها بن نبي وتاثر بفعاليتها، فأراد نقله إلى المسلمين، وحتى جبهة التحرير الوطني هي نفس تسمية جبهة التحرير الوطني الفرنسية التي ضمت المقاومين الفرنسيين ضد النازية، وتسمية الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية هي نفس التسمية الفرنسية للحكومة المؤقتة برئاسة دغول بعد تحرير فرنسا في 1944.
لعل هذه التسميات شكلية، لكن تنم عن مدى تأثر نخبنا بكل ما هو فرنسي، وقد حاولنا في فترة نقل النموذج السوفياتي بكل سلبياته، لكن أنحصر ذلك في المجال الحزبي والإقتصادي والعسكري إلى حد ما، إضافة إلى بعض المدراس التكوينية كمعاهد البترول ببومرداس في فترة من الفترات، ألم يحن الوقت لكي يكون لنا تفكير ذاتي منطلقا من واقعنا وتاريخنا وجغرافيتنا وواقعنا وإرثنا مع تحديثه، وإن كان لابد لنا نقل نماذج، فلنلقي نظرة إلى نماذج جد ناجحة ككندا والدول الأسكندانفية، بل حتى أمريكا وبريطانيا بدل توجه أنظارنخبنا الحاكمة إلى فرنسا فقط.