أحوال عربية

ضد ايران أو ضد السعودية

 

د سليم  الحسني

ـــــــــــــــــ

لا خلاف على اهمية أن تكون علاقات العراقية مع جيرانه متوازنة قائمة على احترام السيادة والشؤون الداخلية، لكن هذه أمنية يصعب تحققها في ظروفه الحالية، كما يتعذر ضبطها في ضوء الصراعات الإقليمية التي تسود المنطقة.

لقد اهتم الفكر السياسي بمسألة العلاقات الخارجية، وتوقف خبراء السياسة ورجال الدولة طويلاً عندها، وهو ما أنتج مفهوم النظام الإقليمي، والمقصود به مجموعة التفاعلات والمؤثرات التي تحكم منطقة معينة.

يخضع النظام الإقليمي لمجموعة متحركة من العوامل المعقدة والمتشابكة، فتأتي العلاقات الدبلوماسية مفردة من مفرداتها، وقد يتلاشى تأثير هذه المفردة وسط تصاعد عوامل أخرى.

فمثلاً وجدت الدول الأوروبية في القرنين السابع والثامن عشر، أن تنظيم العلاقات فيما بينها، وتوقيع الاتفاقات والمعاهدات، لا يكفي لأن يجعلها تعيش بسلام مع بعضها البعض، وذلك نتيجة اختلال توازن القوى بينها. والتوازن المقصود هو السماح لبعض الدول الأوروبية بأن تدخل في النادي الاستعماري وتحتل دولاً أخرى على غرار ما تفعله غيرها. مثلما سمحت بريطانيا لفرنسا باحتلال الجزائر، لتحقيق التوازن الأوروبي.

حين ندرس وضعنا العراقي في ضوء النظام الإقليمي الخاص بالشرق الأوسط، فان مشكلة العراق ستبدو معقدة الى مستويات خطيرة فهناك:

ـ مشروع أميركي استراتيجي يتمثل بالشرق الأوسط الجديد الذي يعني إعادة تشكيل المنطقة عن طريق الفوضى.

ـ خضوع خليجي للمشروع الأميركي ومن ضمنه صفقة القرن مع إسرائيل.

ـ معركة محتدمة بين ايران وبين اميركا وإسرائيل.

إن هذه العوامل الثلاثة متداخلة بشكل نسيجي بالشأن العراقي، فهو بالنسبة لأمريكا وإسرائيل يجب أن يبقى مضطرباً لا يشهد الاستقرار. وهذا ما يشجع السعودية وقطر والامارات وتركيا على صناعة الجماعات الإرهابية ودعم اتجاهات العنف والطائفية في العراق. فيما تتولى الكويت مهمة التأزيم الناعم. وما يهم الكويت أن تبقى البصرة تعاني الاضطراب والفقر والقلق الأمني، ليكون ذلك حاجزاً دفاعياً دائماً لها حسب تصورها.

وفي المقابل تسعى إيران الى حماية مصالحها في معركتها المصيرية مع إسرائيل وامريكا، فتلجأ الى التسابق مع المحور الخليجي في مدّ نفوذها الى العراق.

لقد كانت النقطة المفصلية في الصراع الإيراني ـ الخليجي على العراق، في الفترة الأولى من سقوط النظام، فقد لجأ الخليجيون الى استخدام خيار العنف لمنع الشيعة من إدارة البلاد، فراح ضحية ذلك مئات الآلاف من القتلى على يد الجماعات الإرهابية التابعة للسعودية وقطر.

أما إيران فانها لجأت الى دعم الشيعة لمنع انهيارهم سياسياً، لكونهم يمثلون خط الدفاع المتقدم لها. أي أن شرارة التأزيم اطلقتها الحكومات الخليجية ثم واجهتها إيران، وكانت الشرارة بمثابة الحرب الطويلة بين الطرفين على العراق.

لن تتوقف السعودية ولا قطر ولا الامارات ولا غيرها عن مشروعها التخريبي في العراق، لأن ذلك يتبع بالضرورة المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي في المنطقة.

ربما تتغير بعض الملامح الخارجية لكن جوهر التوجه التخريبي لا يتغير.

وفي مواجهة هذا المشروع التخريبي، تجد ايران نفسها مستهدفة بقوة، فتلجأ الى منع سقوط العراق بيد الفوضى الإرهابية بأي شكل، لتحمي نفسها في هذه المعركة الصعبة.

في المحصلة النهائية، ليس أمام العراق إلا أن يختار بين أن يكون مع إيران في مواجهة المشروع الأميركي الإسرائيلي (وأداته الأولى السعودية)، وبين أن يكون مع السعودية في مواجهة إيران.

في الحالة الأولى سيكون ضد السعودية، لكنه يضمن لنفسه الأمن من السقوط بيد الإرهاب والفوضى القاتلة، خصوصا بعد انتصاره على داعش.

في الحالة الثانية سيقدّم العراق نفسه ذبيحة سهلة تحت عنوان الصف العربي.

وعلى هذا فان الحياد مستحيل في هذه المعادلة، ودعوات التوازن في العلاقات الخارجية ما هي إلا رغبات ساذجة خارج منطق السياسة الواقعية.

 

سليم الحسني